لقد اثبت التاريخ إن من يحطم الرؤساء هي الشلة المنتفعة المحيطة به والتي تعمل من نفسها جداراً عازلاً بين القيادة والقاعدة من اجل منافعها الخاصة. وهذا شيء متعارف عليه، وأدت الشعوب المغلوبة على أمرها أثماناً باهضة من سعادتها لآجل سعادة حفنة من أصحاب الأقلام البارعة والنوايا النفعية الفردية التي تقدمت الآن وبدأت بحملاتها اللغوية في تمجيد القادة.
لقد مرَّ العراق بمأسي يكفي توزيعها على شعوب الأرض ولمدة أعوام إذا كانت هناك عدالة بشرية. لماذا يدفع الشعب العراقي هذا الثمن الباهض من حياته كل مرة نتيجة اختلاط المقاييس والمفاهيم مما تدفع لحصول تضارب في المصالح الشخصية لحفنة قليلة، والتي تتداخل نتيجة جشعها مع المصالح والمنعة العامة، وفي نهاية الصراع تضيع الخطوط نتيجة لهذا التشابك ويخسر الفرد العادي جيمع مصالحة، لذا نراه يلجأ للعلاقات الشخصية لتمشية اموره. كل هذا يحصل عندما تبنى الجدران العالية بين المواطن والقيادات العليا وليست القيادة الواحدة، وذلك لصعود الولاءات المزيفة للقيادة الواحدة والتي تنجب الاخيرة حلقات تحيط نفسها بها لاجل سماع عبارات الاطراء التي تسد الخطوط النظيفة والقنوات التي تؤدي الى وصول ما يدور في الشارع للقائد الاعلى أو الرئيس القائد كما نحب ان نسميه في عالمنا العربي، وتعطيه صورة مشوشة عما يدور في الشارع العام.
لقد مرت عشرات السنين والشعب العراقي يصرخ من شدة الالم، ولكن هذا الصراخ يذهب هباءا كمن ينفخ في قربة مثقوبة. فيلجأ للرشاوي والواسطات نتيجة غياب القانون وحجبه في دروب الفساد الاداري والبيروقراطية المتعفنة التي يعاني منها المجتمع العربي بشكل عام وليس العراق وحده، بأشكاله المؤلمة والتي تؤدي إلى انعدام مفهوم التعامل الوظيفي الملتزم والاشراف لإداري البناء.
إن تخطي الحلقات الادارية التي اصبحت وما زالت (لا اول لها ولا اخر) تتصف بالتعقيد والغرابة في العراق، وخلق منظمات سياسية كثيرة حلت محل المدراء والوكلاء والوزراء والتي تسمى دوائر امن المؤسسة والتي حل محلها الان اصحاب العمائم البيضاء تتدخل في كل شاردة وواردة حتى في ابسط الامور الشخصية للمواطن، عن طريق تواجد المخبرين بشكل سرطاني من كل شكل ونوع، وضع لجاما على افواه عامة الشعب وبثَّ فيهم الرعب الحقيقي الذي منعهم من المجادلة ومحاكاة القيادات العليا في الالتفات الى السلبيات المتراكمة في ممرات المؤسسات الوظيفية، وعدم المقدرة على إيصال الصوت الناتج عن الضمير الحي الذي يريد لفت نظر القيادة العليا لما يدور في ارجاء البلاد، ولكن يبقى المواطن اعزلاً وعاجزاً عن إيصال صوته وذلك كما قلنا لوجود الجدران العازلة المبنية حول القيادة العليا لانها ( كما يصل إليها ) مطمئنةعلى راحة الشعب الناكر للجميل كما يُقال له من المحيطين به والذين تتضارب مصالحهم بشكل سلبي لو تنبهت القيادة العليا لما يدور خارج الحصن المنييع الذي تعتصم به.
هنا نصل الى النقطة الرئيسية لمحور حديثنا اليوم وهو تواجد من يضع هذه الهالات المزيفة حول القيادة العليا المعتصمة في قلاعها والمترفة بخير هذا الشعب الذي يقف طوابير للحصول على ما يديم معيشته. وهؤلاء المطبلين والمزمرين والممجدين للقائد متواجدون في كل مكان وزمان، منذ عهد الخلفاء حيث كان يمدحهم الشعراء زوراً وبهتاناً فيأمر لهم الخليفة بالدراهم جزية على مديحهم له. وتغير الحال في عصرنا الحاضر من القاء الشعر امام الخليفة إلى الوسائل الاعلامية العديدة والتي يسيطر عليها ذوو الاقلام البارعة الذي ينبرون في مقالاتهم بالمديح المفرط والكذب المنمق حتى تصدق انفسهم ما يقولون. فيصبح القلم لديهم سيفا ينزل على رقاب الرعية بفرض محاسن وصفات لم تتواجد في الممدوح. لماذا لم يتركوا مديح الافراد والتوجه في تحليل ما يجري ووضع البدائل له ؟ الم يكن ذلك هو المشاركة الوطنية الحقيقية الخلاَّقة؟ لماذا لم ينقلوا معاناة الشعب الى المسئولين باستغلال الموهبة التي منحها الله لهم في توصيل نداء الحق، وترك الكتابات التي تكيل المدح وتمجد التاريخ النضالي المدبج للافراد؟ وما العظمة، وما العزة، وما الروعة إلا لصاحب العزة والجلال.
إن ما قامت به وزراة الاعلام السابقة من تشوية للواقع والحقائق لم ننساها والتي ظلت تكرر وتغني اناشيد النصر والقوات المحتلة دنست ارضنا من الجنوب ودقت بوابات بغداد وتمركزت في ساحة الفردوس، ولم ننسى الابواق التي طبلت في حرب 67 من انتصارات كاذبة خسرنا بسببها اراضينا لاسرائيل، ولم ننسى ما يكتبه الاعلام في الدول ذات الرأي الواحد مما اخذ بيد هذه الدول للهاوية ورفض شعوبها لها والذي اصبح علنا الان لفرض فسحات ولو صغيرة بالقوة على حكوماتها للتنفس حتى لو دفعت دمها ثمنا لهذه الحرية المؤقتة. والكل يعرف ما أوصل هذه القيادات لمواقفها المعتجرفة اتجاه شعوبها إلا نتيجة براعة الاقلام الكاذبة المنتفعة والمزورة للحق.
نحن الان في زمن جديد، وعراق يدفع دمه كل يوم، وهناك من يكتب بنزاهة وحرية عما يدور في ارض السواد من ماسي ترتكب من قتل وتفجير وكل ما يتواجد في القاموس العربي من كلمات مأساوية في تحطيم البنى التحتية والفوقية والجانبية للمجتمع العراقي، و تطالب بإصلاح الامور بشكل فوري وجاد دون التحرش بكرامات الساسة، ولكن ايضا هناك فئة تكتب كانها غيرت جلدها فقط، وانبرت تمدح بالقيادة الجديدة المتصارعة والتي ضاعت في غياهب الورزارات، وتحصنت داخل المنطقة الخضراء تحمي نفسها.
إن المديح في غير مكانه كما تعلمناه في دروس البلاغة هو المديح من باب الذم، وانزال المديح في شخصيات سياسية لا نعرف لحد الان أي خطوة ايجابية اتخذتها لصالح الشعب العراقي إلى الان، لانها ما زالت تتصارع على قضايا ما زالت معلقة كقضية كركوك والبيشمركة والعلم العراقي وجيش المهدي وتوزيع الوزارات، وسرطان القتل يزداد انتشارا في جسم الشعب العراقي، ولا من علاج له. والذي استدعى الرفيق رامسفيلد لزيارة العراق وتوزيع الابتسامات التي فاجئنا بها لانه لا يعرف كيف يبتسم، لحل الاشكال وفض النزاع والصراع وإظهار الاسماء المدوية لإدارة العراق المسكين الذي ابتلى بهذا القدر استغفرك ربي واتوب اليك.
إن العجز الظاهر على عدم قدر توزيع الوزارات، وعدم توفير الامن وغياب الاشراف الاداري على مؤسساتنا، ناهيك عن عدم توفير ابسط متطلبات المعيشة الانسانية من قبل الفئة المعتصمة في المنطقة الخضراء والتي تلقي بتبعات فشلها على االارهاب، دفعت بعض الكتاب من اصحاب الضمائر الحية بالتطبيل والتزمير لبعض الشخصيات الجديدة. رحماك ربي من هذا البلاء.
وبأسم رب الكعبة إنني من أشد المؤمنين بابداء الرأي بصراحة، والحرية في الكتابة والديمقراطية في المداولات لاجل بناء عراق في يوم من الايام حر ديمقراطي يتمتع بسمعة دولية عالية بعلمائه وشعبه العظيم، ومن اشد المؤمنين بالنقد البناء حتى لو كان عنييفاً بعض الشيْ تطبيقا للمثل الشائع " أمشي ورا اللي يبكيك ولا تمشي وراء اللي يضحك، لانه يضحك عليك "، و لكن ما يخيفني هو ظهور هذا المديح والتأليه الذي سيمتد الى قلوب هؤلاء الساسة، ونقع في نفس الدائرة الفارغة ونشيَّد نفس الحواجز من جديد، وتنحفر الهوة بين القيادة والشعب الذي وضع دمه على كفه وانتخبهم من اجل تحقيق مصالحة العامة وليس مصلحة المجاميع الجديدة من كتاب العرائض.
نحن بحاجة لكتابة الواقع، ووضع الدراسات المفيدة لبناء ما تهدَّم، وإعطاء البدائل عن السلبيات الموجودة وكيفية القضاء عليها، ومساندة الشعب العظيم في صبره، ولسنا بحاجة إلى إضاعة لغتنا العربية والتي تعتبر معجزة قومنا ان تكون معول لخلق القصص والتسطير البائس، حرام ان تضيع هذه اللغة الراقية دون الاستفادة من تأثيرها الخلاق على النفس العربية بشكل إيجابي عن تسطير الواقع الحقيقي.
الكتورة خولة الزبيدي
الخميس 14 ابريل
