التحول السريع الذي رافق الصفة العامة لتغيير النظام في نيسان 2003 له فصول مبعثرة أعطتْ للعراق وجوهاً مشوهة عديدة لخليط من المفاهيم السياسية والأقتصادية والأجتماعية. بعض هذه الأوجه روج لها سياسيون أمسكوا بدفة أدارة الدولة وتوفرتْ لهم فرص التغيير وأدخال نُظم أدارة حديثة ولكن تمت أعاقتها من أخرين بتقديم أو تأخير الأولويات لتبقى وعوداً دون تنفيذ. والوجوه الأخرى تمثلتْ في تَحكُم القوى العشائرية والقومية العربية والكردية ومطاليب توارثوها من النظام البائد وشغلتْ مكاناً وطنياً في مؤتمراتهم الحزبية آملين تحقيقها حتى لو تطلب الأمر صراع داخلي جديد. ثم الوجه الجديد لتأثير المرجعيات والهيئات الدينية التي تعززتْ مكانتها في الدولة عندما أنبرتْ لتحمل المسؤولية الدينية والتاريخية العظمى لمنع سفك دماء المسلمين ومنع الفتنة الطائفية التي أججتها زمر القاعدة بدخولها العراق، لكنها في ظل الدستور والنظام الديمقراطي الحر لم توجد لتحكم الدولة بقدر قبول العراقيين لها كمؤسسات وطنية ترعى الأسس ألأخلاقية والدينية في المجتمع.


وبظهور مجموعة حقائق جديدة لتحالفات جديدة لكتل وأحزاب قديمة، لايُعرَف تماماً ما سيكون عليه وجه الدولة العراقية الحديثة ونوع أدارتها. وبروز هذه الوجوه ومعطيات الحالة الفريدة التي عاشها المجتمع العراقي بتناوب أنظمة الحكم الفردية والدكتاتورية عليه منذ سقوط النظام الملكي، تجعل من الصعب تقييم الخطوط السياسية للدولة العراقية وتأثيرها الأيجابي أو السلبي على المجتمع العراقي. فمنذ عام 2003 ولحد الآن، لم تُفلح محاولات مجموعات الاعتدال السياسي في أيصال أصواتها الى عامة الشعب المتشبع بأفكار وثقافة البعث العشائرية والتحزب القومي والمذهبي.


و أطلالة عام 2010 وأنتخابات يوم 16 كانون الثاني يناير القادم وأستمرار الصراع الداخلي لرؤوس الكتل السياسية قد تكون أداءاً تخديرياً آخراً وصراعاً لبرامج لانفع فيها وكانت قد أدتْ في الماضي الى:
1.عدم معرفتنا لملامح الدولة العراقية الحديثة.
2.عدم أستطاعة الكيانات السياسية والدينية والقومية تعريف العدو المشترك.
3.عدم تعريف العلاقة الأستراتيجية والتحالف المشترك مع دول خارج المحيط الأقليمي والدولي.
4.قتل الهوية العراقية وأنتشار حالات دخول همجي بدائي للأجانب بترحيب عراقي عنصري على الصعيد الرسمي والشعبي، قابله خروج عقول كفوءة عراقية وهجرتها بنسب مخيفة.
5.الأستهتار السياسي لقيادات عراقية قامت بالمساهمة في أعطاء التسهيلات للشركات الأمنية الأجنبية وأحتضانها لمليشيات قومية ودينية وأجتهادات (المُنزّلين من السماء) بشأن ضرورتها في حفظ الأمن ولتكون لهم كلمة الفصل الأولى مع كونها تتعارض في واجباتها مع مصالح العراق وسيادته الوطنية.
6.التفريط بحقوق عراقية وذلك بغض الطرف عمن يقومون بتدمير منشأت حيوية وتفجير أبنية وتخريب مساجد ومعالم حضارية، والحالة الفريدة التي تظهر في صور مختلفة عن عدم أهتمام بعض المسؤولين بما يحدث للممتلكات العامة والخاصة وضعف القدرة والحزم في تصريف شؤون الدولة وتقديم الخدمات الأساسية.

7.تَلهف مكونات سياسية في أجراء التحالفات الشخصية والتسابق لأدارة وتصريف شؤون الدولة دون خبرة أو مهارة وبطريقة تنافسية فوضوية تَسببتْ في السنوات الست الماضية في أنعدام ثقة المواطن بأي تجمع أو كتلة وطنية لأدارة: شؤون الثروة الوطنية، العلاقات والتحالفات مع الدول الأقليمية والدولية، التجارة الخارجية، الأستيراد والتصدير، مشاريع الدولة الأنمائية والأستثمارية والأمل في أنعاش الأنظمة المصرفية، السياحة والآثار، التعليم والتربية، الصحة العامة، أمور المُهجَرين،، القضاء والعدالة، شؤون الأمن (المتروكة) في عهدة الله وجيوش الحلفاء وقوى عشائرية تتنافس فيما بينها على أحتلال مواقع سيادية.


وتأتي ملاحظات المالكي رئيس الوزراء الأخيرة عند ترحيبه بالمساعد السياسي للأمين العام للأمم المتحدة اوسكار فيرنانديز تارانكو، وتأكيده الى ضرورة تفعيل القرار الدولي 1483، القاضي بمنع التدخل في شؤون العراق الداخلية وعدم منح ملاذ آمن للمجرمين من اعضاء النظام السابق، تأتي متأخرة مع أنها قراءة جيدة للوضع العراقي والتحقيق بأدوار الدول الجارة التخريبية. كما أن تفعيله للقرار الدولي ينبغي أن يدخل في أيمان الكتل العراقية ويحضى بتأييدها، وهو أمر لم يحصل بعد.


فتناقض التصريحات الحكومية الرسمية الصادرة من رئاسة الجمهورية، يُلغي التفسير الموضوعي الأمني لطلب رئيس الوزراء السيد المالكي من موظف الأمم المتحدة اوسكار تارانكو وتأكيده بأن ( الأمم المتحدة تستطيع أن تتحرك من اجل إيقاف نزيف الدم الذي ينطلق من العقلية المدمرة لحزب البعث والقاعدة) كما ورد في كلمته.


فتلكؤ القيادات السياسية الأخرى في حكومته ومعارضتها الخفية والصريحة لدور الأمم المتحدة وعدم الأشارة الى جهات الأرهاب والبعث العشائري لن يؤدي بالعدالة الدولية لأن تأخذ مجراها في التحقيق الدولي. ولايبدو أنه يستطيع التغلب على هذه القيادات التي تعيق أي تقدم بعدم أشارتها الى الجهات الاجرامية الحقيقية، خاصةً القيادات التي تنتظم في تحالفات وكتل سياسية جديدة والتحضير للأنتخابات القادمة.


ثم تأتي تصريحات عزة الدوري أحد قادة أجنحة البعث العشائري عن تشكيل جبهة سياسية مسلحة (جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني) التي ينتظم تحت لوائها فصائل معروفة بالترويع والقتل المنظم الذي أخذ في الماضي شكل التطهير العرقي الجماعي لشيعة وأكراد العراق، وهو الوجه الآخر لجعل أرض العراق ميداناً للقتال الطائفي المقيت.
لقد أساءتْ الحكومات الثلاث السابقة في مسألة أدارة الحرب ضد الأرهاب وأحتوائه قبل أن يستفحل رغم نشر وحدات أمنية متعددة في قوات الجيش و الأمن والشرطة والطوارئ، وظهر ذلك واضحاُ في نجاح المخربين في التفجيرات والأغتيالات التي أستمرت دون رد رادع، وتوجتْ أخيراُ بتفجيرات الشهور الأخيرة الماضية وأظهرتْ هشاشة تفسير قانون مكافحة الارهاب وضعف تطبيقه. وبدا واضحاً تضارب تصريحات المسؤولين وخلافهم مع السلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الوزراء في تحديد الجهة المسؤولة لأفشال مسعاه وتحجيم دوره للأنتخابات القادمة.


وبعد ست سنوات من محاولة أستقراء ماسيؤل اليه النظام السياسي من ملامح جديدة وتوجه حقيقي يعكس طموحات المجتمع، لانجد أي ملامح لأي وجهة سياسية كاملة الوضوح لوجه العراق الحقيقي ومستقبله السياسي ماعدا تحالفات الساعة وصراع الرؤوس للحصول على أستحقاقات ومواقع سيادية. ولاتجد أجوبة قطعية لأسئلة عامة عن مؤشرات الطريق الجديد والنية الأكيدة للأفلات من الأرهاب والتخريب أو ردعه على الأقل.


لقد أصبح من الصعوبة معرفة العدو الحقيقي للعراق المُضطرب.
ومن الدروس المستخلصة السابقة نرى أن النخب السياسية العراقية المُشاركة في الحكم تختلف فيما بينها في تحديد عدوها المشترك المُفترض محاربته أو الصديق المفترض مد يد الصداقة أليه، وهي حالة واجهتْ دول لاتمتلك عقيدة ثابته وتمر بأزمة قرار مضطرب. ويستطيع أي باحث أن يسترجع ضيق دائرة القرار العراقي بتقييم الاغراض الخافية لتوجهات الإستراتيجية الخارجية والنعوت المبتذلة التي أُطلقتْ دون مسؤولية على الدول الأسلامية المحيطة بالعراق ( تركيا وأيران ) مثلاً، رغم حاجتنا الى الدولتين لتبنى القضايا العربية ذات المشروعية الدولية وعلى رأسها قضية فلسطين.


فماهي الخطوات التاريخية القادمة؟
هل سيتخذ العراق بداية حقيقية لمسيرة الديمقراطية أم سيسعى المتحالفون الجدد على أجهاضها؟ هل ستقوم دولة عراقية على أسس دينية، علمانية، أم خليط ديني فكري حضاري؟ هل هناك أيمان وقناعة لاكثرية القيادات السياسية العربية والكردية بمبدأ الفدرالية الذي يُمثل أرادة القواعد الشعبية؟
هذه الثنائية المتناقضة لابد وأن نفهم فصولها، فسياسة الدولة السياسية منها والأقتصادية هي أنعكاس لطموحات المجتمع وتتوجه بأرادته لخدمة مصالحه. والوجوه السياسية ينبغي أن يكون لها لون وتوجه سياسي مُرحب به. فأن المُلاحَظ لصفاتنا الأجتماعية العامة، الأستعداد السريع في ألتفافنا حول مرجعياتنا الدينية ولكن من العسير رؤية ألتفاف حقيقي حول النخب العراقية السياسية.


وثنائية التفكير هذه، تمنع الكثير من المشاركة والمساهمة في وقفة نقد منهجية لتحليل وجه العراق الجديد وتطلعات مواطنيه بعد الكبت العقلي والأضطهاد العنصري الذي حلَّ بالعراق على فترات مختلفة.


وتنبؤات المستقبل القريب بقراءة أحداث الماضي القريب تثير الحزن واليأس في النفس. فالأتكال على ثقافة القتل والاجرام وتمسك المتطرفين المتعصبين بقيم أنتقامية ثأرية غرستها فيهم أنظمة الحكم القمعية، تعيق الأعتراف بالحاجة لأعادة البناء والتنمية والتطوير الأقتصادي ورعاية أجيال الشباب العاطلين عن العمل والمتطلعين الى حياة أفضل. ضف أليها ألأمية التي أنتشرت بين الذين ينفذون مايطلبه المتنفذون بطرق غير متحضرة زادتْ وتُزيد من نسبة الأرهاب الداخلي بتنسيق خارجي من سفارات أجنبية ودول مخابراتها.
أن التغلب على التحديات قد يكون ممكناً عندما يعرف العراقيون الوجوه التي ستصنع الوجه السياسي للعراق الجديد ويحتفظ بهويته الوطنية.
ونحن نضع الأمل أمامنا، نرقب بأمانة مايدور، ونناشد النفس بأن وعود قائمة ستُنفذ.

[email protected]