سأدق على الابواب مجددا، ادعو الى الانتباه، اقول ايها الناس في المسؤولية في العراق : تتكاثر الاحاديث التي تطالكم والتي تشير الى انكم ساهون عن مشاكل الناس الاساسية،ولا تراعون الحقوق والواجبات، وانكم لا تنظرون بعيدا، الى عمق المشكلة وضرورة ايجاد الحلول الحقيقية، بل تنظرون الى السطح، الى الوجوه، الى القشور، وعليكم تدارك الامور والنظر الى الجوهر، والا فلستم قادرين على تحمل المسؤولية او غير مبالين بها.
ان اخطر مشكلة يواجهها العراق حاليا هو مشكلة الارامل اللواتي تكاثرن بشكل كبير وخطير وملفت، كل يوم يطرح لنا ارامل وايتام، ارامل بينهن من تزل في ريعان الشباب، في اول ربيع العمر، والعجيب ان الالتفات الى هذه الظاهرة ndash; الحالة مقتصرا على الظاهر فقط، على المال فقط، دون النظر الى كون الارملة انسانة، ذات روح وقلب واحساس وطموحات وتمنيات، ذات شرايين واوردة ورحم، بل انهم يعدونها هيكلا فارغا لاتفكر الا في كيفية تعبئة هذا الهيكل بالاطعمة والاشربة، والا في تغطية هذا الهيكل بقطعة من القماش، والا في مكان تأوي اليه، وهذه وجهة نظر ساذجة جدا، من ان الارامل يطالبن بتوفير رواتب لهن او مسكن، لالالالا.. ايها السادة، لان الحالة الخطرة التي اتحدث عنها ليست في الرواتب وتوفير المأكل والمشرب والملبس، فهذه هي النظرة الساذجة، وعليكم ان تنظروا اليهن كأنفس وارواح وحياة تنبض، ان تنظروا الى عيونهن حين يجن الليل وينكفيء التوجس وتضطرم الهواجس، اولئك النسوة الشابات اللواتي فقدن ازواجهن، وانقطع الاتصال بشيء اسمه الاستمرار والتواصل وحكمت عليهن الاقدار بالانتقال الى جحيم فردي يتلظى، وسط حياة تشهق بالحياة.
سوف انقل لكم خبرا من مدينة غزة الفلسطينية :
يقول الخبر : (أقام صندوق الزواج الفلسطيني التابع للهيئة الأهلية لرعاية الأسرة في مدينة غزة، حفل زفاف جماعي لثلاثة وثلاثين عريساً تزوجوا من أرامل شهداء، حيث حصل كل عريس على 2800 دولار من صندوق الزواج الفلسطيني، عدا عن عشرات الهدايا، وبارك عدد من المتحدثين هذه الخطوة، داعيين المؤسسات الأخرى إلى القيام بحملات مشابهة للتخفيف عن الشباب ودفعهم إلى الزواج، وقال رئيس مجلس إدارة الهيئة الأهلية عصام عدوان في كلمة له خلال الحفل:إن هذا المشروع يعتبر الثالث الذي تنفذه الهيئة خلال العامين الأخيرين، إسهاماً منها في إعادة الاعتبار لهذه الفئة من المواطنين، مشيرا إلى أن باب التسجيل للزواج مفتوح أمام كل الشباب، وأكد أن المشروع يأتي لتشجيع الشباب على الزواج من أرامل الشهداء اللواتي تزايد أعدادهن بشكل كبير بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، موضحا أن هذا الحفل يعتبر المرحلة الأولى من مشروع تبنته الهيئة وستنفذه خلال الأسابيع القادمة لتزويج 100 عريس).
الا يمكن القيام بمثل هذا المشروع في العراق ؟ الا تستطيع الحكومة ان تسخر جزء من ميزانيتها لتأهيل اولئك النساء اللواتي تتلاطم اعمارهن ما بين العشرينات والاربعينات، اللواتي اذبلت الحروب والارهاب شجرة اعمارهن وتركتهن جذوعا يمدن ايديهن الى السماء والارض طلبا للغيث، لدينا في العراق رجال كثيرون لم يتزوجوا في ظل ظروف الحياة الصعبة والبطالة، وبالامكان ان تعمل الحكومة جاهدة على ان ترعى هؤلاء جميعا حينما تبسط لهم اكف العطف والرحمة والعناية وتوليهم الاهتمام، ليس من الصعب ان تتحرك الدولة بكامل مؤسساتها بهذا الاتجاه لانقاذ مجتمع كامل تهدده هذه الخطورة، لابد من نظرات انسانية تتوغل في عمق المعاناة هذه وتداركها بعد النظر اليها من جوانبها كافة، اذن.. تعالوا انقل لكم صور من احوال الارامل في العراق :
على وجهها.. تتلاطم امواج هموم ويزدحم ركام اوجاع، تنبض بها قسمات وجهها المعروق والملابس السود التي تجللها من رأسها حتى اخمص قدميها، كنت اشاهد هذه الفتاة الشابة كل يوم تقريبا وهي تضم طفليها اليها وتجلس في زاوية بعيدة من الحديقة الخارجية لبيت اهلها الذي عادت اليه بعد ان فقدت زوجها الشاب بحادث تفجير ارهابي، تلك هي جارتنا التني سمعت عنها كلمات رثاء عديدة منذ ان مات زوجها، حاولت ان اصل اليها لكنني ما اردت ان افتح نهر الاحزان او احرجها، ولكنني ارسلت من يأتي بمعلومات عنها، فعلمت انها تعيش حياة قاسية تتمثل في عدم استطاعتها تلبية رغبات طفليها لاسيما ان الحالة المادية لابيها غير جيدة، وانها عادت اليه لتضيف اليه ثقلا، وكان زوجها يعمل كاسبا لقوته بشكل يومي لكنه كان يوفر لها ولطفليها مستوى معاشيا جيدا، لكنه.. بلا راتب تقاعدي تقتات منه بعد وفاته،لذلك بقيت تعيش على ما يعيش عليه اهلها، بالاضافة الى الحزن الساكن فيها لفقدان زوجها، وعلمت ايضا انها الان.. تقبل الصدقات من هنا وهناك، ونقل لي من ارسلته اليها انها كانت تبكي بحرقة على ما آل اليه حالها، لاتكف عن البكاء وسط ضياعها المعلن، فهي تشعر باليأس كما لم تشعر به من قبل، فما زالت في ربيع عمرها الذي داهمه الذبول، وصارت اوراق ايامها تتراكم يابسة جافة، وصارت تتمنى ما لم تتمناه في السابق، وهناك الكثير من العذابات التي تتحملها على مضض، فممنوع عليها الخروج من البيت وممنوع عليها مقابلة صديقاتها السابقات، لا تزور ولا تزار، الى الكثير من الممنوعات التي ينظر اليها الاهل بعين الشك والريبة.
من ارسلته ذكر لي انها تشعر بالجزع، تتلمس جسدها بذهول، جف الضرع وانهدم الحيل ولم يعد نهارها نهارا ولا ليلها ليلا، بل قيامات من وجع ظاهر ومستتر، وصراخات تفزز كل جوارحها، ربيع حياتها اصبح خريفا، بعد ان مرت سنتان عليها واضمحل تمنيها، وليس هنالك من غيم مطار، ليس هنالك سوى غيم يسيل اكتئابا ويأسا وموتا.
هذه (الفتاة) الشابة واحدة من كثيرات جدا، لم تمنحهن الحياة فرصة التواصل معها عبر بيت وزوج واستقرار اسري، بل منحتهن لقبا قاسيا مبكرا، اسود اللون والقلب والثياب واعتصرهن بفجيعته، ورماهن على ارصفة الحيرة والاكتئاب والبكاء، لا سيما اللواتي لديهن اطفال، فهن قد امتلكن الشقاء من اطرافه، والحياة اصبحت بعيونهن سوداء لاتطير في سمائها غير غربان الشؤم والتشاؤم، حيث الطرقات مغلقة الابواب والشبابيك في وجوههن والمتاعب تتناثر عليهن يوما بعد يوم، واينما ينظرن لا يجدن من فسحة امل او بصيص ابتسامة، تقطعت بهن السبل وسط ظروف عراقية معقدة، وبالاخص منها الاجتماعية والاقتصادية، حيث انحسر الزواج بسبب المعاناة من البطالة التي تعيشها اعداد كبيرة من الشباب، بل ان حالات الطلاق بدأت تزداد بسبب سوء الحالة المعاشية التي لم يستطع معها الزوج توفير سبل العيش لعائلته مما يجعله يمر بحالات نفسية لا يرى سوى باب الطلاق مفتوحا وان كان لا يتمنى ان يلجه، وهذا يقف عائقا امام زواج الارامل،وعلى حد قول احدى النساء : (من يقبل ان يتزوج ارملة.. والفتيات العزباوات كثيرات ).
والحديث عن (ارامل) الزمن الحالي لا يجعلنا نتجاوز (ارامل) الزمن الماضي، فقد تراكمت ارامل العقدين السابقين التي انتجتهن الحرب العراقية الايرانية ومن ثم حرب عاصفة الصحراء وحرب الحصار الاقتصادي، على (ارامل) الحرب الاخيرة والارهاب الذي اقتطف الكثير من الرجال والشباب من حدائق اسرهم ودفء الحياة، وترك زوجاتهم يهيمن في الضياع، واي ضياع، وبالطبع لا يمكن لاحد ان يتصور الحالة النفسية التي تعاني منها النسوة الارامل والتي مجملها تشبه الفتاة التي تحدثنا عن واقعها، حيث العشرات اصبحن مئات ثم الاف ثم مثات الالاف، اعداد تتراكم فوق اعداد حتى اصبحت الارامل في بلاد الرافدين جبلا.
وقراءة في الارقام، لانجد عددا محددا او رقما ثابتا ومتقاربا عند الجهات التي يهمها الامر، ونقرأ عن ارقام متضاربة من داخل العراق وخارجه، ولكن المهم ان الشعور بهذه الحالة موجود بشكل لافت ومؤثر، اي ان آثارها وخيمة على صورة المجتمع من جميع النواحي، ومهما تكن الاحصائيات المتوفر او التي تعلن فالحالة تدعو الى الرثاء والاسف لها، وهي تطور خطير يضع المجتمع العراقي امام سلبيات كثيرة، وفي اخر المستجدات في الموضوع (نفت وزارة التخطيط الارقام المهولة لاعداد الارامل في العراق، ووضعت حدا للتكهنات التي تشير الى ان ثلاثة ارباع النساء العراقيات ارامل، واكدت الوزارة ان نسبة الارامل تصل الى 9% فقط من خلال النتائج التي أظهرها المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة في العراق الذي نفذه الجهاز).
ولا اعتقد ان نسبة التسعة بالمئة قليلة، واذا ما حسبناها بالتقديرات العادية لوجدناها اكثر من مليون ونصف، وهذا الرقم مرعب، فهل يمكن تخيل هذا العدد وهو يتوزع داخل المجتمع، وبصريح العبارة لو وزعناه على البيوت العراقية لوجدنا ان اكثر من ثلث بيوت المجتمع العراقي توجد فيها ارامل !!، واشارت دراسة عراقية الى ان واحدة من كل ست نساء تتراوح اعمارهن بين 15 وخمسين عاما في العراق ارملة !!، واذا ما نظرنا اليه من ناحية نفسية من خلال الحالة التي تمر بها الارملة وتأثيرها على الاسرة فأنها تخلق انواعا من المشاكل، وكما قال لي استاذ في علم الاجتماع : ان الخطورة تكمن في ان هذه الارملة ومن خلال معاناتها من ضغوط نفسية تحاول تفريغ ما تعاني منه في خلق مشاكل عديدة للاسرة سواء كبيرة او صغيرة، فالارملة التي عاشت قدرا من الاستقلالية في بيت زوجها لايمكن ان تحصل عليها داخل اسرة اهلها، كما انها تعاني اكثر مما تعانيه العانس من الناحية الجنسية، وهذا امر قد لاينتبه اليه الاخرون الذين يحاولون ان يحلون المشاكل المادية للارامل دون النظر الى هذه المشكلة التي اخطر من جميع المشاكل، وهناك مثل مصري يقول (ظل رجل ولا ظل حيطة) ومعناه واضح، فهي في ظل وجودها داخل بيت اهلها وكثرة الممنوعات حولها والتشكيك في اي تصرف يبدر منها تراها قابلة للانفجار في اية لحظة، من هنا لا بد من اجراءات حكومية للحد من هذه المعاناة خاصة مع عدم قدرة الكثير من الشباب على الزواج ولا بد ان تعمل الدولة على تشجيع زواج الارامل من خلال اعطاء حوافز للشباب غير المتزوجين للاقتران بالارامل، ولا ابالغ اذا ما قلت ان خطورة ظاهرة الارامل تضاهي خطورة عدم استتباب الامن !!.
قالت لي امرأة لها ابنة ارملة : والله حالتها حالة تصعب على الكافر، فقد ترملت وهي لم تبلغ العشرين من عمرها وعادت الينا وفي حضنها طفل رضيع، صحيح ان حالتنا المعيشية مستورة والحمد لله، ولكن ما ذنبها وهي شابة تعيش هذه الحياة المعذبة، انا امها واشعر بها، الارملة لا تحتاج الى طعام وملابس، استغفر الله، ما اعرف ماذا اقول لك، صدقني ما تعانيه الارملة شيء لا يصدق، فهي ليست معدة فقط، هي روح، و(شنو) ذنب هالروح تصبح مثل (خرقة) متروكة، او مثل ارض سبخة !!
وقال لي رجل خمسيني : اثناء الحرب العراقية الايرانية كانت العوائل اذا استشهد احد ابنائها تحاول تزويج ارملته بشقيقه او اقاربه، واعرف العديد من هذه الحالات ويأتي هذا من باب المحافظة على زوجة الشهيد ومن ثم المحافظة على ابنائه، على الرغم من ان البعض يعتبرها غير محببة (مكروهة)، واضاف : لكن الان من الصعب ان يحدث هذا لان ابناء هذا الجيل يرفضون مثل هذه الزيجات، ولم اسمع عن شاب تزوج من ارملة شقيقه، وهذا كما اعتقد يأتي من تفكك العلاقات الاسرية، فأنا اشجع مثل هذه الحالات لانها تحقق غايات منها ان الشاب لن تصطدم رغبته بالزواج بصعوبة امكاناته.
اذن.. هل ثمة حلول قريبة ؟ الجواب نقرأه في قول النائبة سميرة الموسوي رئيسة شؤون المرأة في مجلس النواب : (ليس لدينا قانون لمعالجة مشكلة الارامل، لان هذه الشريحة لا تحتاج الى مساعدة مؤقتة بل الى حل دائمي )، فيما يقول المستشار الاعلامي في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عبد الله اللامي : (ان مجلس الوزراء قام بتخصيص رواتب شهرية للمشمولين تصل الى 150 ألف دينار (120 دولارا) لكل من هذه النساء فضلا عما نسبته 25 بالمئة من الراتب المخصص لهذه الفئات لكل طفل يتبع لهن)، واضاف اللامي : (ان الوزارة تسعى الى حصر اعداد المستحقات من خلال استمارات استبيان وزعت على الارامل والمطلقات والعوانس ورفد اللجنة المشكلة بأعداد المستحقات فعلا)
هل يمكن هكذا.. ان تحل المشكلة ؟، اعطوهن غذاء وملبسا، او ابنوا لهن قصورا مليئة بالخدم والحشم، ولكن ليس بالطعام والملبس والمسكن تعيش الارملة، على القائمين على الامر الالتفات الى هذه المأساة بشكل جدي، وان هم التفتوا اليها بشكل جدي لن تضيق عليهم السبل ولن تغيب الحلول، فلينظر القائمون على الامر الى نسائهم او بناتهم، وليتخيلونهن ارامل، اشعر انهم سوف يشعرون بالرعب.
عبد الجبار العتابي
بغداد
