عادل درويش

في فقرة لا تزيد على خمس دقائق في برنامج laquo;اليومraquo; الاخباري الصباحي في راديو البي بي سي قبل ايام، استضافت المذيعة ضيفين، للتعقيب على نتائج استطلاع للرأي بين مسلمي بريطانيا، بدا فيه الشباب أكثر تطرفا وأصولية وميلا للعنف من جيل الآباء المندمج بريطانيا.

تحول التعقيب الى مناظرة بين اكاديمي مسلم متخصص في التاريخ واللاهوت الإسلامي، وبين ناشطة سياسة اسلامية تحمست، بشكل دوغمائي، لآيديولوجية الحجاب والنقاب laquo;كحق دينيraquo; لمسلمات بريطانيا لعزل انفسهن ثقافيا عن المجتمع، بحجة ان النقاب laquo;فرض دينيraquo;.

ولما تحداها الأكاديمي المتخصص بأن تأتي بنص قرآني واحد يلزم المرأة بالنقاب، او حتى بالحجاب، لجأت السيدة لحيلة السياسي الديماغوغي الخاوي اليدين من الحقائق والأدلة، لتتلاعب بالألفاظ عن حرية المرأة في الاختيار والخصوصية الثقافية. وبهدوء كرر الأكاديمي السؤال بأن تردد آية قرآنية واحدة تلزم المرأة بالنقاب؟

ولما حاولت التهرب من الإجابة، نبهها الى انه قد يكون من حق المرأة الالتزام بتقاليد ثقافية او اجتماعية كالحجاب، لكن لا يليق الافتراء على الدين وخداع مستمعين، اغلبهم لا يعرف عن الاسلام الكثير، بخرافات لا أساس علمي أو قرآني لها، خاصة ان المستمع البريطاني عقلاني غير عاطفي، يقتنع عبر الأدلة والحقائق وليس الشعارات.

وكعادة السياسيين حاولت، للمرة الثالثة المراوغة بالألفاظ، فتدخلت المذيعة، بهدوء كمنظمة محايدة للحوار، لتطلب منها الاجابة مباشرة من دون لف ودوران على السؤال المحدد، فلم تستطع. وانتهت الفقرة بترك الحكم للمستمع، ليقرر كيف انهزمت صاحبة الدعوة السياسة الايديولوجية في جدل هادئ في دقائق بسيطة.

والفضل في نجاح الفقرة، التي شدت انتباهي، يعود لحرفية فريق العمل الذي يعمل لفائدة المستمع اولا: مذيعة حكيمة ذات خبرة مهنية تتمتع ببرود الاعصاب والهدوء والحياد التام، وتعرف كيف تدير الحوار من دون استفزاز، ورئيس تحرير يوجهها بالهمس في اذنها لموازنة الحوار، ومساعدوه الباحثون، الذين يقضون وقتا طويلا في laquo;استجوابraquo; المعلقين والمتخصصين في اتصالات تليفونية، ليقع الاختيار على شخصيات مناسبة، من اراء واتجاهات مختلفة، لزوم التوازن.

فالباحثون مدربون على اكتشاف ما اذا كان المعلق المرشح للاستضافة يلتزم بأداب الحوار والجدل المنطقي وهدوء الاعصاب، ليختاروا ضيوفا على دراية بموضوع الحوار، سواء مجموعةPanel او اثنين يجادلان وجهتي نظر للقضية نفسها، او شخصا واحدا.

ودور المذيع مثل المايسترو في حالة المجموعة، او حكم مباراة التنس في المناظرة الثنائية، الاثنين، اما مع الشخص الواحد، فيكون مثل laquo;محامي الشيطانraquo;. والمذيع محايد تماما لا ناقة له في القضية ولا جمل، خاصة ان البرنامج ربما يناقش عشر فقرات او أكثر.

السبب ان البريطانيين قوم باردو العقل والأعصاب، وعقلانيون يجادلون بالمنطق، وينصرف المستمع او المشاهد عن برامج الزعيق والصراخ المعكوس الاتجاه، التي لا وجود لها في الثقافة الإعلامية البريطانية.

استماعي للفقرة جعلني استرجع مقالة الصديق الأكاديمي الدكتور مأمون فندي المتخصص في العلوم السياسية، عن عقلية laquo;عشة الفراخraquo;، التي تسيطر على الصحافة، خاصة وسائل الإعلام الإذاعية والفضائيات العربية التي تسكن في laquo;عشة فراخraquo;، فوق سطح العمارة التي كانت يوما laquo;شيكraquo; فأصبحت مصدرا للروائح الكريهة.

المذيع في التلفزيون الحكومى يصبح خصما للمعارض (اما تلفزيونات الانظمة الثورية القومجية فلا تسمح للرأي الآخر بالظهور اصلا)، وتتحول أسئلته إلى خطب طويلة في الوطنية وامجاد السيد الرئيس، وحكمة الزعيم، فلا يخرج المشاهد بما يفيد وربما يثير الهجوم شفقته على المعارض.

اما جهل او غوغائية المشاركين فدليل على تكاسل الباحثين عن البحث عن ضيوف مناسبين، او عن استجوابهم مقدما على التليفون قبل استدعائهم، وافتقارهم للتدريب.

واحيانا ما ترى المذيع يدخل في مزاد مع ايديولوجي اخوانجي ليبدو اكثر laquo;تأسلماraquo; او أكثر معاداة لأمريكا والغرب laquo;الاستعماري الصليبيraquo; من ضيفه.

لماذا مثلا لا يجد معدو البرامج الحوارية قانونيين او مؤرخين يواجهون الاخوانجي، بالمعلومات الموثقة عن تاريخ جماعة الإخوان الإرهابي، كوثيقة إدانة مؤسسهم حسن البنا في اغتيال القاضي الخازندار عام 1931 بدعوته laquo;خلصونا من هذا القاضيraquo;، لنظره قضية تفجير الجماعة للمسارح ودور السينما. فقتله بالرصاص اثنان من الإخوانجية (احدهما مستشار البنا بمرتب شهري ثابت) والقيا القنابل على المارة الأبرياء لتسهيل فرارهما؟

وتذكير مؤرخ للمشاهدين بالواقعة الثابتة لن يستغرق سوى دقيقة واحدة؛ فلماذا لا يجد معدو البرامج هذا المؤرخ او المحامي؟

ولماذا لا نرى مذيعا يواجه مرشد الاخوان بالسؤال، ما إذا كان ولاؤه للأمة المصرية أم لجهة اخرى؟ وما قصده بلعن الأمة (طزاته الثلاث)؟ ولا يتركه يراوغ حتى يجيب.

ولماذا لا يحاصر المذيعون المرشد بالاجابة على السؤال: هو مع الشعب المصري او مع الإرهابيين، وlaquo;حشرهraquo; ليجيب بصراحة اذا كان يدين الإرهاب، من دون مراوغة او تسميته زورا بالجهاد؟ ولن يستغرق الامر دقيقتين مع مذيع لبق محايد محترف، شرط ان يجد الباحثون المحامي او فقيه القانون المتحدث اللبق، او الاقتصادي الذي يتحدى نواب الإخوان ان يقدموا بالأرقام ومصادر التمويل الترجمة العملية التي تتعامل مع مشاكل الإسكان والمرافق والصحة مثلا لشعارهم المضلل laquo;الإسلام هو الحلraquo;.

وحال التلفزيونات الأحدث عمرا، والأكثر امكانيات ليس بأفضل. ففي آخر برنامج حواري شاركت فيه لساعة كاملة، لا اعتقد انني او المشاهدين خرجنا بجديد. والمشارك الآخر، قدم على انه محام، يفترض ان يلجأ لأدلة مادية ووقائع ثابتة، واقوال شهود، لكن اقتصرت laquo;مرافعتهraquo; الطويلة على البلاغة والصياح من فوق المنبر بشعارات، مثل laquo;جميعهم من المحيط الى الخليجraquo;، وlaquo;نهب الحكام للثرواتraquo;، وغيرها من قاموس احمد سعيد.

وقبل أيام، أضاع ثلاثة صحفيين عرب (معد برنامج اخباري، ومديرة التحرير والمقدم في تلفزيون خليجي وقتي ووقتهم وثمن المكالمات لاستمرارهم في المراوغة بدلا من الاجابة على طلبي المحدد الواضح: laquo;هل ارسلتم رسالة بالفاكس او البريد الإلكتروني لتحديد موضوع الحديث، وموعد البرنامج، ومدته ومكان الاستوديو وطريقة المواصلات والثمن المقابل لوقتي وكيف سيصلني المبلغ؟raquo;.

وبدلا من الاجابة لفوا وداروا وراوغوا وتلاعبوا بالألفاظ، حتى فهمت laquo;بالفهلوةraquo; الا احد منهم يريد ان يلتزم كتابيا بتقديم المعلومات!

ولأن خبرتي بالإعلام العربي لا تكاد تذكر مقارنة بخبرتي لـ 37 عاما، في الصحافة البريطانية (معدل ظهوري مرة واحد في شبكة عربية يقابله 122 مشاركة في برامج بريطانية بالإنجليزية، حسب إقراري الضريبي السنوي) فقد استشرت الدكتور فندي حول ما اذا كان يمكن يوما اصلاح الوضع بإعادة تدريب المذيعين ومعدي البرامج الشرق أوسطيين على أسلوب البي بي سي، فذكرني الدكتور فندي بأن كثيرا من مذيعي الفضائيات العربية عملوا وتدربوا في البي بي سي، لكنها بيئة laquo;العشةraquo; التي يعملون بها، مضيفا ان محاولتي التعامل معهم بخبرتي كصحفي بريطاني، ستكون كدخولي العمارة laquo;الشيكraquo; سابقا بباقة زهور انيقة غالية الثمن، laquo;فسيأخذونها منك على انها حشائش لتغذية الأرانب التي تجاور الفراخ في العشةraquo;.