عبدالرحمن بن علي الجروان
شهدت دول الخليج العربية نقاشاً متزايداً منذ نحو عامين حول الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وقد نُظمت الكثير من الندوات والمحاضرات المرتبطة بهذا الشأن، من قبل الهيئات العلمية ومؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك بعض الأندية الثقافية والرياضية. ويشير هذا المناخ إلى اهتمام متزايد من قبل الرأي العام الخليجي بمعرفة الأطروحات المتداولة، التي بدت جديدة عليه. بيد أن النقاش يعد ظاهرة صحية بحد ذاته، ويجب التشجيع عليه.
والحقيقة، فإن النقاشات الأهلية السائدة لا تُعنى في غالبيتها إلا بمقاربة موضوع الطاقة النووية في إطار مسألة السلامة والأمان. وهذا أمر مفهوم بالنسبة لأي مجتمع، خاصة إذا كان بصدد تجربة جديدة، ما لبثت أن أخذت حيزاً من مدركه السيكولوجي.
ودعونا نطرح السؤال التالي: ما هي خيارات دول الخليج العربية على صعيد الطاقة النووية؟
يمكن أن نشير في البدء إلى أنه توجد في العالم اليوم 443 محطة نووية لتوليد الطاقة، موزعة على 31 دولة، ويستفيد منها أكثر من مليار شخص، وتبلغ حصتها من الطاقة الكهربائية المستهلكة عالمياً نحو 17 في المائة. وحسب بعض التقارير الدولية الصادرة حديثاً، فإن مجموع الاستثمارات المالية في تشييد محطات جديدة للطاقة النووية حول العالم قد يصل إلى 300 مليار دولار مع حلول العام ،2020 وقد يجري حتى ذلك التاريخ تشغيل 130 محطة. أما دول الخليج العربية، فيتوقع أن تدخلها الطاقة النووية بحلول العام 2025.
وفي هذا الاتجاه، وقعت مملكة البحرين مع الولايات المتحدة، في آذار/ مارس الماضي، اتفاقاً حول الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد وقعت، في منتصف كانون الثاني/ يناير، اتفاقاً شبيهاً مع فرنسا. كذلك أبدت الدول الخليجية الأخرى رغبتها في استكشاف فرص الطاقة النووية، ووقع بعضها اتفاقات إطارية بهذا الشأن.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجي قد قررت في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2006 إطلاق برنامج للطاقة النووية. وقد جرى الاتفاق حينها على إقامة مشروع خليجي بحثي مشترك لهذا الغرض، وذلك بهدف تأهيل وتدريب الكفاءات الوطنية، على أن محطات الطاقة سوف يجري تشييدها من قبل كل دولة على حدة. ولم تطرح فكرة بناء مفاعل نووي مشترك.
وفي مطلع آذار/ مارس الماضي، تحدثت تقارير صحافية عن تشكيل عدد من الفرق الفنية في دول الخليج لدراسة استخدام الطاقة النووية، وبحيث يستغرق عملها من خمسة إلى ستة أعوام. وكان الفريق الخليجي المكلف بمتابعة إعداد دراسة الجدوى الأولية لاستخدامات الطاقة النووية قد عقد اجتماعه الأول مع وفد خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 21 أيار/ مايو ،2007 وذلك في مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بالرياض، حيث جرى الاتفاق حينها على أن تقوم الوكالة بإعداد هذه الدراسة في غضون ستة أشهر.
ومن الأمور الأساسية التي تقرر أن تتضمنها دراسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مراجعة التقديرات الكمية للطلب المحلي في دول المجلس على الطاقة الكهربائية والمياه العذبة حتى العام ،2030 وبحث الخيارات الفنية للإيفاء باحتياجات هذه الدول من الطاقة النووية، مقارنة بمصادر الطاقة الهيدروكربونية، في ضوء السيناريوهات المحتملة لمسار تقنيات وأسعار الطاقة. كذلك، تقرر أن تعنى الدراسة بوضع تقدير أولي لمتطلبات تشييد محطات الطاقة النووية في دول الخليج، من حيث القوى العاملة الفنية، والبنية التحتية، والمؤسسات البحثية، وبيان المعاهدات الدولية ذات الصلة.
وهناك اليوم اتجاه عالمي للاعتماد على الطاقة النووية المبنية على أنواع حديثة من المفاعلات، وهذه المفاعلات تنقسم مبدئياً إلى نوعين، الأول هو النوع الانشطاري، وهو السائد حالياً في كافة دول العالم. أما النوع الثاني، فهو المفاعلات الحرارية العاملة وفق مبدأ الاندماج النووي، وهذا هو خيار المستقبل.
وفي الرابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر ،2007 أعلن الاتحاد الأوروبي عن بدء العمل بالاتفاقيات الخاصة بإنشاء المفاعل النووي الحراري الدولي. وقد وقعت هذه الاتفاقية في باريس في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2006 إثر محادثات جرت بين وفود كل من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والهند والصين وكوريا الجنوبية واليابان. ونصت الاتفاقية على بدء العمل في بناء المفاعل في كانون الثاني/ يناير 2007 في كاداراش بجنوب فرنسا. ومن المقرر أن تستغرق عملية البناء عشر سنوات، على أن يخدم المفاعل بعد ذلك لمدة 20 عاماً. وتبدأ بعد هذه التجربة مرحلة الإنتاج الصناعي للمفاعلات النووية الحرارية، وعندها يدخل العالم مرحلة جديدة من عصر الطاقة النووية.
ويشير العلماء إلى أن مسألة الاندماج النووي الحراري الموجه تفوق من حيث صعوبتها كافة المسائل العلمية والتكنولوجية التي واجهت العلوم الطبيعية في القرن العشرين، ولذا لم يتيسر خلال ذلك
القرن بناء المفاعل الحراري.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن الفرصة ستبدو مؤاتية لها باعتبارها حديثة العهد بالطاقة النووية عامة، لذا من الأهمية بمكان أن تخطط لجعل المرحلة الثانية من عصر الطاقة النووية فيها مرتكزة بصفة أساسية إلى الطاقة النووية الحرارية، أو لنقل الاندماج النووي. ويمكن أن يحدث هذا الأمر بعد خمسين عاماً، إذ إن هناك مسافة عشرين سنة تفصلنا عن بداية الاستخدام الفعلي للطاقة النووية الانشطارية في هذه الدول، يضاف إليها نحو ثلاثين عاماً أخرى هي العمر الافتراضي للمفاعلات التي ستبدأ بها، وبعد ذلك تبدأ المرحلة الثانية من عصر الطاقة النووية في المنطقة. وعلى الجهات المعنية أن تلحظ هذا الأمر في الدراسات الاستراتيجية بعيدة المدى، التي يفترض العمل على انجازها.
وإذا خلصنا إلى أن الأجدى والأسلم لدول الخليج أن تبدأ المرحلة الأولى فقط من عصر الطاقة النووية فيها بالمحطات العاملة على أساس الانشطار النووي، لتنتقل بعد ذلك إلى المفاعلات الحرارية، فإن هذه الدول معنية من جهة أخرى بمحاولة تنويع محطات الطاقة النووية فيها بين الأرضية الثابتة والعائمة المتنقلة، أو لنقل إدراج النوع الأخير ضمن خطط المنطقة بعيدة المدى، وذلك لما يتمتع به من ميزات نسبية مؤكدة. على أن هذا النوع من المحطات يعد هو الآخر رهاناً مستقبلياً بالنسبة لدول العالم، إذ لا زال في مراحل التبلور الأولى، لكنه على خلاف فكرة الاندماج النووي لا يمثل تحدياً علمياً، ذلك أن المفاعلات العائمة موجودة عملياً في الغواصات الذرية، والنقاش يدور حول اعتمادها في محطات عائمة للطاقة النووية بهدف توليد الكهرباء واستخدامها في الحياة المدنية.
وقد جرى قبل عامين بناء أول محطة عائمة للطاقة النووية على صعيد عالمي، وهي عبارة عن سفينة تبلغ حمولتها 21500 طن، وطولها 144 متراً وعرضها 30 متراً. ومن المقرر دخولها الخدمة الفعلية في السنوات القليلة القادمة.
وحسب بعض الدراسات ذات الصلة، تبدو المحطة العائمة ldquo;طفلة صغيرةrdquo; مقارنة بمثيلاتها البرية، حيث تقل عنها 15 ضعفاً من حيث القدرة. وحسب الدراسات نفسها، فإن بمقدور محطة عائمة بهذا الحجم أن تزود بالطاقة الكهربائية مدينة يسكن فيها 200 ألف نسمة. أما إذا استخدمت كمصنع لتحلية المياه فيمكن أن تبلغ إنتاجيتها 240 ألف متر مكعب من الماء العذب يومياً. وتتيح هذه المحطة توفير نحو 200 ألف طن من الفحم الحجري أو 100 ألف طن من المازوت سنوياً - وفق ما تشير إليه الدراسات المتداولة.
ودعونا نقول إن الأمر هنا يتعلق بصفة أساسية باعتبارات اقتصادية وبيئية، بل ربما سيكولوجية أيضاً، إذ إن وجود محطة في طرف سواحل نائية يختلف عن وجودها قريباً من منطقة مأهولة. وكون مثل هذه المحطات تصغر المحطات الأرضية بنحو خمسة عشر ضعفاً فهذا يعمل مبدئياً لمصلحة احتياطات الأمان النووي.
ويجمع الخبراء على أن مسألة الأمان هي المسألة المحورية التي تدور حولها معظم التساؤلات المطروحة على مصممي منشآت الطاقة النووية، ذلك بأن المحطة الذرية تمثل مصدر طاقة آمناً ونقياً من الناحية الإيكولوجية، ولكن بشرط مراعاة قواعد التشغيل.
ومن عام إلى آخر، تزداد متانة أنظمة تشغيل محطات الطاقة النووية على صعيد عالمي. وفي مقاربة وسائل الأمان في هذه المحطات، يتم التركيز على طيف واسع من القضايا، منها الإدارة، وحجم الاستخدام، ونظم التشغيل، واحتمالات تعطل الأجهزة، والصيانة التقنية، ودرجة الاستعداد لحالات الطوارئ.
كذلك، يراعى استخدام أحدث التقنيات التي تضمن منع الوصول غير المشروع إلى المواد الانشطارية الموجودة في المحطات، ويتم اعتماد تقنية التعرف إلى الهوية من خلال بصمات الأصابع وقزحية العين.
وما يمكن قوله خلاصة، هو أن دول الخليج تقف اليوم على عتبة مشروع كبير سوف يعكس نفسه على العديد من نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها، وعليها أن تخطو فيه بكثير من التأمل ومقاربة الخيارات المختلفة، وأن تستهدف في ذلك آخر ما توصل إليه العلم، وتضع مسألة الأمان النووي في صلب أولوياتها.
وعلى الجهات المعنية في المنطقة العمل على نشر الثقافة الأساسية المتعلقة بالاستخدام السلمي للطاقة النووية، ووضعها في متناول القاعدة العريضة من الجمهور الخليجي. وعلى هذه الجهات أن تجيب عن التساؤلات المختلفة لدى هذا الجمهور، وأن تعتمد في حركتها على أهل المعرفة والاختصاص، الذين يتجنبون تسطيح الأمور عند مخاطبتهم الناس.
