10-06-2009
دهشة دبي: من نيويورك إلى واشنطن
سليمان الهتلان
هذا ما حدث لي في نيويورك قبل ثلاثة أسابيع فقط: فبعد انتظار طويل في طابور الجوازات بمطار جون إف كينيدي، تجاوز الساعة، فقط كي يتفضل سعادة الرجل الأسمر في كابينة الجوازات بتفحص أوراقي وجواز سفري، وكنت أكتم غيضي من هذا الاستهتار بوقت وصحة وأمزجة الآلاف من القادمين إلى المطار، سألني رجل الجوازات أول الأسئلة: من أين أنت قادم؟ مئة فكرة سيئة دارت في رأسي فقد خبرت هذا المطار جيداً وأعرف الخلفية الثقافية البسيطة لأغلب العاملين في المطار، فكثيرهم لم يغادر نيويورك أو أميركا أبداً. هل لابد من الإجابة على عشرات الأسئلة السخيفة كي أثبت لرجال ونساء الأمن في مطار نيويورك بأنني لم آت إلى هنا كي laquo;أدمرraquo; أميركا أو أنظم لخلية إرهاب نائمة؟ كم مرة أخذوا بصماتي في مطاراتهم وفي قنصلياتهم وكم مرة أجبت على الأسئلة نفسها وشرحت لهم أن عدد أبناء قبيلتي في الخليج يتجاوز ثلاثة ملايين نسمة، وأنها laquo;لا تزر وازرة وزر أخرىraquo;؟ طيب، توكلنا على الله، سأجيب على أول الأسئلة وأمري إلى الله. قلت: أنا قادم من دبي!
دبي؟ سألني رجل الجوازات وعلامات التساؤل والحيرة على وجهه وكنت أحدث نفسي: يا ساتر! أعدت الجواب مرة أخرى: نعم.. دبي.. دبي. ويا لدهشتي. لم أكد أصدق نفسي وأقسم أنني ظننت لثوانٍ أن آثار الرحلة الطويلة جعلتني أتخيل تلك الابتسامة العريضة التي اكتست وجه ذلك الرجل الأسمر. الرجال والنساء هنا، في صناديقهم القاتمة، قليلاً ما يبتسمون أمامك خصوصاً إن كنت من ذوي الملامح العربية ومشكلتك أعقد إن كنت تنتمي إلى قبيلة من قبائل الجزيرة العربية.
الحقيقة أن رجل الجوازات هذا لم يكن فقط مبتسماً، بل كان أيضاً مندهشاً. إنها تلك laquo;الدهشةraquo; التي أجادت دبي صناعتها حتى وصلت إلى موظف رسمي شديد الجدية في تعامله مع القادمين إلى مطار نيويورك كما وصلت إلى طفلة صغيرة في قرية إفريقية حلمها أن تتمكن يوماً من زيارة دبي. ترك الرجل أوراقي وجواز سفري وسألني بدهشة - نعم بدهشه - عن معالم دبي: هل صحيح أنكم تبنون أطول برج في العالم؟ قلت بلى.. برج دبي هو الآن أطول برج في العالم وسيفتتح قريباً. أجبت على سؤاله وأنا بين laquo;المصدق والمكذبraquo; فكما ذكرت أعلاه لقد خبرت هذا المطار تحديداً وأعرف أن ابتسامة موظف الجوازات هناك أقرب للمستحيل، ناهيك أن يأخذ ويعطي معك في موضوعات خارج تلك الأسئلة الأمنية الصارمة كما لو أنك مذنب حتى تثبت، بعد عناء، براءتك.
سألني ثانية: هل صحيح أن لديكم مكان للتزلج حتى في عز الصيف؟ سألني أيضاً عن كثير من معالم دبي حتى نسيت أنني أمام رجل الجوازات في مطار جون كينيدي في نيويورك ثم عاد يقلب أوراقي قبل أن يقترح عليّ أن أذهب للداخل، في الغرفة المجاورة، للتصديق على جواز سفري. كنت لحظتها أدرك معنى الذهاب للداخل فسأبقى هناك على الأقل ساعة أخرى لإجراء ما يسمى laquo;التسجيل الخاصraquo;، وهو إجراء أقر بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 كما لو أنه مصمم خصيصاً لأصحاب الملامح العربية وكأنك خلاله تروي قصة حياتك منذ دخلت المدرسة الابتدائية. نظرت إليه وكأنني أعاتبه: laquo;يا رجل! ألم نكن للتو أصحاب؟raquo;. أخبرته بأنني صاحب تجربة مع تلك الغرفة التي يريد أن يرسلني إليها وإن ذهبت هناك سأتأخر لا محالة على رحلة المواصلة إلى واشنطن، فغيّر الرجل رأيه وختم على جوازي سريعاً وتركني في حالي! قلت له شكراً، لكنني كنت أقول أيضاً، بيني وبين نفسي، شكراً دبي!
في المطار ذاته، أدركت أن دبي دللتنا كثيراً بخدماتها الفائقة ونظافة مطارها وسهولة إجراءاته. في مطار نيويورك تدرك معنى الاستعاذة بالله من وعثاء السفر! ماذا فعلت بنا دبي؟ ما إن تدخل مطار دبي حتى تتسابق الخدمات السريعة والمريحة نحوك ثم يمر الوقت سريعاً وأنت تتسوق في المطار أو تتجول بين أروقته حتى يحين موعد إقلاع طائرتك. وعندما تصل إلى مطار من مطارات دول laquo;العالم الأولraquo; تتمنى أن تجد شيئاً يسيراً مما تجده في مطار دبي!
يسألني كثير ممن التقيت بهم في أسبوعين متنقلاً بين واشنطن ونيويورك عن laquo;السرraquo; في دبي. لماذا تميزت وأخفق الآخرون في منطقة تنام على محيط من النفط؟ والجواب ببساطة هو في القيادة التي تتابع أصغر التفاصيل في دبي. نعم: السر في القيادة التي لا تعيش في عزلة عن الناس أو تهتم فقط بشؤونها وليذهب الباقون إلى الجحيم. كثيراً ما قلت إن القيادة الواعية هي تلك التي تجبر المسؤول التنفيذي، شيخاً وأميراً، أو وزيراً ورئيساً لجهاز تنفيذي، أن ينزل إلى الميدان. وأن يتفاعل مع الواقع على الأرض وليس فقط على الورق. وهنا تكمن بعض أسرار النجاح في دبي. ومن هنا امتدت laquo;الدهشةraquo; بدبي إلى موظف الجوازات في مطار نيويورك وإلى أهم دوائر صناعة القرار في واشنطن. ولهذا وهكذا يفتخر المواطن العربي المقهور على حال أمته بتجربة نجاح ثرية وفريدة تحققت على أرض عربية عزيزة لتثبت لنا - أولاً - ولغيرنا أن بالإمكان صنع الإنجاز المتميز الذي يكسب الإنسان العربي ثقة في نفسه وتقديراً من الآخرين من أولئك اللذين ما عرفوا عن العرب غير أخبار العنف والتدمير والجهل والدجل!
في رحلتي الأخيرة لأميركا قلت كثيراً: شكراً دبي وشكراً لمن يقف وراء المنجز في دبي. قلتها حتى وأنا خارج من لقاء مهم مع سيدة مؤثرة في محيط الرئيس باراك أوباما وقد اكتستها laquo;دهشة دبيraquo; بعد أن حدثتها طويلاً عن وجه آخر من وجوه دبي: المؤتمرات والحوارات الثقافية والمبادرات الإنسانية ومشروعات التنمية المعرفية الضخمة الموجهة للعالم العربي. وتلك قصة أخرى سأرويها الأسبوع المقبل!
