يوسف أبا الخيل
كان السؤال الرئيس الذي ختمنا به الجزء السالف من هذا المقال يدور حول ما إذا كانت ردة الفعل العنيفة التي أبدتْها الكنيسة البابوية الرومانية تجاه الآراء الجديدة القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط، تشكل خصوصية مسيحية، أم أنها ثابت سوسيولوجي مجرب من وقائع الصراع بين القديم والجديد؟. والحقيقة التي يمكن استقراؤها من وقائع الصراع التاريخي بين قديم الأفكار وجديدها, تثبت أن ردة الفعل العنيفة ضد الرؤى التنويرية في الغرب الأوروبي ليست خاصية مسيحية, بقدر ما هي امتداد وسلف لطبيعة ردة فعل السائد الثقافي, في أي زمان أو مكان, ضد ما قد يغرد خارج سربه من أفكار أو تساؤلات جديدة. وهي على مستوى الجماهير المغلوبة على أمرها، لا تخرج عن مضمونquot;إنا وجدنا آباءنا على أمةquot;.
فعلى مستوى التاريخ الإسلامي, نجد أنquot;القدريةquot; التي حملت مشعل التنوير ضداً على النكوصية الجبرية التي أشاعها الحكام الأمويون دفعاً لأية معارضة قد تُرفع في وجوههم, قوبلت بردة فعل عنيفة, تمثلت برمي حاملي مشعل لوائها بالزندقة والكفر والسطو على ثوابت العقيدة, رغم أن مضمونها إيديولوجياً على الأقل كان يروم تخليص الإنسان من أسر ثقافة القطيع, والدفع به نحو استشعار مسؤوليته الفردية التي يصبح بموجبها حراً مختاراً مسؤولاً عن أفعاله مسؤولية كاملة. ومن هذه النقطة, دشنت القدرية لمشروعها السياسي متمثلاً بمشروعية معارضة الاستبداد الأموي الذي كان يتذرع حينها بالجبرية.
ومثلما كان حاملو لواء القدرية نهباً مشاعاً لحملة لواء السائد التقليدي حينها, فقد واجه أهل الرأي بعدهم حملة عنيفة أخرى تولى كبرها سدنة سائد ثقافي آخر توسل طرد العقل من نافذة النقل. وقد امتد تأثير هذا الصراع بين القديم والجديد على مر التاريخ الإسلامي ليطال الاعتزال, كامتداد ثقافي أيديولوجي للقدر, لينتقل بعد ذلك إلى رواد الفلسفة الإسلامية, وخصوصاً منهم الفلاسفة البرهانيون,(فلاسفة المغرب والأندلس), وعلى الأخص ابن رشد الذي نُفي إلى بلدة (اليسَّانة) قرب غرناطة, فمات هناك مخذولاً بعد أن انتقلت فلسفته إلى أوروبا مؤذنة بخلق جديد, ونشأة مستأنفة, وعالَم محدث, كما يقول ابن خلدون.
وإذا كانت الكنيسة البابوية لم تتحرج من تعريض مخالفيها لأهوال قيامة عاجلة تمثلت في إلقائهم في النار وهم أحياء, فإنها لم تزد على أن اقتفت سنن من كان قبلها. فقد ألقي عبدالله بن المقفع في التنور بعد قطع يديه ورجليه ولسانه, مثلما لم يشأ هشام بن عبد الملك أن يقتل غيلان الدمشقي قتلاً رحيماً بعد محاكمته محاكمة كاريكاتورية, حيث قَطع أطرافه ولسانه قبل أن يجهز عليه نهائياً.
وإذا كان الإعدام على الخازوق المقدس يمثل ابتكارا مسيحياً خالصا, فإن الاستبداد على مر التاريخ الإسلامي لم يشأ أن يخرج من التاريخ دون أن يضع امتيازه هو الآخر, متمثلاً بالتضحية بالمخالفين في يوم عيد الأضحى بدلاً من التضحية بالحيوانات!. حدث ذلك مع قيام خالد القسري بالتضحية بالجعد بن درهم بعد أن وجه حديثه إلى المصلين في يوم عيد الأضحى قائلاً:quot;أيها الناس, ضحوا تقبل الله ضحاياكم, فإني مضح بالجعد بن الدرهمquot;, ثم نزل من المنبر فذبحه كما تذبح الشاة!. وهو قربان هز قريحة شاعر أتى بعد تلك الحادثة بنحو خمسمائة سنة, فدبج إشادته بهذا القربانquot;المقدسquot; بقوله:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال .... قسري يوم ذبائح القربان
شكر الضحية كل صاحب سنة .... لله درك من أخي قربان
ومع ذلك, فليس المهم بالنسبة لموضوعنا ما احتوته تلك الإيديولوجيات التنويرية, كالقدرية والرأي والاعتزال والفلسفة البرهانية, من مضمون معرفي ألغته الصيرورة التاريخية للفكر الإنساني, ولا فيما ابتغته من مضمون إيديولوجي تنويري مناوئ لquot;اللامعقولquot; الديني الذي تلبست به إيديولوجيات السائد الثقافي حينها, بل إن المهم يكمن في لفت النظر إلى ما ترتب عليها من ردة فعل عنيفة من قبل رعاة ذلك السائد. لقد استقبلت الإنتلجنسيا الثقافية العربية مقولات القدرية والرأي والاعتزال ومثيلاتها بالنفير والنكير, والدعاء بالويل والثبور وعظائم الأمور, وسكب دموع التماسيح على استباحة حمى quot;الدينquot;, مما يعطي ملمحاً مهماً في هذا المجال, وهو أن سلاح رفض الأفكار التنويرية لا يكون ماضياً ما لم يكن مغلفاً بغلاف ديني ظاهره الخوف على الدين من أن تمسه تلك الأفكار الجديدة بسوء, وباطنه النأي بالإيديولوجيا البراغماتية عن أن تتماس مع نسائم التغيير التي تحملها الأفكار الجديدة.
على أن ما يجب التنبيه عليه هنا هو أن الرؤى المحافظة التي تتحاشى الاصطدام مع ما يحرك مياهها الراكدة, لا ترفض الأفكار التجديدية أو الثورية فحسب, بل ترفض حتى تلك التي لا تتفق معquot;أفكارها المتلقاةquot;, حتى ولو أتت من داخل موروثها الثقافي. فآراء أو مسائل من قبيل: حل الغناء وعدم جريان الربا في النقود الورقية المعاصرة, وسنية صلاة الجماعة, وكشف المرأة وجهها,والتي أثارت من ردود الفعل العنيفة المحلية ما أثارته, ليست آراء جديدة, بل إنها سلفية المصدر, قال بها جمهور كبير من السلف من داخل المذهب السني نفسه.
فالقول بسنية صلاة الجماعة مثلا, والذي أثار ما أثاره منquot;احتسابquot; كثير من الخطباء والوعاظ,لا يخرج عما احتوته المدونات الفقهية السلفية, بل الحنبلية تحديدا. فمن الجديد على من زادهم الثقافي لا يتعدىquot;الأفكار المتلقاةquot;، أن علماء السلف الذين قالوا بوجوب صلاة الجماعة, لم يشترطوا إقامتها في المساجد. والدليل على ذلك نجده مرقوماً في كتاب:( زاد المستقنع) لمؤلفه: موسى الحجاوي المقدسي(توفي عام 968ه), والذي يُعتبر, أعني هذا الكتاب, أحد أهم مدونات الفقه الحنبلي. حيث يقول في باب صلاة الجماعة ما يلي :quot; وله فعلها(=الضمير يعود على صلاة الجماعة) في بيته...quot;. ويعلق الشيخ:محمد بن عثيمين في كتابه:(الشرح الممتع على زاد المستقنع), على كلام الحجاوي بقوله:quot;أي يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدَع المسجد, ولو كان قريباً منه. وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأنثى فيلزم منه أن يصلي الرجل وزوجته في البيت ولا يحضر المسجدquot;.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الحديث عن حكم صلاة الجماعة يصبح غير ذي معنى إذا كان فضل الجماعة يُدرك بمجرد صلاة الإنسان في بيته بمشاركة أحد من أهل بيته, ذلك أن الخلاف الذي يدور حول الجماعة يتركز أساساً حول أدائها في المسجد مع المصلين.
وإذ كانت هذه هي الرؤية السلفية السنية الحنبلية لإحدى(أعوص!) المسائل التي (عصفت!) بمجتمعنا مؤخرا, فإن رؤيتها تجاه المسائل الأخرى لا تخرج كثيراً عن الرؤية ذاتها عن صلاة الجماعة.
مع ذلك, فلم تكد تلك الآراء السلفية, بل الموغلة في سلفيتها, تنبعث من مرقدها الفقهي القديم حتى أثارت من التشنج والاهتياج والعنف اللفظي ما يحس المتابع معه كما لو أن ثوابت الدين في قدسيتها قد مُست. فأحد الخطباء طالب بالحجر على تلك الآراء الجديدة وأصحابها. وإذا عرفنا أن منظومته المعرفية التي يحاكم مخالفيه إليها لا تحجر إلا على السفيه أو المجنون, أدركنا أن هذا الخطيب لا ينظر إلى المخالفين له بالرأي إلا على أنهم سفهاء أو مجانين!. أما عضو(المناصحة!) فقد حمل على الآراء المخالفة, مُلصقاً بها وبأهلها الكثير من النعوت غير اللائقة. فقد وصم تلك الآراء بأنهاquot;مغالطات وصراع وعبث واتباع للهوى, وليست دينا أوتدينا!quot;. كم وصم أصحابها بأنهمquot;أصحاب أهواء وأناس افتتنوا باتباع الهوىquot;. وإذا أدركنا ما يعنيه القرآن الكريم بإتباع الهوى من مثل قوله تعالىquot; أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أهواءهمquot;. وقوله تعالى:quot;وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْquot;,أدركنا ما يعنيه عضو لجنة المناصحة بوصمه مخالفيه بأنهم أصحاب هوى!.
أما بيانات النصرة والتأييد فلم تخل هي الأخرى من تشنج حاد في التعامل مع الآراء المخالفة. تمثل ذلك في وصف الموقعين على أحدث تلك البيانات لها بأنها quot;طعن فيما يحمله العلماء من الحق والمنهج السليم الذي يدعون إليه، وأنه لا عجب, بالتالي, من أن يتسلط عليهم هؤلاء المجرمون(=الكُتَّاب المخالفون لرؤيتهم)، ليرفع الله درجات العلماء ، ويعلي ذكرهم، وهؤلاء المجرمون لا يضرون إلا أنفسهمquot;. وأنquot;أصحاب هذه الكتابات على الحقيقة هم جنود الشيطان وأعوان إبليس، وهم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الشر الأنكد، والبلاء الماحق في الأمة، وهم إن لم يُردعوا من أعظم الأسباب الجالبة للعقوبات على العباد والبلادquot;. فيما اختتم الموقعون بيانهم بالمطالبة بquot;بإحالة الصحفيين المنحرفين أصحابِ المقالات الضالة إلى القضاء الشرعي للنظر فيهم، قمعاً للمفسدين، وصيانة لأعراض المسلمين، ورعاية للفضيلةquot;.
وأخيراً,أحب أن ألفت النظر إلى أنني إذ أطارح هذه التشنجات والاهتياجات في التعامل مع الآراء المخالفة, فإن ذلك لا يعني أني محتف بتلك الآراء التي ظهرت في الساحة مؤخراً, كالقول بحل الغناء ورضاع الكبير وما أشبه, فمثلها لا يحمل أي جديد قد ينفع الناس في حاضرهم أو مستقبلهم, بالإضافة إلى أنها مقولات تراثية لم يزد من أتى بها على أن نقلها من مدوناتها الفقهية السلفية, بقدر ما سأظل ومثلي كُثُر محتفياً بأي رأي مخالف يمكن أن يطارح السائد التقليدي ولو من داخله,لأن ذلك هو السبيل الوحيد لعبور عنق زجاجة التشدد وربيبه:الإرهاب.
