فيصل جلول
تعرض رجال الشرطة والجيش في بريطانيا وفرنسا خلال شهر مايو/أيار الجاري إلى ثلاث هجمات بالسلاح الأبيض كانت إحداها قاتلة . الهجوم الأول وقع في السابع من مايو في فرنسا ونفذه شخص وصف بالمعتوه، حيث اقتحم إحدى ثكنات الشرطة واعتدى على شرطي بالسلاح الأبيض صارخاً ldquo;الله الله اللهrdquo; . لم يسفر الاعتداء عن أضرار جدية، أما المهاجم فقد أحيل إلى الطب النفسي لمعاينته بعد إلقاء القبض عليه، أو هذا على الأقل ما صرحت به دوائر الشرطة وهي المصدر الوحيد حتى الآن للمعلومات عن الشخص الموصوف بأنه من أصول شمال إفريقية .
وقع الهجوم الثاني في لندن، إذ هاجم رجلان الأربعاء الماضي جندياً بريطانياً بالأسلحة البيضاء وقاما بذبحه، ثم طلبا من المارة تصوير المشهد الدامي، وأدلى أحدهما بتصريحات يستفاد منها أن فعل القتل تم ثأراً للأدوار التي تلعبها بريطانيا في إفريقيا، حيث يقتل أفارقة بنفس الطريقة على حد تعبير القاتل الذي يحمل الجنسية البريطانية والمولود في بريطانيا من أصول نيجيرية .
والهجوم الثالث وقع السبت الماضي في حي الديفانس التجاري الحديث الملاصق للعاصمة باريس، فقد بادر شاب إلى طعن جندي فرنسي في رقبته بسلاح أبيض وفر هارباً من دون أن تتمكن الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض عليه حتى الآن . . وبالتالي من الصعب الجزم ما إذا كان معتوهاً أو سليماً معافى، علماً أن الجندي الجريح خرج من المستشفى من دون أن تكون حياته معرضة للخطر .
لا تجزم الأجهزة المعنية في باريس ولندن بوجود رابط عملاني بين هذه الهجمات حتى الآن، وبالتالي فهي لا تملك أدلة جدية على وجود تنظيم إرهابي واحد خلفها، غير أن ذلك لا يلغي التشابه الواضح في تفاصيلها، فقد تمت كلها بالسلاح الأبيض، وترافقت كلها مع عبارات دينية، ما يعني أنها تنطلق من بيئة واحدة وتطال هدفاً واحداً . ولعل هذه المقاربة تصبح أكثر واقعية إذا ما أضفنا إليها الهجمات التي شنها العام الماضي محمد مراح وهو شاب فرنسي من أصول جزائرية وطالت عسكريين وعائلة يهودية قبل أن تتمكن الشرطة من قتله بعد محاصرة منزله لأكثر من يومين متواصلين .
تثير هذه الهجمات قلقاً جدياً في بلدين اشتركا أو يشتركان بقوة في نزاعات وحروب مهمة في منطقتنا بدءاً من حرب أفغانستان، مروراً بحرب العراق، وصولاً إلى حرب مالي مؤخراً، فضلاً عن الحربين الليبية والسورية، هذا إذا أردنا غض الطرف عن القضية الفلسطينية وعن ماضي الدولتين الاستعماري في إفريقيا والشرق الأوسط، ولعلها، أي الهجمات، تذكّر أيضاً بتلك التي تمت في هذين البلدين في السبعينات من القرن الماضي مع انطلاقة المقاومة الفلسطينية، مع فارق مهم هو أن المسؤولين عن هجمات القرن الماضي كانوا يأتون من الخارج، في حين أن هجمات هذه الأيام يبادر إليها مواطنون محليون من أصول أجنبية .
والواضح أن هذا الجانب بالذات هو الذي يؤرق المسؤولين في البلدين، فالإرهاب بنظرهم صار مستقراً في المجتمع وما عاد عابراً أو مستورداً من الخارج، وبالتالي صارت مجابهته أصعب ليس من الناحية التقنية، كما قد يتبادر للوهلة الأولى، وإنما من الناحية الاجتماعية، فالبيئة التي يخرج منها المهاجمون غالباً ما تستخدم في الصراعات الداخلية كبش محرقة وشماعة تعلق عليها الأزمات، ولاسيما البطالة وتفشي الجرائم والتطرف الديني والنقص في الاندماج، وغالباً ما تقدم الأحياء التي تضم هذه الفئة من المواطنين بوصفها متمردة وعاصية على القانون، ولا يستطيع رجال الشرطة التجول فيها بحرية تامة .
من جهتهم يلقي الناس المقيمون فيها مسؤولية تهميشهم على الدولة والنزعات العنصرية، الأمر الذي يجعل بيئتهم مهيأة لاستقبال الدعوات الثأرية، ولانطلاق ردود أفعال من النوع الذي شاهده العالم مذهولاً في لندن الأسبوع الماضي، والذي لا يختلف البتة عن أعمال القتل العاري في أدغال إفريقيا .
ليست أعمالاً جنائية تلك التي وقعت في لندن وباريس الأسبوع الماضي، وليس المسؤولون عنها مخبولين، إنهم خريجو مدارس المجتمع الغربي وفيه تعلموا المساواة والإخاء والحرية، وعندما تخرجوا وجدوا أسواق العمل مقفلة في وجوههم لأسباب عرقية أو دينية، ووجدوا أن المبادئ التي تعلموها هي غالباً للزينة وليس للتطبيق اليومي، الأمر الذي حملهم ويحملهم على التقوقع والاستغراق في اللجوء إلى الهوية الأصلية واستعادة الروابط التي انقطعت خارج الحدود، وبالتالي السعي إلى الانتقام من ماضٍ لم يمضِ، ومن حاضر يستدعي الماضي ويصر على تصفية الحساب انطلاقاً منه وعلى وقع مآسيه .
في واحد من التعليقات التي صدرت إثر هجمات لندن وباريس، قيل إن القتلة يقتلون من أجل أن يتحدثوا إلى وسائل الإعلام، وإن هذا الأمر بدا بوضوح في حادثة لندن، حيث أصر القاتل على تبليغ رسالته الانتقامية بواسطة الدم والقتل الهمجي، وكأنه يقول لمن يرغب في الاستماع إليه أنا ضحية ولست جلاداً، وإن لعبت دور الجلاد، فلكي يسمعني ولي الأمر الذي لم يعتد الاستماع إلى الضحايا . . نعم سيكون لحوادث الأسبوع الماضي ما بعدها، فتركة باريس ولندن الاستعمارية لم تتم فصولاً بعد .
