ضرورة المقدمة : الموضوع يتعلق بنجاح مهمات الموساد ألأسرائيلية والمنظمات الصهيونية في تغلغل عملائها من الجواسيس الى الأنتفاضات العربية التي سُميت في أوروبا وأمريكا بالربيع العربي. والمقال يتطرق لغرابة مساهمة دول الغرب وبهجة الأعلام الغربي الصهيوني ومؤسسات التلفزيون وشبكاتها العالمية بالربيع العربي ووصول الأسلاميين الى واجهة السلطة السياسية . أليس من وجه الغرابة أن تحتفل به دول القواعد الأمريكية العربية كما كنا نحتفل بنهاية دكتاتوريات البعث ؟ وفي ذلك ، يتبادل موظفو الموساد الأنخاب للنجاح الذي حققوه في تقسيم وشرذمة العالم العربي والأسلامي وجعلنا quot; أمة مُقسَمة وطوائف مُخرِبة quot; ويجدها المواطن البائس في الأستماع الى هتافات سورية quot; عالجنة رايحين ... شهداء بالملايينquot; و quot; بالروح بالدم نفديك يا .........quot; التي تُقلل من قيمة الأنسان المؤمن وتستحقر شأنه ووجوده في الحياة التي منحها الله للبشر. ثم يأتي السؤال الذي يتفادى الكثير الاجابة عليه أو يتسرع الكثير في الاجابة عليه وهو : هل تغلغلَ عملاء الموساد في الانتفاضات العربية ؟
منذ سنوات تبنت المخابرات الأسرائيلية ( الموساد) مشروع تدريب موظفيها في دورات تجسسية تأخذ الطابع التجاري quot; قرار العمل Business Decisionrdquo; quot; على غرار قرارات العمل التجارية الأعلامية للملصقات المختارة المُستخدمة في جذب الزبائن وتوجيههم. ومن الطبيعي أن يتم ذلك لتحقيق ( جملة أغراض) بعد دراسة مُسبقة لرغبات الزبائن وتوجهاتهم الفكرية وأثارة رغباتهم من شراء ملابس الى أقتناء العطور، والسيارات ومواد أخرى. بكلمة أخرى قرارات ( تُتخَذُ لهم مسبقاً) تُحركُ فيها ، المخابرات الأسرائيلية وموظفوها الأحداث في العالم العربي بمهارة وذكاء ، الشعوب والحكومات كلعبة الشطرنج وقطعها ( جندي ، وزير ، حصان ، ملك ) . وكان أختيار الملصق التجاري لها هذه المرة quot; الربيع العربيquot; بالتسمية الأسرائيلية ndash; الأمريكية المُحبذة ، مع أنها ليست أِلاquot; أنتفاضة الفقرquot; واليأس والإحباط للحالة الأجتماعية والمعاشية المتدنية لشعوبنا ووصلت الى أوطئ المستويات في العالم . أنتفاضة الفقر الأجتماعي صعدت الى سطح الأحداث لعدم مساس الحكومات للتغطية على باوكار ومرافق الفساد والبطالة المقنعة واهدار المال العام والتغطية عليهم من قبل رؤوس الفساد والدكتاتورية التي طغت على العالم العربي منذ توقيع أتفاقيات السيد سايكس البريطاني والمسيو بيكو الفرنسي وتقسيمهم العالم العربي بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور لصنع كيان يهودي في أرض فلسطين . والتسمية التي أسعى أن نفهمها ، نبحثها ، ونحلل شخوصها هي الجزء الأقل المخصص للمقال عن دور المخابرات الأسرائيلية في أنتفاضة الفقر .
القلة القليلة من قادة المجتمع العربي ( بسياسييه وأعلامييه ومثقفي شعبه ) تنقد وتقدم وتؤخر وتناقش وتراقب ثم تلتفت بموضوعية ومسؤولية الى أخفاقاتنا ونجاح المنظمة الأستخباراتية في المؤسسة العسكرية الأسرائيلية ( الموساد ). أسرائيلُ الموساد لاتخفي غرورها بأنها (تصنع السلام حتى مع أعداءها) وتؤهل وتمنح (الأعداء الجدد) نصراً آلهياً متفوقاً على رموز البطش الدكتاتوري وطغاة العالم العربي من صدام حسين الى زين العابدين ومبارك والقذافي وعبد الله صالح ، وكما أهلتْ نفسها بالأصرار على حثِ أدارة الرئيس جورج بوش لركوب موجة تحرير العراق من الطاغية بالمقاطعة الأقتصادية أولاً والحرب الطويلة ثانياً . يحثُ قادة الموساد اليوم الأدارة الأمريكية وتوجهها لتعميم الفوضى وركوب quot; ربيع التخريب العربي quot; ومماشاة الموجة الأسلامية المتعثرة الحالية quot; اسلاموفوبيا quot; ليكتمل الدمار . ويتمثل هذا النصر الألهي بما يُشاهده المواطن من صور قتل الرضيع والأم والأب والأخ في الأقتتال التحريضي الطائفي والتخريب اليومي والعفوي الحاصل في سوريا ومقتل أكثر من 9 ألأف مواطن سوري وتقسيم أبناء الشعب الواحد وتبويبهم بين خائن عميل وشهيد وطني كالذي جرى في شوارع بغداد (تماماً) ، يجري القتل اليومي الآن في شوارع المدن والعواصم العربية، وكما حصل لشعب العراق وأهله وتسبب في أكبر هولوكوست في تاريخه حسب تقارير الأمم المتحدة.
ولفهم هذا السيناريو وفخ الوقوع بين أيدي هذه المنظمة الرهيبة ، فأن دراسات متعددة لمؤسسات ومعاهد بحوث ودراسات متابعة متحيزة ومحايدة مختلفة تراقب وتسجل عشرات الأحداث التي رافقت تاريخ الموساد وتلميحات قادتها وغرورهم بأمكاناتهم وقدراتهم العلمية والألكترونية الفنية في زرع الأجهزة القاتلة وعيون الرصد الأستخبارتي الجوي والأرضي وتغلغل عملائها داخل كل حركة ، منظمة ، أحزاب ، مليشيا ، منظمة القاعدة والشباب ، وتراقب شخصياتها التي تشكل خطراً مباشراً على أمن أسرائيل .
فعلى سبيل الحصر ، الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية عامون يادلين يعتقد أن الأحداث الحالية في العالم العربي quot;ستصب في صالح إسرائيل نهاية المطافquot;. وقد سبق ذلك تقارير صحفية رفعت إلى الموساد قبل أن تبدأ الإضطرابات الأولى في تونس، حيث رأى الموساد من خلال هذه التقارير أن إشعال ما يسمى laquo;الربيع العربيraquo; سيحقق مصالح غير محدودة تعود بالفائدة على الكيان الصهيوني أكثر من أي فوائد قد يجنيها من خلال أي حرب يخوضها. وقد تناقلت الأخبار ألقاء القبض على ضباط أتراك في الأراضي السورية، اعترفوا بتلقي تدريبات خاصة في تل أبيب باشراف جهاز المخابرات الصهيوني (الموساد) لتنفيذ عمليات . كذلك ما فضحه الباحثون والمؤرّخون عن أكاذيب سبق أن تم تفنيدها ، من ضمنهم بعض الأكاديميين اليهود، بقيام عملاء الموساد في سعي محموم لتثبيت أكذوبة المحاولات الصهيونية في زرع بعض الآثار المزوّرة في البتراء وغيرها من الأوابد التاريخية، لإيهام العالم أن حضارة يهودية كانت قائمة على أرض فلسطين. وبصمات الموساد الإسرائيلي والتواطؤ ألأمريكي لنهب آثار بلاد الرافدين كانت واضحة منذ بدء الغزو عام 2003 ، وهي ذاتها التي خرّبت (بعد الربيع العربي!!) محتويات متحف القاهرة وأحرقت محتويات المجمع العلمي المصري، الذي يعدّ أحد أقدم المؤسّسات العلمية في مصر، ويضمّ عشرات الألوف من الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة، حيث أدّى الحريق إلى تدمير 200 ألف كتاب نادر. وفي ليبيا سرق quot;ثوار الناتوquot; مجموعة لا تقدّر بثمن من النقود العتيقة التي أطلق عليها اسم quot;كنز بنغازيquot; ويعود تاريخها إلى أيام الإسكندر الاكبر. وقد وصفت بأنها أكبر عملية سرقة للآثار التاريخية، باختفاء مجموعة من 7700 قطعة نقد ذهبية وفضية وبرونزية تعود الى العهد القديم .
أن القلة القليلة في عالمنا العربي تتدارس و تتفهم كيف تُغذي الموساد بشكل سري محموم الصراع الدائر على السلطة بين القوى الليبية الليبرالية وعناصر ألأسلمة المتعصبة وتقف مع الطرفين في آن واحد (مع كراهيتها للجانبين ) وتقف كذلك مع المجلس العسكرية المصري المهتري والأخوان المسلمين ، وتثير الصراع الدموي بين العلويين والسنة والأكراد في سوريا ، ولايُخفى نجاحها في عملية تقسيم السودان الى قطرين معاديين لبعضهما أسلامي في الشمال ومسيحي في الجنوب. والقلة القليلة التي تقوم بتقييم حزب الله اللبناني ، وتبحثُ أسباب انضواءه في محور اقليمي ممانع ويُخالف جدية دول الاعتدال العربي هو رؤية عدم جدية أهتمام الحكومات بالمواطن العربي ويتهمها بالتخاذل والتنكر للقضية الفلسطينية في سماحها لدخول دبلوماسية الموساد في الأغتيال والترغيب والتخريب والتدخل المباشر في الشأن اللبناني، و كانت هذه الوضعية مثالية لدورحزب الله داخل لبنان وخارجه منذ حرب عام 2006 وتحرير أرض لبنان من أحتلال أسرائيل لأراضيه عام 1982.
ولايُنكر، ماحققته أسرائيل الموساد بتاريخها الأجرامي الطويل من نجاحات في المشاركة الخفية في الأغتيالات منذ ( بل وقبل) مقتل عماد مغنية القيادي في حزب الله في أكثر أمكنة دمشق أمانا في أنفجار سيارة مفخخة ولفت الأنظار الى أسمه الحركي الحاج رضوان، القائد العسكري لـquot;حزب اللهquot; المطلوب في قائمة الموساد للأغتيال. وهذا ما تم أكتشافه من أدوار بعض عملائها في لبنان وسوريا وأيران ومصر والأردن وليبيا والأمارات وتحقيقات نيابة أمن الدولة في مصر مع الإسرائيلي أوفير هيراري، وتوكيله المتهم الأردني بشار أبوزيد لتوفير أعداد كبيرة من شرائح التليفونات لشركة موبايل نيل لخدمات التليفون المحمول المصرية بغرض استخدامها في عملية تمرير المكالمات الدولية المصرية، وتنصت الموساد للقيادات المصرية quot; والتحقيقات التي كشفت عن اختراق الموساد للملف النووي السوري وان المعلومات التي نقلها عن الضابط السوري حسين عبد الرزاق ربما ساعدت إسرائيل على تنفيذ هجومها على موقع الكبر عام 2007.
وكذلك الضغوط التي جرت لطي ملف اغتيال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية quot;حماسquot;، محمود المبحوح، في أحدى فنادق دبي عام 2010 وعجز أجهزة الأمن العربية عن التعرف على المشتبه بهم أِلا بعد مغادرتهم الأمارات وحجب البلاك بيري بسبب تجسس إسرائيل و أمريكا . وهي أمور تُعيد للذاكرة بعض حلقات quot; قرار العمل quot;Business Decisionquot; الأسرائلية التي يتجاهل خطورتها وأبعادها قادة المجتمع العربي في الفوضى الحالية للتراجع الحضاري والقيم الثقافية وفشل المؤسسات في تحييد الطائفية وأخراج بلدانهم من دائرة العنصرية وتسيس الدين .
ومن يريد أن يفهم طرق عمل الموساد وأهدافها العامة يتطلب منه أن يفهم واجبها الرئيسي وعملها السري الرسمي في الحفاظ على أمن دولة أسرائيل بشتى الطرق والوسائل أخلاقيةً كانت أو غير. بالأضافة الى العمل الأستخباراتي وتوظيف المُجندين وأستقاء المعلومات العسكرية والتجارية الحيوية والتجسس على السفارات ومراقبة خطوط أنابيب البترول التجارية وأنتقال العملات وحركة الأموال وتجسسها على المصارف العالمية والسيطرة على المنظمات المالية والمؤسسات العلمية وأختيار الزبون وحاجته وفق مبدأ Business Decision تتم بطرق لاتستند على معايير أخلاقية وتتمكن بواسطته من أتمام دورها الذي أمتد الى أفساد أنتفاضات الفقر العربية ضد الحكام الطغاة وحكومات العسكر . أخطبوط الموساد وتغلغله التجسسي والأعلامي يُصنع بأحتراف وأسناد مباشر من الحكومة الأسرائيلية وبقرارات عمل نافذة لارجعة فيها عند الحاجة الى تصفية الخصوم وتخريب مؤسسات علمية صناعية أو عسكرية دون الألتفات الى أحتجاجات الرأي العام العالمي( كما حصل في تخريب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وعام 2007 في معامل خزن أجهزة ومواد للطاقة شمالي سوريا وتصفية علماء في العراق وأيران وحالات عديدة لتغلغل عناصر الموساد بمنظمات الشعب الفلسطيني ومعرفة تحكات زعمائهم لأغتيالهم كالحاج ياسين وكثيرون غيره.) وليس جديداً قيام شبكاتها التجسسية بالدخول في خضم الأحداث بجواسيس من أصول عربية مدربين لهذا الغرض ، يبدون التعاطف مع الجماهير الأسلامية العربية المسلحة في سوريا وأنتفاضاتها ضد الظلم والأضطهاد السياسي والأجتماعي . وعلامات جديدة للنجاح والتفوق الأسرائيلي في درء الأخطار عن الدولة اليهودية يظهر جلياً في مشاركتها أنتفاضات الفقر العربية وأضفاء عبارة (الربيع العربي) على الحالة الأجتماعية المزرية والأقتتال الداخلي الذي تستثمر نتائجه الموساد ( بوقوفها التكتيكي المؤقت ) الى جانب طوائف وقوميات وطنية وأدارة عملياتهم من وراء الستار ، وتغذية جهلة الفقر والتفاعل معهم بتقديم السلاح والذخيرة والتأييد الأعلامي وفق ماتقرره الحاجة ، أيجابياً أو سلبياً ، وتقف الى جانب زمر الأرهاب الديني وبث أفكار تجارية Business Decision في معاركها الخفية ضد مجموعات بن لادن والظواهري المتطرفة وزمر الأسلمة والمشاركة الأعلامية في نشر فتاوى الدجالين الذين يضحكون على عقول الناس بمسميات دينية وبممارسات يُغيّبُ عنها العقل ويُستغفل لسرقة أنتفاضات الفقر العربية منهم بأسم الأسلام . ولابد وأن التصريحات هي أعتقادات مفكريها وتؤكد مواقفهم المبدئية في السياسة ،كما يعيدون اكتشاف هوياتهم المذهبية في الدين . فما صحة رد رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل على سؤال يتعلق بمساندة وتدخل حلف الناتو والقوة الجوية الأمريكية الضاربة الى جانب الثوارالليبين المسلمين وقوله quot; أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوحى وأقنع الدول الأجنبية لمساعدة الثوار بالمال والسلاح وبمساعدة ليبيا ضد القذافيquot;. وصحة الأنتقادات اليومية الموجهة ضد شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، quot; وبمسؤوليته عن الدماء العربية المسلمة التي سالت في ليبيا على يد حلف الناتو واقتتال الليبيين مع بعضهم وبأنه يتحمل quot;المسؤولية عن الدماء التي سُفكت في ليبيا وسورياquot;.
وفي مجال التخصص البحثي فأن رأيي يستند الى قراءات سياسية ودلالات يومية ومن خلال مراقبة الأحداث الدائرة وتحليل محتوياتها ومقارنتها بأدلة قد تكون على جانب كبير من الصحة مع الأعتراف بضرورة الحاجة الى المعرفة المباشرة والوجود الشخصي لتصوير الحدث والتحقق في المزاعم . لكن ذلك لايمنع من قناعاتنا بأن عمل الموساد وعملائها كان ولازال هو محو الهوية العربية وتفريغ الأسلام من محتواه الإنساني والحضاري وهو الهدف الصهيوني ألأمريكي الذي سخّرت كلّ من واشنطن وتل أبيب كل الوسائل لتحقيقه .
أنتفاضة الفقر ليست ربيعاً عربياً
هذا المقال يحتوي على 1740 كلمة ويستغرق 9 دقائق للقراءة
