من الناحية التاريخية، كانت أكبر مشكلة جيوسياسية، لروسيا، هي أنها قوة قارية، غير ساحلية بالكامل. كانت في الأصل، بدون أي حدود بحرية، ثم أعطت نفسها تدريجيًا حدودًا بحرية على بحر البلطيق. لكنه يبقى بحرا مغلقا، ثم هناك سواحل لها، منفتحة على المحيط المتجمد الشمالي. لكن قبل ظهور كاسحات الجليد، لم تتمكن روسيا، حينها، باستثمار موارده الطبيعية، بما يكفي. ولذا، كانت دائما، لدى روسيا، نزوعات قوية، للاتجاه مزيدا نحو الجنوب، وبالتحديد، باتجاه البحر الأسود.

ويسجل المؤرخون، ان هذه الإستراتيجية المتمثلة، في السير جنوباً، للذهاب إلى البحار الدافئة، كان أحد مستشاري القياصرة الروس القدامى، هو الذي خلدها رسميا، لأول مرة، في وثيقة قُدِّمت على أنها رغبته السامية، في توطيد و توسيع أراضي روسيا التاريخية. وللإشارة، فمن ناحية الميل الأيديولوجي، لإحياء الأمجاد القومية، سيصير هذا القيصر، قدوة وملهم للشاب فلاديمير بوتين.

فمن الواضح، إذن، أنه مند قرون، كان طموح الروس التاريخي، هو جعل البحر الأسود، طريقا للذهاب إلى البحر الأبيض المتوسط، ​​ومن هناك إلى الخليج الفارسي، لإعادة الإرتباط بطرق التجارة البحرية البرية القديمة. 

فأمست مند الماضي البعيد، عقدة روسيا، تكمن في عدم إمكانية الوصول، إلى سبل هذه التدفقات التجارية العالمية، وبالتالي، ولد لها تأخر بارز في تنمية التبادلات والمقايضات، بسبب ضيق الانفتاح البحري، على الأمم الغنية بثرواتها. ورغم ذلك، فإن روسيا، التي كان دوما الغرب الأوروبي، يراقب تحركاتها على الرقعة الجيوسياسية، مع محاولة التضييق عليها، وعرقلة خططها، حاولت دوما، بالمقابل، أن تفرض عبورها، باتجاه هذا الجنوب البحري، كمتنفس حيوي. فالأهمية الاستراتيجية، والرمزية والتاريخية، التي يمثلها البحر الأسود بالنسبة للروس، كانت دوما، هاجسا وسرا طي أجنداتها السياسية، بالإضافة إلى ان إلقاء، مجرد نظرة فاحصة، على خريطة بحر آزوف، يكشف مزيدا من هذه النوايا في التوسع البحري. 

وللمعلومة، يقع بحر آزوف بين روسيا وأوكرانيا، ، وتبلغ مساحته تسعة وثلاثون الف كيلومتر مربع. إنه بحجم بلد صغير، و لفهم لماذا يشكل هذا البحر الصغير، مثل هذا التحدي الكبير، علينا أن نتمعن، في المكان الذي يحتله في منطقة التوتر الحالية. فهو يعطي الانطباع، بأنه بحر مغلق عمليا، لكن يوجد مضيق صغير للاغلاق، يفصل بين جهتيه. وهو يقع على الجهة الشرقية من منطقة القرم بالضبط، بحيث يتيح للروس، توطيد القبضة الخانقة، التي يطوقون بها شبه الجزيرة المتنازع عليها، مع الاوكرانيين مند نيف من الزمان أو أكثر. 

من الواضح، تقريبا الان، للمراقبين الدوليين، أن أحد أهداف حرب بوتين، على أوكرانيا، هو ضم سواحل بحر آزوف هذا، من أجل السماح بالتقاطع الإقليمي بين روسيا، وشبه جزيرة القرم المحتلة، لحماية قواعدها من الخلف.ولكن، ليس فقط الاهتمام التجاري البحري هو الطاغي، والذي يزيد الاهتمام بهذه الرقعة المائية. بل على المستوى العسكري، هناك مصلحة استراتيجية أخرى، أكثر خطورة واهمية للاستحواذ على مجمل بحر آزوف. فهناك بحر قزوين، وهو بحر داخلي، لا يوجد به منفذ إلى البحار الجنوبية، ويقع في أقصى الشرق قليلا. 

خلال الحرب، التي شنها الروس في سوريا، أطلقت صواريخ على معسكرات جماعة داعش الإرهابية، من بحر قزوين. أصبح بحر قزوين، اذن، الذي لم يستخدم كثيرا من الناحية الاستراتيجية، مجالا للعمليات الميدانية العسكرية، بحيث يمكن البوارج الروسية، من إطلاق الصواريخ في آمان تام. ولقد تمكنوا من إنشاء، قناة نهرية تربط بحر قزوين ببحر آزوف.

ويؤكد المحللين العسكريين، أنه من خلال السيطرة على بحر آزوف، أصبحت جيوش روسيا، الآن طليقة، في نقل سفنها الحربية، من البحر الأسود إلى بحر قزوين، عبر بحر آزوف هذا، و بشكل يعزز وجودها العسكري، في المنطقة، ويحقق جزءا من طموحاتها القديمة في التوسع البحري.