من لا يكون شاهدا على عصره،شاهدا على صراع الحق والباطل في مجتمعه،فلا يهم ان يكون في اي مكان؛ راكعا في محراب العبادة او جالسا الى مائدة خمر.
علي شريعتي
ليس المهم هو ما نؤمن به. وإنما الكيفية التي نؤمن بها.
سورين كيرك جارد
أعاني الوقوف.. لقد قضيت عمري واقفا لا ني لا أحسن الجلوس على المبادئ...
أحلام مستغانمي
الفضيحة في ابرز وجوهها فيما يمكن أن نأخذه من (الغمز اللغوي) للمفردة كما نحب أن نسميه..هي الفض، اذ اللغة تتجاوز كثيرا مسالة الرمز كآخر إطار في الكناية وأوسعها حركة ومشاكسة داخل الدلالة في حمولاتها..وهنا حالها تماما مع الفضيحة.. (الغمز اللغوي) يرمش إلى فض الحقيقة، طالما أن مشكلة الحقيقة في التاريخ ( مع الآخر والذات ) على السواء، هي أنها دائما تغلف بأشكال عدة تحول دون جوهرها.. وان امتنع- كسنة اجتماعية- أن تتحول الأشكال بقشورها إلى جواهر مهما طال الزمان وتعفن المكان.. ولكن المشكلة عادة هو الاستئناس بتلك الأشكال من الإنسان نفسه، والغريب أن هذا الأمر يلوح حتى الانسان الخاسر في هذا التزوير، حيث الكثير من مجتمعات التاريخ المسحوقة تؤيد أفكارا فيها انتكاسها وخداعها واستغلالها، وهي ما يمكن أن تزحف لها تسمية (مجتمعات الاستحمار).
إذن المشكلة ليس في ذات الحقيقة من نكوص أو تنصل عن الجمال والخير..الحقيقة هي الحقيقة.ليس ذلك..
الوحي لا يتنصل عن انبياءه..والحقيقة لا تتنصل عن رجالاتها..ولكن رجالاتها يلوون عنها...
الوطن لا يتنصل عن اهله.. اهله من يجعلونه تحت النصال بلا حرف تحمل اسمه، كما بلا ارض تحمل رسمه..
التاريخ لا يزور نفسه، ولكن المجتمعات تزوره...
...الدين لا يخدع الإنسان...الإنسان من يخدعه.
الله لا يموت ولا يختفي وجوده.. وجودنا هو من يخفيه عنا.
إذن لا خوف على الحقيقة من ذاتها...الخوف على الذات الانسانية نفسها من أن تأنس بغير تلك الحقيقة لتراها في الباطل..فتغدوا القشور لبابا والمنكر معروفا والأصيل عرضا والقبيح جميلا وبالعكس.
وهذا ما يحدث مع القيم تماما..في إشكالية المطلق والنسبي معهما التي لم يخلو عنها عادة مبحث لفيلسوف ما..كقضية مركزية بشكل ما...إذ أكثر الذين قالوا بنسبية القيم كان مبررهم الأوفر، هو تعدد الرؤى لها زمانا ومكانا.. ولكن التفنيد الأوفر كما هو في مقولة ماكس شلر؛ في أن القيم لا تتبدل ولكن نظرتنا إليها تتغير." كان قد انطلق من مشكلة الذات المشار اليها في السطور السابقة واستئناسها لاحتيالات الآخر مع الحقيقة..وهذا الامر يجد وضوحه فاقعا في مسالة العرف.
للتعجيل بغاية ادبية نحاول ان نهرب لها، طالما اننا دائما في هروب الى كلمات تحول دون هروب الحياة منا..
كون الكتابة هي الوحيدة التي تُبقي في أيدينا الحياة وان هربت من تحت اقدامنا..
لذا اتوقف عن مقتضى البحث بالقفز عن محددات وهوية المثقف الى كبريات تقريرية..في ان ماهية المثقف هي فض اغلفة الحقيقة من سماسرة وجهها الجميل، وفي هذا ذنبها الوجودي، والتمرد على السائد، والاغلفة المستأنس بها في فترات التاريخ..اي التمرد على النسق الاخذ بالأجيال في كل جهاته العرفية والدينية والمعرفية..
المثقف كل المثقف الذي يُشك بوجوده اصلا، ان اراد ان يكون بقدر صفته التي حددت بماهية الامامة، وهو امر كان الزمان عقم عنه، يتعثر به ساعة ويشح فيه اخرى، الا ضمن مفهوم المجدد والمئة عام، بل يأسنا والناس مؤكد لهذه المئة ورمزيتها.....لو اراد تلك الصفة فعليه؛
حتى يتوائم معها ان يتواءم مع كلماته... في ان يكون حاضنا للكلمات مهما نبذت من السائد والمألوف. وبالتالي (التضحية) لوجود الكلمة وحقها في الوجود بين الناس والتاريخ،.. ان يقول الحقيقة وان علمته ان يكرهها في لسعات شوكتها على طول الخط الموسد بالبؤس والالم والانتكاسات والهزائم... بل وان احترق بها..
ولكنه سيعلم وقد علمه التاريخ ذلك؛ انه إن احترق في خطها سينتفض وحده من الرماد كالعنقاء ابهى حياة، لا بل اكثر اسطورية منها.
... بل كالمسيح ينتفض من بقايا صليبه...بقي صليبه يملك الارض وبقي هو تملكه السماء.
بكل الاحوال على المثقف ان يبقى امامهم مرتكبا (جريمة) الوعي والشعور وضراوة التفكير، حسب تعبير شريعتي..والا ان خلص من هذه الجريمة بينهم فهو متهم من الحقيقة وليقرأ عليه السلام.
شرف المثقف أمام الله انه مجرم بينهم في الله نفسه والناس والحياة... كون اللههم غير الله..هو منطق لك دينكم ولي دين.
لا نبحث عن (المنحة) له في الولاية، خصوصا حينما نقول انه ربان الصيرورة في حركة التاريخ والامم، بل نبحث عن( المحنة) معه كشرط وجودي..لذا من الاجدر في هذه المسالة ان نقول؛ بين ولاية الفقيه ومصيبة المثقف..مع انه بتوصيفه (ربان صيرورة) سنقع في ورطة ولاية المفكر..مع انه لاولاية مطلقا الا بالعنوان الارشادي، طالما انه لا ولاية لاي انسان مهما كان....
اذ كي يتحقق اخر شيء في السماء (لاخرة)،كان على الارض ان يكون اول ما فيها الحرية.
..... فلا عدل عقلا في الحساب ان لم تكن الحرية في الكتاب.
عموما هنالك فقط (ولاية للحقيقة) بالاصالة ولنائبها بالعرض..
هنالك نبي وهنالك رجل نبوة..
الثاني يملك حقه الالهي كنبي عرضا...فالولاية للنبوة وليس للنبي بالاصل. اذ لا نقاش ان النبي لا يكون نبيا الا بمجيء النبوة، والا فقبلها كان رجلا، ولكنه بالتاكيد كان رجل نبوة...وهذا ما يمكن ان يكون مع رجالات كثر في التاريخ كالامام علي وابو ذر وسلمان الفارسي وعمار ابن ياسر في التاريخ الاسلامي الاول وغيرهم من باقي الديانات..وقد تكون مع نساء كما هو مع جان داراك مثلا
اول لازمة كانت للمثقف في القرن السابع عشر كقرن يحمل اسم قرن المثقفين هي لازمة النقد والخروج عن المألوف، وبها كان هذا التحدث في الحداثات..لذا، مثلا، كان لابد ان يرجع في وجود الثورة الفرنسية الى وجود جان جاك روسو وان مات قبلها بعشر سنوات تقريبا.. وبالذات تمردهم على الكنيسة باعتبارها المصدر المعرفي الشرعي وقتها المبقي للمالوف في اغلفة الحقيقة باسم كلمات تملك قدسية في ذاتها؛ كالدين والله.
نجح ذاك المثقف الغربي كونه لم يكن في ظل رعاية الكنيسة وانما البرجوازية الصاعدة بشكل ما..او برعاية مبادئه وكلماته.. تلك التي نفسها كانت مرعى الانبياء لا غير. واحيانا برعاية جنونه بكل معنى الكلمة..اذ طالما يجدي الجنون في التحدي اكثر من غيره، كما هو جنون العقل مع نيتشه...
فجنون الحياة لا يخشى معه شيء اخر كفاية للطريق..وهذا ما ادى الى تاسيس المثقفين فكرة الشي لذاته في مناحي الابداع (كما هو مع الفن للفن) وان استغلت الفكراة سلبا لاحقا، الا انه في هذه الجهة في اخلاص المثقف كان مجديا جدا.
وتبقى تهمة الجنون لاحقة مجانية، حتى من المقربين للمثقف لانه في سلوك التحدي هذا يرونه غير طبيعي ضمن مألوفهم في برجماتية الحياة التي غدت شرعية..منطقية..وهنا نكتة الجنون واطلاقها حتى على اعقل القوم، بخروجه عن المنطق، الذي يحدده عرفهم.
المثقف الشرقي الديني منه بالذات.. والشيعي منه دون السني يحمل معاناة جوهرية يخلو منها الآخر. باعتبار ان الثاني لا يرتبط ماليا بالمؤسسة الدينية كما هو مع الشيعي..لذا تجده متورط بمحنه لا يعانيها السني بتاتا..
المثقف الديني الشيعي لا يخرج عادة الا من وسط المؤسسة الدينية في نشأته، كونه يبدأ كسلفي في اول الطريق اغلب الاحيان، اذ انه يبدأ اول الطريق كمتدين وليس كمثقف ديني انخرط في تحولات الوعي.لذا نوع التزامه وسط المدينة والحارة خارج المؤسسة الدينية يمنحه تهمة سلفي...
يبدأ مع المؤسسة متفرغا لعلومها، فيعتاش مستفيدا من نسقها المعهود في المسالة المالية. وبالتزامات الطاعة المشروط بها الحق المالي في البروتكول الحزبي للحاشية في الولاءات والاحقاد والعداءات المرجعية، فان لم يداهن وخرج عن المألوف اخرج عن الملة، ولم يبق من يدعمه، بل يصبح منبوذا بطرق شتى هي من اكبر مآسيه، سيما ان هنالك صفات في المؤسسة الدينية اخلاقية بالدرجة الاولى يستعصى احيانا تحليلها السلوكي الدنئ في خلفها الديني.. حتى من التيار التنويري فيها.. كذلك التداخل الحزبي والسياسي فيها، علما ان التشكل المرجعي يحمل اطارا حزبيا في مفهوم الحاشية كواقع شاء ام ابى...
اغلب المثقفين الذين لا يعرفون الملق والتزلف والمماهاة عاش ازمة تفعيل الكلمة والنقد والتصحيح،وهي الوضيفة الاولى له، لانه اضحى على تقاطع تام مع استبدادية المرجعية وامبراطورياتها والاحزاب ومصالحها..على عكس من يجيد ذلك.. بحيث نكاد نقطع ان هناك امراض لا شعورية سلوكية اصبحت مألوفة في الوسط الديني المرجعي والمؤسساتي فيها.
عانى معظم المثقفين المتمردين فيمن انخرط في المؤسسة الدينية ناقدا حرا من رجالات المؤسسة هذا الامر، ولم يقف مع تهميشه وتجويعه وتهديده وتشريده..بل يتعدى الامر- وهو الابرز سلوكيا في المؤسسة- الى تسقيطه اخلاقيا ودينيا بالدرجة الاولى، كونه (الدين) ملكية خاصة منذ ان كان لكهنته دون غيرهم. اضافة الى ملكية الاخلاق كصنو للدين..علما- للاسف- اني لم اجد مفارقة في المؤسسة الدينية، كالمفارقة بين الدين والاخلاق فيها،..فالازمة في المؤسسة الدينية تكاد تنحصر بانها ازمة اخلاقية لامعرفية بالدرجة الاولى..بل ان الاحكام والمنتج الفقهي عموما لخلوه من المقاصد الاخلاقية- كمقاصد حاكمة معرفيا- بدا عليه العور واضحا في الواقع والانهيارات التي تفجع بالناس... والامر انكى كثيرا في مسؤؤليات المؤسسة الدينية وواجباتها التي تدعيها في نيابة النبوة وخطها...
مثلا اول مشكلة تلاحق الناس هي العوز والجوع وما يجران معهما من كفربالحياة وما فيها.. وفي نفس الحين لخطورة العوز في الحياة، كانت اول ادبية دينية اخلاقية بالدرجة الاولى هي تشريع الزكاة والخمس او التكافل الاجتماعي او بالمعنى العام اغاثة الانسان، لكني عشت وشاهدت وسمعت،وسالت في اخر الايام الكثير من جياع العامة وغيرهم؛ هل منكم من وصله شيء منه...ابدا لم يجبني احد بالايجاب..الواضح تماما ان تلك الاموال تذهب فقط الى الارستقراطية الدينية والحزبية..اغلب العمائم التي تنتمي للحواشي بشكل واخر تجدها متخمة دون جهد علم اوعمل.. وللمسالة قصص وخوالي.
هذا من جهة السلوك...ولكن طالما ان المثقف الديني يريد ان يخرج عن المألوف في جهة السلوك الانبطاحي من جهة العمامة وامبراطورياتها المرجعية وكذا يريد من جهة أخرى ان يخرج من المالوف المعرفي كهدف اصلاحي يمثل الاساس الاول في وجوده كمثقف..فانه سيكون خارجا على الطريق.. وبالتالي هو المنبوذ وحامل لصفات الوقاحة.. هو الخارج عن الفضيلة وعن المذهب..وعن الدين. لذا لا يمكن لكثير منهم لحد الان ان يصرح بافكاره التجديدية مهما حمل في وعيه كل اطر التصحيح والتصليح او التعديل والتجديد...مثلا لا يمكن للمفكر الابرز في الوسط الديني محمد حسن الامين ان يصرح بافكاره في عمق الليبرالية..خوفا من تهمة العلمانية حتى وان كانت الاوفر في حقها التشريعي كنظام حكم ولكن بتبيئة للمقاصد الاخلاقية والحقوقية فيه..ولا يمكن ان يصرح برؤاه في مؤسسات المجتمع المدني في الموسيقى والغناء، في المراة وغيرها..
الامين مثلا هو متمرد في وعيه... في وجوده بشكل ما...
ولكن في كلماته يبقى الامر صعبا..مع انه التمرد الاهم والمركزي، لان كلمات المثقف ليس ملكه في وجودها وانما للاخر في تاكيد وجوده..للجماهير... لذا طالما الامين لم يتمرد في كلماته ويزاوج بينه ووعيه لم يترك اثرا في واقعه الا مع من عرف وعيه واخذ كلماته همسا او جالسه فيها..لماذا لا يملك لحد الان كتابا، باستثناء واحد تجميعي وكراس في المرأة.. لذا اذا كنت ائسف على مفكر في الوسط الشيعي لم يقل كلماته وأفكاره فأسفي على محمد حسن الامين، في وجوده ضمن الاشكالية، ولكن اسفي الاكثر في انه لم يلتزم بماهية المثقف بان يكون حاضنا للكلمة مهما نبذت، بان يصرح بالحقيقة مهما لاحقته همومها، مع ما لحقه منها...مع هذا يبقى انه فقد عنصرا في ماهية المثقف افقدته اثره الوجودي في دينه ومذهبه ومجتمعه مع انه لا ياخذ بالمذاهب، بل لا ياخذ بالاديان في توحيده الانسان...ففيها توحيد الله فقط...ولا اعرف كيف يمكن لمثقف لا يقبل منا ذلك في الامين مثلا، حينما يحاججني بانه ليس مجتهدا مرجعا..وكانه لا يعلم انها فقط اسماء وصفات لا يملكون جدارتها بالمعنى الحقيقي والا..لو اردنا الجانب التاصيلي في منهج الامين مثلا وملكاته لكان اعلمهم..مع ان المشكلة ليس في الاعلم بالعلوم تلك وانما هو الافهم والاكثر معانقة لروح الدين وفلسفته. بل الامين وامثاله من المثقفين الدينين لو اراد ملكيات المرجعية في وجهه العلمي لكان، ولكن وجوديته كمثقف قبل ان يكون عالم دين بالمعنى الكلاسيكي، وطريقة تعامله مع الحياة وشكل تذوقه لها يجعل المرجعية امامه بالواقع الحالي امر تافه بل مشاركة في الزور وخديعة للناس والدين...ليس أمري هو محمد حسن الامين كشخص اود تبجيله- بل بالعكس انا جئت به في الدرجة الاولى في انه لم يستطع التحدي بكل عناصر المثقف متاسفا على المعيته الدينية - وانما كمثال للمثقف في محنته. والامر تماما ما كان مع الباحث الكبير يحيى محمد في وسط هذه المؤسسة واخرين..فلطالما طرد يحيى محمد من اساتذتها وحورب وجوع وحوصر ثم همش الى اقصى الحدود والى يومنا هذا.. في قصة بؤسه التي تطول في هذا المسكين الذي لم ياخذ حقه الابداعي، حتى من مقربيه، لان الاحقاد تلعب دورها.
حينما لم ينشر احد المثقفين الدينين حوارية لاحد المجتهدين في لبنان مع ما كان يبديه من احترام وإعجاب له في معارفه كخط تنويري.. ولكن تنويريته ذهبت مع اول خطى للمرجعية، لاسباب في فكرة الحاشية وافكارها واثرها على الوجود المرجعي، لا اعلم....المهم في الجانب التطبيقي ذهبت التنويرية تاكل حتى ماضيها العريق،..غدا هذا المثقف ومجلته في رأي ذاك المجتهد متهما في اسلاميته، ووجد ذاك المرجع حرمة بان يستمر المنح المالي للمجلة، لتذهب الاولوية والحلية في اموال الخمس والزكاة وتبرعات العمل الاسلامي الى بناء مساجد خمس نجوم، ليس فيها خمس سجدات.
لسنا هنا في صدد جرد الاسماء والمحنة او الاساءة، بقدر الحاجة الى اخذ اشارتها ودلالاتها في تحليل الحالة مع المثقف الديني الشيعي. اضافة الى المحاولة في تسجيل الموقف، علّنا نغسل بعض ادراننا.
هنا لا يمكن ان يبقى هذا المثقف في اطار التجديد ضمن وظيفته في فضاء الامامة.. الا ان يستقل تماما في وجوده او لنقل في جوعه وبؤسه، كما فعل مثلا اسبينوزا اول طريقه مع اليهود من قومه في نقده للتوراة، لذا كان وجوده النقدي ابرز مائز لعصره وله على غيره من العقليين الذين قبله، ممن تماهوا مع الكنيسة جبنا او خوفا على مصالحهم كما هو مع ديكارت في وصمة التماهي على حساب الحقيقة مع الكنيسة وزورها التي ذكرها التاريخ عنه.
ان فكرة (الاندماج في التعالي) لياسبرز يمكن ان نجدها الشرط الاول لماهية المثقف دون غيره في تعميم ياسبرز.. اذ هذا الاندماج لا يكون خارج الروتين الحياتي المبتذل الا بتحدي كل الزور مهما جن المثقف او خسر مجتمعه.. بل حتى وان خسر سمعته كمتدين، او حرم ذكره وفكره، بل تعدى ذلك الى زيارة قبره..
قيل ذلك في شريعتي وهو اعبدهم، قيل ذلك في باقر الصدر وهم دونه لاشيء بين الاعراب.. قيل ذلك في محمد عبده، وجمال الدين الافغاني.. انه ماسوني انه عاشق ماخوري وكذا..
مما يذكر في جميل ذلك ان الفيلسوف الاخلاقي الاميركي رالف اميرسون حينما مات قال عنه احد القساوسة انه الى الجحيم..كتبت احداهن مجيبة عليه.. " بلى قد يكون ذلك ولكن لاشك عندي بانه اذا دخل الى النار سيجعل طقسها بردا وسلاما "...
وهكذا وسط هذه المسؤلية النبوية لصفة المثقف الديني، نتسائل؛
..السنا متهمين دائما وسط بؤس الانسان اينما وجد، باننا متعاونين في استحماره واستعماره...الا يمكن ان نكون عرابين خديعته..الا يمكن ان يضاف المثقف الى اية ( ان كثيرا من الاحبار والرهبان لياكلون اموال الناس بالباطل) ان كتب القران من جديد بعض كلماته، بلى انه ينطق ذلك في غير اوراق تلك..لكننا لانرى.
قد يختلف عن عناصر الاية في التسمية فقط، لكنه عميلا بشكل اخر... الا يساهم المثقف في اغلب ازمانه في بورصة الزور، واذا تضامر في ضميره في احسن الاحوال، لجأ الى سكوته عن الاشياء وهي مخطوفة باسماء اخرى وحده من يعرف مكانها..كما رأى انطوان مقدسي في احد كتاباته عن المثقف؛ انه اما مزمر مطبل او خانع خاضع.....وبكلا الحالين ليس له محلا في وجه المثقف الديني الذي ينبغي ان يؤكد ويبقي في التاريخ اسم (رجل النبوة)...رجلا، الفارق فيه؛ ان مغارته هنا قارعة الطريق ليس الا... وعيون الناس كلماته لا جبرائيل..
رئيس تحرير مجلة الوعي المعاصر/بغداد
[email protected]
