* أيام في كردستان بدعوة من الإتحاد الوطني الكردستاني!
* شعب يستحق الدعم والمساندة لتعويضه جرائم الطغاة! " الحلقة الأولى"
منذ سنوات، تعود إلى أيام عملي أستاذا في جامعة البصرة ( 80 – 1981 )، إكتشفت حجم الجرائم والتعديات اللاإنسانية التي ترتكب بحق الشعب الكردي، وعلى الفور كلاجىء ومشرّد فلسطيني، كنت أقارنها بالجرائم والتعديات التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، فأجدها متشابهة، وإن كانت لدى الشعب الكردي تزيد بنسب عالية في العدد والنوع، وعلى سبيل المثال :
أولا: تعرض الشعبان الفلسطيني والكردي إلى الإستيلاء على وطنيهما التاريخيين، الشعب الفلسطيني من قبل الحركة الصهيونية التي أقامت علية ماعرف بدولة إسرائيل، والشعب الكردي من قبل الدول والتحالفات التي قسّمت وطنه القومي التاريخي، وألحقتة بالدول المجاورة: العراق، سوريا، إيران، تركيا، روسيا، وضاعت بالتالي الوحدة الجغرافية لكردستان.
ثانيا: مورس على الشعبين محاولات متواصلة لمحو وتفتيت الهوية القومية، وتحديدا عبر منع وتجريم إستعمال اللغة القومية لكل من الشعبين، ولكن دولة إسرائيل كانت أرحم وأكثر تحضرا وإنسانية في هذا المجال من غالبية الدول الخمس التي تم توزيع الوطن القومي الكردي عليها،فقد تراجعت إسرائيل عن محاولاتهاهذه، وصار بإمكان الفلسطينيين في دولة إسرائيل إستعمال لغتهم العربية، وفتح مدارسهم وكلياتهم ومعاهدهم وجامعاتهم الخاصة، والغناء بلغتهم وفولكلورهم، مما نتج عنه حركة ثقافية وفنية لدى فلسطينيي إسرائيل، لاتقل عمقا وتنوعا عن الثقافة العربية في أية دولة عربية، بدليل ظهور الأسماء المعروفة عربيا وعالميا مثل: سميح القاسم، إميل حبيبي،توفيق زياد،محمود درويش، توفيق فياض...وغيرهم العشرات...في نفس الوقت كانت أغلب الدول التي توزعت الوطن القومي الكردي، تمنع وتجرّم إستعمالهم للغتهم الأم الكردية، ففي سوريا وتركيا وإيران وروسيا، محظور إستعمالهم للغة الكردية حتى في داخل بيوتهم، وهذا الظلم والإجرام، لم تمارسه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.
ثالثا: النضال الطويل والمرير للشعبين عبر كافة الوسائل السلمية والعسكرية لنيل حقوقهم، فكانت المقاومة الفلسطينية شبيهة ومماثلة في الوسيلة والهدف للمقاومة الكردية، والمفارقة الجميلة أنه في الوقت الذي كان مقاتلو الشعبين يحملون السلاح ويطلقون الرصاص على أعدائهم، كان العديد من الشباب الكردي يحمل السلاح في صفوف المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان...ولن أنسى الشاب الكردي ( فريد ) الذي جاء معنا عام 1968 من الكويت ليلتحق بقواعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في جرش الأردنية، وشارك فعلا في عدة عمليات داخل الضفة الغربية المحتلة، وكان عندما يريد أن يمازحنا، يرد علينا التحية باللغة الكردية، وعندما نضحك ونطلب منه إسماعنا المزيد منها، كان ينطلق يغني لنا أغنيات ثورية ومقاومة، وعندما نصفق له مبتهجبن متضامنين، بعقب قائلا: ( والله زين...أغنّي بالكردي وما في حدا يمنعني أو يجرّني للسجن، كما في سوريا وإيران وتركيا !!.). وذات مرة سألت ( فريد ): لماذا جئت تقاتل معنا ؟. لماذا لم تلتحق بصفوف المقاومة الكردية في العراق أو تركيا أو إيران؟. كان يجيبني : يا أخوي..النتيجة واحدة..تحرير فلسطين دعم للمقاومة الكردية، وتحرير كردستان دعم للمقاومة الفلسطينية...وغير فريد، كان في صفوف المقاومة الفلسطينية العديد من الشباب الكردي، ومنهم من إستشهد في الأردن ولبنان.
رابعا: محاولات التهويد ضد الفلسطنيين في إسرائيل، والتعريب ضد الأكراد في سوريا والعراق، والتتريك في تركيا، وفرض الهوية الإيرانية في إيران، وأيضا كانت المحاولات الإسرائيلية أرحم بكثير من محاولات الدول المحتلة للوطن القومي الإيراني، وما نعرفه من معايشاتنا في العراق، محاولة نظام الطاغية صدام ( تعريب ) بعض المناطق الكردية، عبر تهجير سكانها إلى بغداد، وإسكان عرب محلهم، وهذا ما يفسر بعض المشاكل الديموغرافية الحالية في بعض المدن مثل كركوك، ونفس المحاولات مورست ببشاعة متناهية في إيرام وتركيا.
من هذه الخلفية، كان إنحيازي مبكرا لحق الشعب الكردي، وتضامني مع نضالاته، إزاء كل الظلم والعنصرية التي تمارس ضده في كل المجالات. لذلك، عندما وصلتني الدعوة من الإتحاد الوطني الكردستاني، لزيارة إقليم كردستان في العراق، لم أصدق في البداية، وعندما تأكدت من جدّية الدعوة لم أتردد، رغم مشقة السفر التي سمعت عنها من بعض الأصدقاء الأكراد في أوسلو...فأية مشقة لا تساوي شيئا بالنسبة للقاء الشعب الكردي في وعلى جزء من أرضه ووطنه التاريخي، وبالنسبة لي كنت أتخيل تلك اللحظة لا تختلف عن وصولي زائرا عام 1999 لمسقط رأسي ( بئر السبع )، بعد غياب وتشريد خمسين عاما...سافرت جوا من أوسلو صباح السبت الموافق الثالث عشر من نوفمبر لعام 2004، إلى كوبنهاجن العاصمة الدانمركية، حيث إلتقيت صديقي القاضي العراقي الأستاذ زهير كاظم عبود القادم من السويد، والذي سنكون معا في تلك الزيارة....من كوبنهاجن إلى إستانبول جوا، ومن إستانبول إلى ( ديار بكر )، حيث أمضينا ليلة في الفندق في إنتظار الصباح للسفر برا إلى نقطة الحدود الكردية. إستقلينا سيارة أجرة تركية، وأنطلقت بنا نحو الحدود مع كردستان، وقبل الوصول بساعة ونصف، سلّمنا لسائق تركي آخر، دون علمنا أو موافقتنا، وبعد نصف ساعة أوقف سيارته ليفرّغها من البنزين، كي يملأها من الحدود الكردستانية، لأن البنزين أرخص، وكان علينا أن ننتظر رغم أنوفنا، خاصة أن وسيلة التفاهم معدومة، فالطيران للفضاء أسهل من العثور على مواطن تركي، يتحدث الإنجليزية، خاصة في مطاري إستانبول و ديار بكر، والحدود التركية مع كردستان....أما المعاملة والروتين في الحدود التركية، فحدّث دون حرج، وقد تبادر لذهني فورا الشروط والضوابط والموانع الأوربية دون دخول تركيا الإتحاد الأوربي، ففي ذلك ظلم للطرفين!!. إعتقدت أننا على وشك الإنتهاء من الإجراءات، وفجأة سألني الجندي التركي. ما هي مهنتك؟ أجبته. صحفي!. فأنزلنا من السيارة، ليسأل من جديد، ويسجل بيانات جوازي، والصحيفة التي أعمل فيها، دون أن يعي شيئا، فلا فرق إن سجّلت إسم صحيفتك ( بندورة ) أو ( محشي كوسا ).
عندما وصلت السيرة إلى نقطة الحدود الكردستانية، أعلنت إسلامي من جديد، صارخا بشكل لا شعوري: أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أن محمدا رسول الله... وربما على إعتبار أن ما شهدته في الحدود التركية، يكفّر ولا بد من إعلان الشهادتين من جديد....كان وصولنا ظهر الأحد الموافق الرابع عشر من شهر نوفمبر، وقد صادف أول أيام عيد الفطر. كانت المفاجأة لي شديدة، عندما عرفت أن نقطة الحدود الكردية إسمها ( إبراهيم الخليل )، نسبة إلى سيدنا إبراهيم، فتذكرت مدينة الخليل الفلسطينية، و الحرم الإبراهيمي المشهور فيها. وهنا قلت لنفسي : سبحان الله..هذا قاسم مشترك جديد بين الشعبين الكردي والفلسطيني، إضافة إلى القواسم المشتركة التي ذكرتها...وحسب التاريخ، فهو نفسه سيدنا إبراهيم، عبر ترحاله من كردستان إلى فلسطين، فسميت هذه النقطة الحدودية بإسمه، وأقام في فلسطين، فسميت مدينة الخليل بإسمه وكذلك حرمها الإبراهيمي الشهير، الذي يعتبر مزارا للمسلمين واليهود، وتم إقتسامه عام 1996، ليصلي المسلمون في قسم، واليهود في القسم الثاني. تشعر بفارق المعاملة في نقطة إبراهيم الخليل منذ اللحظة الأولى. الموظفون بملابسهم الأنيقة، يرحبون بك بإنسانية وخلق، دون أن يعرفوك، مرددين: كل عام وأنتم بخير..مقدمين لنا الشوكولاته والشاي...ثم إنتقلنا إلى مكتب العلاقات العامة التابع إلى الإتحاد الوطني الكردستاني، حيث نفس الترحيب والمعاملة. إستقلينا السيارة المرسلة لنقلنا من الإتحاد الوطني الكردستاني، وبعد سفر أربع ساعات من ( زاخو )، عبر طبيعة خلاّبة، وجبال إرتوت بدماء الفدائيين الأكراد ( البيشمركة )، وصلنا إلى مدينة السليمانية، مقر إقامتنا طوال أيام الرحلة الكردية المثيرة، المليئة بالمعلومات والإنطباعات...فمن السليمانية إلى حلبجة إلى دوكان إلى شقلاوة...الكثير مما سيحكى في حلقات قادمة!!.
د. أحمد أبو مطر، أوسلو
* كاتب وأكاديمي فلسطيني، مقيم في أوسلو. [email protected]
