من برلين: ليس هناك كاتب عربي يستحق جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر السنوية كما يستحقها الكاتب المصري صنع الله إبراهيم. فهو تميز عن العديد من الأدباء الذين سقطوا ضحية مغريات العولمة بمواصلته المحافظة على مبدئه وأفكاره التي جرته إلى السجن في أواخر الخمسينات ومطلع الستينات وإيمانه بأن الديمقراطية والحرية جزء لا يتجرأ من الإنسانية واحترام حقوق الإنسان. وقالت الأستاذة الألمانية المستشرقة الدكتورة اولريكه شتيهلي خلال الكلمة التي ألقتها في حفل تسليم الأديب المصري جائزته في معهد غوته ببرلين أن صنع الله إبراهيم من الكتّاب اللذين كرسوا حياتهم بجرأة رافضا حلول الوسط في كتاباته الأدبية أو في تصرفاته للوصل إلى الحق وحرية الرأي والديمقراطية في الدول العربية، ومن البديهي أن أركز في كلمتي على أعماله الأدبية المتداخلة في سيرته من ناحية وبتاريخ مصر السياسي من ناحية أخرى. وبرأيها فان سيرة حياة صنع الله إبراهيم تصلح لحد ما كمثل لحياة كثير من المفكرين العرب اللذين يطلق عليه " جيل الستينات" بدؤوا بالكتابة والنشر في هذه الحقبة واهتموا منذ شبابهم بالعمل السياسي. وعلى الرغم من سنين سجنه ما بين الثانية والعشرين والسابعة والعشرين من عمره والتعذيب ثم الأشغال الشاقة التي خلقت عنده صدمة نفسية، إلا أن صنع الله إبراهيم تمكن من اعتبار تلك الفترة فترة إيجابية وأسماها " جامعتي" وقال تعلمت من اللذين كانوا معي في السجن مثل الكاتب المعروف محمود أمين معنى العدالة والتقدم وحبي لبلدي. وفي السجن قرر أن يبدأ الكتابة فنشرت له أول رواية كانت بعنوان " تلك الرائحة" عام 1966 وتصف تجربته في السجن والفترة بعد خروجه منه مباشرة وحددت اتجاه نشاطه الأدبي الكامل بعد ذلك.

وتحدث حامل جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر صنع الله إبراهيم في كلمته عن بعض مراحله حياته التي سجن فيها عدة مرات ولسنين طويلة وكيف سجل على ورق السجاير الخفيف ما بين شهرين نيسان ( إبريل) عام 1962 ونفس الشهر من عام 1964 الأسئلة التي اعترضته حينئذ، وهي التي تعترض الكاتب في بداية عمله وتستمر معه طوال حياته. ودوّن على هذه الأوراق خواطر ومشروعات القصص التي كان ينوي كتابتها ومقتطفات عن قراءات مختلفة وتعليقات على بعضها.
وكما قال كان المناخ الذي نشأنا فيه أنا ومجايلي يغلى بحمى التمرد على الوجود الاستعماري والأوضاع والأفكار البالية، وغمرنا المد الاشتراكي بالثقة في إمكانية التحقيق الفوري لآمال الإنسانية في الحرية والمساواة والسعادة. وكنا نقرأ لجوركي وتشيخوف وشتينباك وكالدويل وأمادو وبريخت وسارتر وتوماس مان. وكان من الطبيعي أن ينعكس كل هذا على مدونات كثيرة، أيضا ما كتبه عام 1962 في أعقاب التأميمات غير المسبوقة التي أعلن عنها الرئيس السابق جمال عبد الناصر وأطلق عليها اسم القرارات الاشتراكية.
ولم ينف أنه أصيب بالقلق للعبارة التي ظهرت في الستينات " الفن ضد السياسة اليومية" ولم يلبث أن أوضحتها قائلا" الأمر يتوقف على الفنان نفسه انفعل أو لم ينفعل. ففي الحالة الأولى سينتج بشكل ممتاز وفي الثانية لن يحدث هذا ولو تشقلب أو اختفى خلف يافطة " فن المعركة" وسيكون كاذبا" ، الأساس هو الموقف الصادق لا المفروض أو المدفوع باعتبارات معينة.

وتحدث صنع الله إبراهيم عن مرحلة ما بعد سقوط الاشتراكية والاتحاد السوفياتي بالقول : هتف ممثلو الرأسمالية العالمية في بلدة دافوس السويسرية حيث تعقد القمم الاقتصادية الدولية " يا عمال العالم اتحدوا لخدمتنا الآن" وتلقفت هذا النداء صحف عربية تمولها الحكومات العربية والأجهزة الاستخبارية ، وانبرت الأقلام تسخر من حديث " الالتزام" الذي عفا عليه الدهر، وبرز على الساحة حاملو الحقائب الجاهزة من الكتّاب المسافرين إلى مؤتمرات ومهرجانات تنظمها مراكز بحوث غامضة أو حكومية ليتحدثوا عن عبارات فضفاضة تلقى القبول من الكافة. وصار بعضهم وزراء أو أشابه وزراء يدافعون عما أسموه بالانفصال الضروري للسياسي عن الثقافي. ووزعت الجوائز ذات اليمين وذات اليسار حتى تساءل أحمد عبد المعطي حجازي بعد حصوله على جائزة الدولة لعام 1998 : هل تغيرت البلاد أم أنا الذي تغيرت ؟ وهل خنت نفسي أو تركت مكاني لآخذ مكان العقاد، وهل شخت وصرت لينا مرنا،هل تواءمت مع الممكن وذهبت أقابلهم في منتصف الطريق؟

واختتم كلمته بالتذكير بقول الكاتبة الهندية أروندهاتي روي في المنبر الاجتماعي العالمي في بومباي بوصف انعكاسات الوضع الحالي : أصبح على البلدان الفقيرة ذات الأهمية السياسية والجغرافية أو التي لديها سوق من أي حجم وبينة أساسية يمكن خصخصتها أو ثروات طبيعية ذات قيمة من البترول والذهب والماس والكوبالت والفحم، أصبح عليها أن تستجيب للأوامر أو تصبح أهدافا عسكرية.