حتى بعد ان أصبح حاكماً لولاية كاليفورنيا، لا تزال الشائعات والأقاويل تلاحق النجم العالمي "آرنولد شوارزينيغر"، حول مسائل التحرّش الجنسي والخشونة في التعامل مع الآخرين. ويمكن تتبّع الموضوع الى سنوات قلائل سابقة، عندما كتب الناقد الامريكي (جون كونوللي) مقالاً بعنوان "آرنولد البربري" عن النجم الشهير (آرنولد شوارزنيغر)، في عدد مارس 2001 من مجلة (بريميير Premiere) السينمائية الشهيرة. وفي عنوان المقال، خلْط متعمَّد مع عنوان أحد أفلام آرنولد الشهيرة "كونان البربري". وقد خصّص الكاتب مقاله في معظمه، لتعداد مثالب وسلبيات آرنولد الشخصية: الغرور، الاستعلاء، الخشونة في التعامل، وخصوصاً مع النساء وكذلك (التحرُّش الجنسي) بهنَّ. وإذا كانت أفلام آرنولد – يحقّ لنا أنْ نقول؛ أفلام آرنولد، مثلما يحق لنا القول؛ أفلام عادل إمام – لا تثير اية مشاكل نقدية، او بالأحرى لا تستدعي أي انتباه نقْدي في الغالب، فانّها تظل من أنجح الأفلام تجارياً وجماهيرياً و (هروبياً). ومع هذا، فانّ أفلام آرنولد مع المخرج الكبير (جيمس كامرون) شكلت نقلة نوعية – في أفلام الأكشن – على كافة المستويات. وآرنولد؛ ثري جداً، مشهور جداً، متزوج من امرأة من عائلة كندي الرئاسية، ويساهم في نشاطات ذات طابع اجتماعي وإنساني في داخل أمريكا وخارجها ايضاً، بالإضافة الى انّه ذو صلات مع معظم الرؤساء والسياسيين الكبار في أمريكا. باختصار، انّه أسطورة في النجاح وتحقيق الحلم الأمريكي … ولو انّه من النمسا. وأمام شخصية من هذا النوع، فانّ ما يبقى للكاتب او الناقد، لا يتعدى تفاصيل بسيطة ومعلومات – او شائعات – تتعلّق بالحياة الشخصية لنجوم أفلام الحركة الكبار من امثال آرنولد وستالوني. إذن، من البداية الموضوع شائك ومثير للجدل.
وقد قرأت في السنوات الاخيرة، العديد من المقالات واللقاءات مع آرنولد، وخصوصاً في المجلات السينمائية الإنكليزية: Total Film، Empire، Impact … وهي لا تخرج عن كونها – جميعاً –، جزءً من ماكنة الدعاية والتسويق (الآرنولدية) العالمية. وفي الغالب، تطغي صورة آرنولد السينمائية (البطولية) في هذه المقالات – على شخصيته الحقيقية، او تتكامل معها: البطل (الجبار) الذي لا يجيد الكلام (One liner)، الزوج والأب الملتزم عائلياً. والحقيقة، انّ آرنولد يتحدث كثيراً، عن بداياته الصعبة في أمريكا، بعد أن أدرك انّ رياضة بناء الأجسام ، لا مستقبل لها تقريباً… إلا السينما. مثلما حصل مع النجم الراحل (ستيف ريفز)، بطل أفلام المغامرات التاريخية (هرقل وماشيست). وقد كرّس آرنولد نفسه للنجاح في السينما بناءً على مميزاته الخاصة جداً … وهو يُدرك انّه ليس داستن هوفمان، او دي نيرو، او ريدفورد. ومع هذا، وبناءً على مميزاته الخاصة جداً، فانه ينجح في إضحاكنا أحيانا في أفلام مثل "التوأم"، "شرطي الحضانة"، “Jingle all the way”؛ إذ يتحول الى رجل ضخم طيب القلب او أبله، بلكنة ألمانية مضحكة. ويهتم آرنولد كثيراً، بصورته السينمائية وينتبه لها، مثل انتباهه لصورته الواقعية: كأب وزوج مخلص لإحدى نساء عائلة كندي. وعن فلمه "نهاية الأيام"، يصرّح: انها المرة الأولى لدور له بهذه المواصفات: شرطي مدمن على الكحول والمخدرات، ذو ميول انتحارية شديدة، شبه ملحد … ثم يتحول الى مُخَلِّص للعالم من المؤامرة (الشيطانية) الألفية. وبعد كل هذا، لنا ان نتصور مقدار الإثارة التي سببتها مقالة كونوللي، التي تهاجم آرنولد في صلب حياته الشخصية وصورته الاعلامية؛ حيث تتهمه بالعجرفة والغرور و (التحرُّش الجنسي) وعدم احترام النساء. وربما لن يتصوّر القراء، ردود الفعل العنيفة التي أثارها المقال؛ المُفارق والمختلف عن كل ما عرفه الناس عن بطلهم الأسطوري: الذي يجب ان يكون على الشاشة وخارجها؛ (كاملاً) او مثالياً. ولكم ان تتخيلوا كمية الرسائل – الى المجلة – والتي تعلن غضبها واستنكارها لما ورد في المقال. لكنْ، هل لكم ان تتخيلوا بعضاً من كُتابها؟ … "ليندا هاملتون"، "جيمس كامرون"، "شارون ستون"، "جامي لي كورتس"، وآخرين أقل شهرة بقليل؛ من امثال الممثلتين "ريتا ويلسون" و "كيللي بريستون" … بالإضافة الى أستاذ كبير في الجراحات القلبية من جامعة جنوب كاليفورنيا. كل هذه الرسائل البارزة في عدد شهر مايو 2001 من مجلة بريميير، والباقي ستأتي لاحقاً في الأشهر التالية. والممثلات اللواتي كتبن الرسائل، معنيات مباشرةً بهذه التهم: التحرُّش الجنسي وعدم الاحترام، وخصوصاً الممثلتين لندا هاملتون (بطلة افلام الترمينيتور) وكذلك جامي لي كورتس (بطلة فلم أكاذيب حقيقية). اما المخرج جيمس كامرون، فهو الأقسى على المجلة – في رسالته -، إذ يبدو كالمطعون …، فهو زوج الممثلة ليندا هاملتون لسنوات طوال، ومخرج افلام "الترمينيتور وأكاذيب حقيقية". وبعبارة أخرى، هو المسؤول شبه المباشر عن شهرة آرنولد ونجاحه. أما رسالة الجرّاح، فإنها تتعلّق بصحة آرنولد وعملية القلب المفتوح التي أجراها في عام 97. إذ يقول الطبيب: "لقد تم استبدال أحد الصمامات القلبية التالفة للنجم، بصمّامين بشريين، وليس بأربعة صمامات مأخوذة من الخنازير … وان صحة بطلنا عال العال". الحمـد لله. وتُلحُّ جميع الرسائل – عدا رسالة الطبيب بالطبع – على ان آرنولد؛ رجل عائلة مخلص لزوجته وأطفاله، ممثل محترم ومحترف الى ابعد الحدود. لا بل تذهب جامي لي كورتس – في رسالتها – الى ان المقال مكتوب بدوافع سياسية (خفية)، تريد النيل من صورة آرنولد الذي يمثل رمزاً icon (للقوة) في الحلم الأمريكي.
ويبدو ان الإخلاص الزوجي لا يزال أمرا مهماً في هوليود، او بالأحرى، ان صورة الإخلاص الزوجي لا تزال مهمة … فالخوف من الفضيحة اكبر من الخوف من الخطيئة او الخطأ. وهذا هو الدرس الذي تعلمناه، من قضية الرئيس كلينتون مع الفاتنة مونيكا لوينسكي. وإنْ كان جميع المعنيين – او المعنيات – بموضوع آرنولد هذا، يؤكدون كذب وزيف واختلاق ما جاء في المقال … فماذا يقول الكاتب جون كونوللي؟ … يبدو دفاع كونوللي سخيفاً، لكنّه منطقي. إذ يقول: "خلال أبحاثي من اجل كتابة الموضوع، رُفضتْ طلباتي العديدة والمتكررة للقاء جيمس كامرون وليندا هاملتون وجامي لي كورتس والجراح الدكتور ستارنس … بالإضافة الى انّ آرنولد – نفسه – رفض طلباتي المباشرة وعبر وسطاء، لأجراء لقاء معه حول القصة/المقال "آرنولد البربري". ولذلك فاني مضطر للوقوف او الاصطفاف الى جانب قصتي". فعندما لا تُعطى لك الفرصة، للتأكد مما تقول، فانّك تقول ما تشاء!. وهكذا تضيع الحقيقة في النهاية. ولكنّ، هل الحقيقة مهمة الى هذا الحد؟ أليس من الأفضل، أحياناً، تجاهل بعض الحقائق الشخصية او الخاصة. فمجلة إعلامية/نقدية جادة من طراز (بريميير)، اشتهرت دائماً، بابتعادها عن المواضيع الشخصية والمثيرة، وتركيزها المستمر على التقييم الموضوعي والفني في عالم السينما … كيف يحدث ان تلجأ الى أساليب مجلات التابلويد والإثارة؟
وربما كان السبب؛ أزمة المبيعات، وتبدّل الإدارة. إذ شهدت المجلة تغيّرات شتى – وإنْ على استحياء – منذ ان تولى رئاسة تحريرها: مايكل سولومون في عام 2001 ، والذي عمل على كسر بعض من الطابع الجدي والنقدي للمجلة لصالح المزيد من القصص والمواضيع السطحية المصورة، التي تهم القطاعات الأوسع من القراء، إضافةً الى تخفيض بدلات الاشتراك السنوي. ولا شك، ان تغييرات ومواضيع من هذا النوع، بما يصاحبها من إثارة وردود افعال، ستُزيد من شعبية المجلة ومن مبيعاتها. والحقيقة، انّ رسائل وردود من قبل أسماء بهذا الحجم والأهمية في عالم السينما، تعتبر سابقة – او سبق صحفي – للإدارة الجديدة للمجلة، التي استطاعت ان تجرّ هؤلاء الفنّانين وغيرهم للانتباه الى ما تكتبه المجلة، بل الرد المباشر والعنيف على صفحات المجلة نفسها. وفي الختام، نقول، ليست المجلة وحدها المستفيدة، بل السيد آرنولد نفسه أيضا، الذي يعاني من انطفاء كبير في نجوميته – في أفلامه الأخيرة خصوصاً – بسبب ابتعاد كامرون عنه، وبسبب تفاهة وسطحية مواضيع أفلامه الأخيرة. والمقال المشار إليه، وان يبدو مُسيئاً، فانه يضع آرنولد في دائرة الضوء مجدداً – ولغايات أخرى ليست سينمائية هذه المرة. إذ يبدو، ان أبطال زمن الخواء من أمثال آرنولد – وغيره – بحاجة شديدة الى عمليات شد وجه إعلامية وفنية حقيقية، بمواجهة (أبطال) هذا الوقت من أمثال: براد بت، كيفن سبيسي، جوليا روبرتس، رينيه زيلويغر وغيرهم ممن يعرضون صورة جديدة للبطولة … أكثر هشاشة، اكثر (إنسانية)، وأكثر صدقاً!