لماذا لاهاي وليس بغداد؟
محمد موسى من لاهاي: من ضمن ما يسعى اليه مهرجان الفيلم العراقي بهولندا هذا العام هو رصد النتاج السنيمائي العراقي للفترة التي أعقبت سقوط النظام في العراق، بالحقيقة مازال المهرجان مربكا قليلا للكثيرين، فبالرغم من كم الأفلام التي أنتجت عن العراق بالسنين الأخيرة الا ان نسبة الأفلام التي صنعت على أيدي مخرجيين عراقيين هي نسبة غير مسجلة او غير واضحه، فعلى أي أساس تم أختيار أفلام مهرجان هذه السنة ؟ هل الشرط هو أن تكون لمخرجيين عراقيين؟ فلماذا تم عرض بعض الأفلام لمخرجيين عرب وأجانب تخص مواضيع أخرى غير العراق! واذا كان الهدف هو العراق في السينما فلماذا تم أهمال الكثير من النتاج الغربي المهم الذي كان العراق قلبه؟
ولماذا يتم تنظيم هذا المهرجان في هولندا وليس العراق خاصة مع أنتفاء الظروف التي أعاقت تنظيم هكذا نشاطات في سنين سابقة ؟ لماذا لا يكون نشاط كهذا في قلب بغداد حيث سيتوفر له الأهتمام الطبيعي الذي يستحقه وحيث سيساهم في خلق حلة حوار سينمائي وأجتماعي ما أحوج العراقيين اليه ألآن. ولااظن ان هناك فعالية ثقافية في العراق تعرضت لاي حادث حال دون استرمارها، بل تحظى هكذا فعاليات بدعم وزارة الثقافة العراقة معنويا وماليا!
ولماذا جمهور المهرجانات السنيمائي العربية في أوربا هو نفسه الا وهو النخب المثقفة العربية وعوائلهم مع ندرة الاهتمام الغربي ( لم أشاهد شخصا هولنديا واحدا في الصالة في اليوم الثاني (مدة المهرجان عطلة نهاية الاسبوع فقط!).
المهم من هذا كله.. ما هي رسالة المهرجان نفسه ؟ مع تعدد وسائل الأعلام والفضائيات ما الذي يريده مهرجان كمهرجان الفيلم العراقي أن يصل اليه ؟ لا أتوقع ان المنظميين بهذه البساطة بحيث يتوقعون أن يلفتوا الآخر الغربي الى المهرجان خاصة مع تخلف وسائل الدعاية للمهرجان ( لا توجد دعاية كافية والمعلومات المطبوعة صممت بطريقة بدائية)، ولماذا يتم تبذير هذه الاموال على مهرجان قد لايصل الى عشرات من الناس! بالتأكيد ان الاهتمام بالفيلم التسجيلي العراقي هو هدف جيد جدا لكن يجب التعامل بواقعية وعلمية مع تنظيم المهرجان وعدم ترك الأمور الى ناس ليست لها علاقة بالسينما لتدير مهرجانا سينمائيا نرجو ان يكون مكانه القادم في بغداد وباشراف سينمائيين!
الأفلام التي عرضت في المهرجان (لم يتم فحصها فنيا) أفلام أنتجت بعد سقوط النظام ( أغلب الأفلام) وهي صورت بنظام الديجتال الغالب الآن بتصوير الافلام الوثائقية لسهولته وامكاناته بالتصوير الرخيص (كاميرات ليست بروفيشينال).
ما يميز الأفلام بشكل عام هو بدائيتها بتصوير اللقطة السنمائية، لا يوجد أبداع بالصورة السينمائية والحميمية التي ميزت بعض الأفلام هي حميمة الموضوع، الكثيرون يجهلون ماهية الكاميرا والعلاقة الجدلية بالموضوع، رحلات المخرجيين العراقيين الى العراق لم تكن موفقة بشكل عام، هناك أرتباك عام بالتعامل مع الوضع الجديد، تعامل البعض بفوقية وتعالي مع عراقيي الداخل والكثير من مشاهد أفلاهم هي عادية جدا ولا تتميز عن كثير من الأفلام التي يتنجها المغتربون العراقيون العاديون بزياراتهم الى العراق.
هذه أنطباعات عن بعض الأفلام المشاركة في مهرجان الأفلام العراقية في هولندا.
فلم العودة الى الوطن لوليد المقدادي
يبدأ فلم المقدادي بمقابلات في غرف جلوس عراقيين في السويد وحديثهم الى الكاميرا عن العراق الذي أصبح الآن مكانا يمكن زيارته للذي
| المخرج وليد المقدادي |
في حديث المخرج الى أيلاف يفسر أنتقال الفيلم من هذه الثيمة الى تصوير سفرة المخرج الى العراق بسبب وفاة والده المفاجى ورغبته في حضور الجنازة ومن ثم سفره الى العراق بعد أكثر من 20 سنة، هذه الأنتقالة المفآجاة( لنا أيضا) تربك المشاهد وتضعف بنيان الفيلم بشكل كبير، لايمكن الربط بسهولة بين العودة العاطفية لشخص الى بلده وبين أضطراب المهاجريين العراقيين من فئه عمرية وسياسية معينة مع التغيير في العراق.
في الجزء الأول من الفيلم( وهو الجزء الذي خصصه المخرج للعراقيين الذين يعيشون في السويد لسنيين طويلة بسبب الأحداث السياسية في العراق للعقود الثلاثة الفائتة) يتحدث الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي والمرأة المثقفة عن العراق، سنوات حياتهم بالسويد وعن البلد الذين يتذكرون والبلد الذي يرتجون.
للأسف فلم المقدادي فشل في الغوص بعالم العراقيين هؤلاء وهو عالم شديد الخصوصية وينتظر المزيد من البحث والأعمال.
لم يسلط المخرج الضوء الكافي على القطيعة الحادة التي عاناها هؤلاء، قطيعة مع ذاكرة تكاد تتهاوى ومع واقع حياتي معاش لم يكن سهلا على الاطلاق، لم يصل الكثير من عذاب ووحدة جيل عراقي مثقف أضطرتة الظروف السياسية أن يترك بلده ويعيش في بلد آخر غريب عنه وعن ثقافتة.
الفيلم في جزئه الثاني في العراق غرق في التخبط، فبالاضافة الى قطيعته مع الجزء الأول كان الجزء الثاني بالغالب فاقد للبوصلة، فمن العام حيث ينقلنا المخرج الى ضحايا الأنفجارات بالعراق الى الخاص ولقاء المخرج بأهله وعودته الى الأمكنة الأولى في حياته يفقد المشاهد الرغبة الحقيقة بالمشاهدة ويتركه بالنهاية يتساءل عن جدوى صناعة هكذا فلم!! ولماذا لم ينتظر المخرج بعض الوقت لينجز فليمين مستقلين.
الليلة الأبدية لرانية محمد توفيق
تم عرض فلم الليلة الأبدية في اليوم الثاني للمهرجان وبين أفلام تتحدث عن العراق بعد صدام وعن اللاجئيين العراقيين في العالم، هذا الموضوع أضاف عبئا آخر على الفيلم (الضعيف أصلا) مما يجعلك تتسائل عن أدارة المهرجان وعن الوعي الحسي والسينمائي الذي تملكه، الفيلم والذي مدته 8 دقائق يحكي تجربة أعمى وحبيبتة مع الضوء والنور غارق في تجريبية بدائية ولا يستدعي شهيتك بالمشاهده على الأطلاق.
فيلم كابوس لقيس الزبيدي
ف
| المخرج قيس الزبيدي |
فلم المقابر الجماعية!
فلم ماجد جابر (ماذا أحكي بعد) من الأفلام الجيدة والمهمة جدا في هذه التظاهرة السينمائية ليس بسبب الموضوع فقط بل أيضا لأنه نجح بالاقتراب من موضوع هائل الحزن كالمقابر الجماعية من دون الانزالق تماما الى العاطفية والايدولجيا الزائدة!
الفيلم عن مقبرة المحاويل الجماعية والتي أكتشفت بالعراق بعد أنهيار حكم صدام، المقبرة ضمت جثث الآف من العراقيين الذين شاركوا او شاركه أهلهم في الأنتفاضه ضد حكم صدام بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، مدة الفيلم هي 15 دقيقة وفيها يتحدث أقارب الضحايا من النساء بتلقائية، حزن وعفوية قد تكون فريدة، المخرج الذي( أفترضُ انا) انه ذهب الى هناك اي الى موقع المقابر بكاميرا واحدة كان عليه أن يتابع حدثا زائلا وأن يمنحة حياة ما، ماان تذهب النساء المثكولات الى بيوتهن لا يمكن أن تصنع فلم بمواصفات فلم ماجد جابر بل سيكون فلم آخر قد لا يقل جودة لكنه سيكون فلما آخر. نجح المخرج لأنه قبض على الحدث ومن ثم ترك لأبطال المشهد حرية الحديث،
اذن الفيلم وثيقة لهلكوست عراقية سيعود لها الناس كثيرا عندما يلتفتون الى أنفسهم، كنت أود لو أن المخرج قلل قليلا من التقطيع السريع للقطة ومنح النساء فرصة أكبر للحديث، كما بدا مشهد المظاهرة في نهاية الفيلم أقل تلقائية من مشاهد الفيلم الأخرى.
أفضل أفلام المهرجان
فلم هادي الماهود (العراق موطني) ينجح وبشكل كبير في التخلص من أخطاء وعثرات أفلام المخرجيين العراقيين التي صورت عودتهم الى مدنهم في العراق بعد سقوط النظام هناك. هناك مشكلة الايديولجيا مع أفلام المخرجين الآخريين، وجهات النظر السياسية للمخرجين كانت واضحة. لا مشكلة بالتأكيد من حمل وجهة نظر خاصة عما جرى ويجري في العراق المجازفة ان تتهاوي في دعاية مكررة ينبغي للجميع التخلص منها. عراقيو السماوة في فلم ماهود هم متنوعون وراينا الكثير منهم والمخرج كان بينهم ولم يحب أن يلغي أحدا!
فلم العراق موطني هو رحلة أخرى لمخرج عراقي مغترب (هذه المرة من أستراليا ) الى مدينتة السماوة.
في 52 دقيقة وهي مدة الفيلم يحاول المخرج توثيق فترة مهمة جدا في حياة مدينة عراقية الا وهي الفترة التي أعقبت سقوط النظام ومحاولة قوات التحالف والعراقيين من أدارة شؤون المدينة وبناء مؤسسات المجتمع المدني هناك، لحسن الحظ السماوة من أكثر مدن العراق آمانا لأعتبارات عديدة مما وفر للمخرج حرية الحركة والوصول الى اماكن لم يصل اليها الأعلام التقليدي بشكل كافي، علينا ان لا ننسى ان العراق كان أكثر الدول أنغلاقا ل 30 سنة، لا تستطيع أن تنجز فلما في العراق كما تستطيع في أماكن أخرى، لم تنشأ علاقة طبيعة لللعراق العادي مع الكاميرا ومازالت أجهزة الاعلام والتلفزيون تثير خوف وشكوك الكثيرين!
ساعدت علاقات المخرج الأجتماعية على تخطي حواجز كثيرة والوصول الى كثيريين، مشكلة الفيلم الوحيدة هي رغبته بالأحاطة بالكثير من المواضيع في وقت قليل جدا وهذا شتت الجهد قليلا، كان يمكن أن يكتسب الفيلم قوة وبعدا آخريين اذا ركز فقط على الغليان الأجتماعي لمدينة هادئة كالسماوة ورغبة الناس هناك الحادة بالتغيير. سلط المخرج ضوءا على لقاءات النخب المثقفة في السماوة وأفكارها الواعية جدا كما شاهدنا صعود التيار المتشدد لمقتدي الصدر بحدة غير مسبوقة!
قوة الفيلم تكمن في كشفه عن الصراعات تلك والتي أهملت في أفلام أو تغطيات اعلامية عديدة. اذن السماوة ليس هادئة جدا كما تصورنا! لا شيء هادىء بالعراق الآن، كل شيء يغلي، هادي الماهود نجح في التقاط بعض هذا الغليان، أحد ألعرب الذي كان في صالة السينما أندهش من وعي تجمعات المثقفيين في السماوة كما صورها وبشكل سريع (للأسف) المخرج.
هناك صورة للعراقي لم يتردد المخرج في أظهارها، العراقي الضحية أو الملثم هي ليست الصورة الوحيدة، ناس السماوة مازلت تطلق النكات وتسمع بعض الموسيقى او تغينها. هناك مشاهد صورت بعذوبة وبتلقائية وهناك مواقف مضحكة كالحوار الطريف بين المخرج وبين بعض الأطفال الذين سكنوا مع عائلاتهم بناية الأمن العامة السابقة وكيف يتحدث الطفل بعادية عن الوظيفة السابقة للغرفة التي تسكن فيها العائلة الا وهي غرفة التعذيب!
المفآجأة التي يطلقها المخرج في نهاية الفيلم هو قراره بترك العيش في أستراليا والبقاء بالسماوة، من آخر مشاهد الفيلم حفل زواج المخرج نفسه، سيكون مثيرا للأهتمام متابعة المخرج ورصده للجديد من حياة مدينتة السماوة.
