كلنا في إجازة من الموت!
أقفُ الآن في الشرفة أنظر إلى البعيد؛ لا أهتم بالعناصر المكونة للمنظر الذي تمسحه عيناي مسحا شاملا. وإنما أدقق أكثر بالعناصر المكونة لمادة حياتي. المشهد الذي أمامي جميل. بل إنه رائع بالنسبة إلى روح مهاجر يفتقر إلى رؤية مثل هذا الجمال المهندس من قبل البشر حتى يكاد أن يتفوق على الطبيعة نفسها. ولأنه جمال مصطنع إلى حد ما، حيث الزهور المنسقة وضعها الإنسان بيده في الطرقات الصغيرة بين البنايات، حتى لو كان مدى المنظر شاسعاً وأكثر مدعاة للتأمل، فإنه يضع حدوداً لفضاء الروح وينبئ تماما عن المكان الذي أقف فيه الآن، إنه المنفى.
لم أكن أفكر بمثل هذه الأفكار عندما قدمتُ إلى هذه البلاد قبل خمسة عشر عاماً. كان يكفيني ظل شجرة في شارع قرب معسكر اللاجئين؛ أو ضياء القناديل الجميلة المنتشرة في شوارع المعسكر عند المساء. كنت أشعر بالفرح حين يهطل الثلج مبكرا أيام الشتاء الأولى. أما الآن فأنا أكره الثلج؛ وأسخر من الأفلام التي تزيف أيام أعياد الميلاد في الكون وتربطها بسقوط الثلوج في دلالة على اكتمال فرحة العيد. كل هذا كذب. الإنسان يحب أن يكذب على الدوام؛ بل إن أفضل وسيلة تساعده على المضي في هذه الحياة هو الكذب. لا توجد حياة بدون كذب، وكل مَنْ يقول لك عكس ذلك قلْ له: أنتَ كّذاب. ذلكم بالضبط نوع من أنواع "خداع النفس" من أجل العيش كيفما أتفق. يمارسه الإنسان مع نفسه، أو مع الآخرين، لا فرق، كي يصبح معنى العيش مقبولا. أقول ذلك من كثرة ما امتلكت من حكمة في الحياة؛ بالأحرى من كثرة ما تعرضتُ فيه للكذب والغش والخداع في الحياة. ومع ذلك يبدو الكذب جميلاً، والحياة ذاتها تبدو جميلة كذلك. فماذا بوسع امرأة فقيرة ضائعة مجبرة على ممارسة البغاء، لأنه المهنة الوحيدة المتوفرة لها، غير أن تقول لرجل أحبته بصدق: " أقسم بكل المقدسات أنني مخلصة لكَ"؟ على هذا المنوال يحدث "معروف البصري" نفسه أكثر مما يتحدث مع أي إنسان آخر عندما يباشر مونولوجه الداخلي الخاص.
ويستمر مستطرداً:
(السويد) إنه بلد عظيم؛ حيث الدعارة ممنوعة بالقانون. الدولة تمنع الدعارة لأنها دولة حرة شريفة. هذا قانون عظيم من دون أدنى شك؛ لكن ألا يبدو الأمر غريباً بعض الشيء؟ الجنس يبقى سلعة متداولة بين الناس منذ بدأ الخليقة إلى يوم الدين. حتى الزواج نوع من أنواع الصفقات الاجتماعية ـ الاقتصادية المغفّلة. كل ما يقع على عاتق الإنسان هو أن يجعل هذا النوع من الصفقات العادية والمتداولة بكثرة بين الناس، رحيما وعادلاً للطرفين. نادرا ما يتحقق ذلك على طريقة "البغاء المقدس" إن كان في معابد الكهنة ما قبل التاريخ، أو في مواخير العصر الحديث، الأمر سيان.
أنا إنسان مختلف الآن؛ لابد للإنسان المنفي أن يكون مختلفاً عن بقية الناس الاعتياديين ولو قليلاً. فكيف إذا كان مريضا نفسياً ويقع فريسة سهلة لكآبة مزمنة وقلق يومي جراء التفكير بأكثر الأشياء بساطة؟ حتى غسل صحن أو كأس صار يستغرق مني وقتا طويلا من التفكير. كنتُ إلى وقتٍ قريبٍ مضى أخجل خجلا مريعاً لمجرد التفكير سريا بهذا الأمر: "مريض نفسي". اعتبرتُ على الدوام هذا الموضوع سرا شخصيا من الأسرار الدفينة. أما الآن فأنا أذهب إلى عيادة الطبيب النفسي في وضح النهار. لكن لن يجدي هذا العمل الأحمق، أقصد التظاهر بالعافية النفسية أمام ناس غرباء لا يعرفونك يمشون في الشوارع. أو أولئك الذين ألتقي بهم لا على التعيين في غرفة الانتظار عند زيارتي لطبيبي النفسي. لمَ الخجل منهم؟ أليسوا هم مثلي يعانون من مرض نفسي كذلك؟ لمْ يوفر لي هذا التخفي على مرضي والتستر عليه سوى المزيد من حالات الانطواء الذاتي والابتعاد أكثر فأكثر عن الوسط البشري المحيط بي رغم نطاقه المحدود.
وبالتالي، وكنتيجة منطقية، يزداد حجم المساحة السوداء التي باتت تنشر بقعها على أماكن كثيرة من روحي كلما اختفى أحد منها. إذ في المحصلة لم أعد سوى شخص وحيد يكاد يشعر بالغربة والوحشة والخوف من أبسط وأتفه الأشياء. ربما لهذه الأسباب يصبح المرء عدوانياً، وربما قوياً بعض الأحيان، رغم مادة روحه الضعيفة وطيبة نفسه الساذجة، إضافة إلى خوفه العميق من المجهول لكونه إنساناً غريباً. لا أدري كم يشبه هذا الوضع وضع كلب البيت المدجن حين يستطيع نهره أصغر طفل في البيت. يستطيع الكلب افتراسه بلحظة ولكنه لا يفعل لغريزة أصيلة فيه، الحماية والدفاع والوفاء للمكان الذي يأويه. مرة أجد أنني أشبه الكلب ومرة أخرى أشبه الطفل. احترتُ بين اختلاط المشاعر هذا كإنسان يعيش حالة تغيير دائمة في أطوار التكوين النفسي والعقلي. ليست أطوار التكوين الجسدي، فهذه تتكامل لوحدها. لكني ربما أعني أطوار التكوين الذهني، بالأحرى الفلسفي الذي يمر به الإنسان. لكم حاولت بلوغ مرتبة "النضج" التي يحوز عليها الناس في بلادي القديمة عندما يكبرون. خذ أبي على سبيل المثال. لقد نضج في وقت قياسي، حتى صرنا نقدسه داخل البيت كبوذا. وهو لم يتعلم أشياء كثيرة في الحياة، ليس أكثر مما كان يحتاجه أصلا. لكن الشخص الذي يعيش منفياً دون أهداف محددة لا يبلغ مثقال ذرةٍ من مرتبة وحكمة أحد تلاميذ البوذا. وعلى الرغم من المعارف الجديدة التي قد يحصل عليها الإنسان من تجارب المنفى المؤلمة ومطبّات دروبه الوعرة، يظل يجسد حالة من الاختلال العاطفي الدائم. حكمته الوحيدة في هذه الحياة غير المتوازنة هي: "الاختلال المنظم" إذا وفقتُ بابتكار هذا المفهوم العجيب. ينضج الناس بصورة طبيعية كما الفاكهة التي تنضج بأرضها وتحت شمسها، إلا الإنسان المنفي، فهو يبقى مراً لاذع الطعم كحنظل البراري.
أجلس الآن في شرفة بيتي التي تطل على غابات صنوبر خضراء مترامية الأطراف تلتصق بالسماء الرائعة عند الأفق. مثل امرئ يطل على جميع ذكرياته وخرائب روحه دفعة واحدة. ولأنني كدت يوم البارحة فقط أن أهمَّ بقتل نفسي بعد انفجار روحي وتطاير شظايا أعصابي المنهارة لأسباب هي أقل من تافهة، فقط لأنني وجهت لنفسي سؤالا بسيطا ليس إلا: "لماذا أعيش؟". فأنني أرغب دوما بتحديد موقعي جيدا في هذه الحياة. ليس صحيحا أن تكره جميع الناس هكذا بدون مبررات معقولة. وليس من المعقول أن تشعر أن الناس يكرهونك بدون أسباب وجيهة. لا أعتقد البتة أنني أعيش وضعاً طبيعياً مثل باقي البشر.
***
ترك معروف أهله وغادر العراق على نحو مفاجئ؛ دون تخطيط حتى. كيف يتسنى لشاب ما يكاد يبلغ العشرين أن يستطيع التخطيط الجيد لبقية عمره القادم؟ هكذا بدا الأمر منذ البداية: أفكار عشوائية وعدم تنظيم. "أقنعتهم بأنني سوف أدرس في الخارج". رغم أن أبي لم يكن مقتنعا البتة. أدركَ أبي جيدا أنني بصدد الهرب من شيء لا يعرفه هو بالضبط. كان مترددا بين أمرين: علاقة غرامية فاشلة أو هراء سياسي. لم يكن ليحترم أيا من هذين السببين. لذا تحول تهكمه من قراري إلى مرارة نبتت في بلعومه عندما وجد جبروته يصطدم بعنادي. حتى كاد أن يبكي من شدة الحزن. أنا أكبر أولاده، ويكنى باسمي، "أبو معروف" هكذا على طول، حتى لم يعد يتذكر اسمه الحقيقي أحد. ومع أنه لم يمنحني العاطفة التي يحتاجها الابن من أبيه طوال الوقت، إلا أنه دون شك كان ينتظر عطاء البذرة التي غرسها في بطن أمي قبل عشرين عاما. وعندما شق جذعها فضاء البيت وصار أطول من جذعه هو نفسه، يجلس الآن بهدوء ليراه ينقلع من تلقاء نفسه، هكذا بمنتهى السهولة، مثل ورقة يابسة يدحرجها الهواء. كان ذلك مدعاة للحزن. وقد مات دون يراني مرة أخرى منذ ذلك الوداع الذي حدث قبل ربع قرن. وبدل أن أدرس وأكمل تعليمي في الخارج كما وعدت أهلي، وجدتني أحمل السلاح كي أقاتل بشرا مثلي كنت أعتبرهم "أعداء الإنسانية والحرية والتقدم" عندما التحقتُ، كما تعلم، برجال المقاومة، أولئك الثوار الأحرار "البيشمركَة" في كردستان العراق. حدث ذلك بعد أقل من نصف سنة على مغادرتي وطني نهاية السبعينات من القرن الماضي.
لم أعد أتذكر ذلك جيدا؛ الشيء الذي أتذكره بقوة وحيوية هو "إيفانكا" البلغارية. نسيت المعارك والرفاق القتلى وجثثهم المتناثرة في العراء. أو هكذا أعتقد على الأقل، لمجرد أنني أريد النسيان كنوع من أنواع الغش والخداع كي أستمر في الحياة كما أخبرني الطبيب النفسي. وطمحت إلى نسيان حتى الأعداء. ربما يعود هذا الأمر كذلك إلى كون النساء الرائعات يمكثن في الذاكرة أكثر من بقية الأشياء الأخرى. كل الأحداث التي لا تختلط بها النساء بشكل من الأشكال هي أمور تافهة ولا تستحق الكلام عنها بصفة عامة، وفي حروب الثوار في الجبال يندر وجودهن. كان فجرا بارداً ليوم من أيام شباط/فبراير؛ وهي المرة الأولى في حياتي التي سأركب فيها الطائرة. ودعتني أختاي بالمطار في حفلة سرية من الأحزان والدموع، وبعدها نسيت كل شيء. خلعت خاتم الخطوبة بعد أسبوعين في العاصمة البلغارية صوفيا. وتركت خطيبتي تكتب لي الرسائل الطويلة من دون جدوى. كنت أكتب بعض الأشعار التي أعتبرها فوق مستوى فهمها. لذا لا حاجة للتعب وإرسالها بالبريد. ذلك لا ينفع بشيء حسب تقديري. و حدث حقا ما كان مجرد حدس راود هواجسي. إذ بعد خمسة شهور بالتمام والكمال اقترنت الفتاة التي ارتبطت بي لأكثر من ثلاثة أعوام برجل آخر كان يمتلك متجرا للخياطة النسائية، وهو أغنى مني ومن عائلتي بكثير. أذكر جيدا أنها كانت بيضاء ولها صدر كبير مميز طالما وضعته داخل فمي وأنا أمصه بشغف طفل يرضع الحليب. لكنها لم تكن جميلة. هذا لا يهم الآن، وهي تنحدر من أسرة أرستقراطية خبا نجمها آنذاك. ولكوننا كنا طلاب جامعة فقد وقع ذلك الحب المزيف بيننا. في الواقع أن أبي لم يبارك هذه العلاقة. وكنت أعتقد انه يفعل ذلك كما هي عادته دوما مع كل الأمور التي أشرع بتأسيسها مستقلا عنه. وهاهو يحشر نفسه بعلاقاتي الغرامية السرّية الخاصة. لا أتذكر سوى أنه قال لي ذات مرة دون أن يحاول مس كرامتي: "صاحبتك ليس لها عنق". وكأنما اكتشفتُ الأمر توا، فهاهي "حُذْافَة" بدون عنق. كانت عبارة عن رأس على جذع. قبل التعرف عليها في الكلية كنت أعيش على أنقاض علاقة مراهقة كما آلاف الصبيان. بيد إنها كانت علاقة صبيانية أثيمة. هذه الخطيئة التي ما برحت ادفع ثمنها حتى أيامنا هذه من خلال الأحلام المزعجة التي تقرب من الكوابيس أحيانا. فأنا ما برحت أرى "ناديا" مجللة بالدموع وهي عارية، أو ممزقة الثياب، ينهال عليها أبوها بالضرب بعصي الخيزران. وهي لا تكبر ولا تنمو أبدا، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. وتظهر لي في الأحلام دوما كما هي بالضبط عندما فُضحت أسرار علاقتنا السرية وما يتبعها من ممارسات غرامية. كانت تظهر لي كما تركتها آخر مرة، ثياب سوداء، وجه أصفر عليه كدمات زرقاء ودموع منهمرة. لكن إيفانكا البلغارية بدت شيئا مختلفاً. لقد سيطرت عليّ لجهلي بلغتها. هي فتاة وديعة وحمراء. ببساطة هي طاحونة جنسية لا تكل ولا تمل. لم يكن ذلك باديا عليها حين التقيت بها للمرة الأولى في جامعة صوفيا. كنت مجرد زائر ضمن وفد حزبي يكتشف الأقسام الدراسية وأساليب الدراسة في الجامعات البلغارية. لم أكن قد قررت البدء بالدراسة. لكنها شجعتني باندفاع وقوة. كانت تعرف أحد المسؤولين في الوفد الحزبي. وقالت لي بحزم: "أنا من سيعلمك اللغة البلغارية.. اختر فقط القسم الذي تريد". وكنت من السذاجة المفرطة بحيث أني لم أكن أفكر سوى بالطرق الممكنة التي تؤدي إلى علاقة معها. .
سألتها والغبطة تملأ جنبات قلبي :
ـ "كيف"؟
قالت لي بدون مواربة:
ـ "ستنتقل للعيش معي"!
رفعتُ كفي الأيسر كي أريها خاتم الخطوبة. فلم يبد عليها إنها فهمت شيئا من إشارتي. ربما تغاضت عن فهم ذلك؛ كانت حركتي غير واضحة. بل مبهمة أصلا، كأنني مذنب يزيح عن كاهله ذنبا عن طريق الاعتراف به. بدا من السهولة علينا أن نخدع أنفسنا بأنفسنا.
إنها فكرة غريبة عليّ، أنا القادم من أرياف الشرق. وكنت ما أزال أسكن في الفندق الواقع في أكبر شوارع العاصمة صوفيا "سرادناكورا". لكنها، ومع الشعور المسبق بالإثم، بدت فكرة جميلة. إذ بالرغم من خاتم الخطوبة في بنصري الأيمن، وصورة حُذافة التي أركيتها بالقرب من رأسي على جانب السرير في الفندق، والتي صارت إيفانكا تراها كل يوم تقريبا وهي تعرف صورة من تكون هذه الفتاة القبيحة، فإنها لم تهتم بها مطلقا، بينما قررت أنا خوض التجربة. إيفانكا لصقت بي كمعّلمة متطوعة تجد بغيتها في تلميذ مؤدب لكنه كسول. حتى راودني شعور بأنها تعمل في بعثة تبشيرية، أو على الأرجح في أحد الأجهزة السرية للحزب الشيوعي البلغاري. لكن مبعث اعتقادي الخفي كونها يهودية جعلني أخشاها وأحرص على التعّلم منها. في غضون شهرين كدت أتقن اللغة البلغارية الصعبة والبغيضة بالنسبة إلي. لكن تلك الكلمات البغيضة باللغة البلغارية بدت مثل زقزقة البلابل عندما تخرج من فمها. كانت تزقني الكلمات وقواعد اللغة البلغارية زقا حتى وأنا آكل وأشرب وأمارس معها الجنس؛ كان ذلك جميلا ورائعا.
إذا كان يجدر الحديث عن أمور أكثر سموا في الحياة فليس الحديث عن إيفانكا بالأمر السيئ. تبينت أنها تعيش عند جديها. لا أعرف بالضبط من كان جدها أو جدتها. البيت يقع خارج العاصمة، في حي بعيد من أحياء العمال والبشر الثانويين في الحياة. بعد رحلة استغرقت نحو عشرين دقيقة عن مركز المدينة بالقطار المحلي رقم 5، دلفت إيفانكا شقة تقع في الطابق الأرضي، بينما بقيت أنتظر في الخارج. وبعد دقائق معدودة أذنت لي بالدخول. كل شيء كان مرتبا وفي موعده المحدد. رحب بي عجوز تجاوز الثمانين، منحني الظهر وعلى درجة من البشاشة واللطف. جلست في غرفة الاستقبال التي كانت عبارة عن مكتبة شخصية منيفة وعامرة بالكتب. أربعة جدران مغلفة برفوف كبيرة من الأرض حتى السقف مليئة بالكتب (على الأغلب كان هؤلاء يهودا لأن البلغار من هذه الطبقة الاجتماعية الفقيرة لا يلقون بالا لا للقراءة ولا للكتب). كتب عتيقة مجلدة يدويا بورقٍ أسمر، وأخرى بأغلفة جلدية غامقة ورائعة. كتب كثيرة لا تعد ولا تحصى. قدم العجوز مرحبا للمرة الثانية وجلس معي. كان يبتسم بوجهي ببلاهة كلما نظرتُ إليه، وكنتُ أفعل نفس الشيء بدوري. دخلتْ زوجته، وهي عجوز لا تصغره كثيرا لكنها أوفر حركة منه، بطبق فيه حلوى تبين بعد قليل إنها من صنع يدها، ورحنا نرتشف الشاي. في مثل هذه الحالات لا يعود للكلام من معنى. التأمل وحده كاف. ليس نحن الجالسون في هذه الغرفة، غرفة الاستقبال من يحتاجون إلى الكلام. ربما الناس في المقاهي والبارات والفنادق والشوارع من يحتاجون إلى الكلام، أما نحن فإن الصمت هو سيد الكلام. جرتني إيفانكا من يدي برفق كما لو كنتُ أعمى لتريني الغرفة التي سأعيش فيها. إنها تقع عند مدخل البيت من الجهة اليمنى مباشرة. الباب الآخر الذي يجاور باب الغرفة هو باب الحمام ودورة المياه. "إنه أمر عظيم" قلت لنفسي. كان في الغرفة سريران مما أثار دهشتي. سألت إيفانكا عن السرير الآخر فقالت: "سريرٌ لي والآخر لك.. بوسعك أن تختار أي واحد منهما. لكن، أضافت من دون لبس أنها تعودت النوم في ذلك السرير البعيد عن باب الغرفة". أي في الجهة الأخرى من الغرفة. النافذة تتوسط السريرين، بالأحرى تتوسط الغرفة بالتساوي. شعرت بحالة من الاطمئنان لأول مرة منذ مغادرتي الوطن. لم يكن السكن بالفنادق مألوفا بالنسبة لي على الإطلاق. بل تلك هي المرة الأولى في حياتي أنام فيها في الفندق كل هذه الفترة الطويلة التي استغرقت حوالي الشهر. خطوت نحو النافذة ورحت أتأمل المكان. شهر شباط/فبراير والثلج بعلو عشرين سنتيمترا والمساء بدأ يحل. دعتني إيفانكا للجلوس على أحد السريرين، اخترت سريري المفترض. قالت لي:
ـ الوقت متأخر للعودة إلى الفندق؛ ستنام الليلة هنا وغدا نأتي بأغراضك من الفندق.
ـ لكن ملابس النوم.. البيجاما..
قاطعتني:
ـ أستطيع أن أتدبر الأمر. هل أنت موافق؟
ـ موافق.
انطلقت بخفة وكأنها تؤدي رقصة صامتة لتعلن النبأ للعجوزين. جاءت العجوز بحبور ودخلت الغرفة وهي تحمل شراشف مكوية راحت ترتبها على السرير مباشرة. ثم أتى العجوز وبيده قنينة غريبة ليس فيها علامة ولا ماركة. فيها شراب بني داكن. تبينت بعد حين أنه مشروب "الراكي" المحّضر في البيوت. شربت كأسا واحدا ودخت. كان شرابا مركزا وقويا، لكنه لذيذ جدا. بعد قليل أنصرف العجوزان وتركانا لوحدنا. رحت ألتهم كؤوس الراكي بسرعة كي أشعر بالتوازن. ابتسمت إيفانكا بخبث ونهضت إلى المطبخ. أتت بصحن فيه بطاطا مسلوقة مخلوطة بشرائح البصل والزيت وصحن صغير فيه جبنة بيضاء. تناولت كأسا مترعا ودقته بكأسي فكدت أفيق مجددا. أحضرت لي بيجاما. كانت تخصها. بدوت مضحكا وأنا أرتدي ملابس الفتيات. نزعتها ولففت جسدي بالشرشف. كنت نحيفا وبشرتي كما هي الآن سمراء بلون الحنطة، أشبه بفتى من الهنود. سكرتْ إيفانكا وسكرتُ أنا. لا أتذكر الآن سوى صراخها. إنه يدوي في أذني. كانت أول مرة في حياتي أضاجع فيها فتاة تعرف أن تصرخ من اللذة. وكنت أحاول أن أسد فمها بكفي لكني لم أكن أبلغه بسهولة. كنت أنهمك بصورة أكثر جدية بسد جرحها الذي يؤلمها كل هذا الألم الذي بلغ مستوى التبريح. وكانت تقول كلمات لا أفهمها، إلا إنها بدت أشبه بالشتائم الحلوة. كلمات لذيذة من قبيل: "يلعن شرفك.. نعم.. نعم.. مزقني.. أوووووه". وكانت تنقلب وتشد إليتها الحمراء المتوردة بكلتي يديها وقد صارت كتلة من نار. هذه الفتاة الهادئة التي تعلمني اللغة البلغارية بكل تهذيب، تطلق الآن صراخا لا أفهم معاني الكلمات فيه. كل ما أدركه جيدا أنه يثير غريزتي باطراد ويؤجج طاقاتي من جديد. إنها من أروع الدروس التي تعلمتها في حياتي للمرة الأولى. يعود الفضل في هذا كله لإيفانكا.
في الشهر الثاني جلستُ وحيدا في غرفتي بالفندق وتناولت زجاجة كاملة من الفودكا الروسية "ستاليشنا". شعرت بالوحشة؛ هاجمتني أطياف أهلي. أمي المعذبة المسكينة، أخوتي الصغار، أخواتي الحزينات، ووجه أبي الذي غادره العبوس وحل محله الاشتياق، كان كمن تنازل عن كبريائه الجامد لتظهر ملامح الرقة عليه. اجتاحتني نوبة جنونية من البكاء. رحت أبكي كطفلٍ غرٍ. أيقنت أنني لست رجلا شديد المراس كما كان يخيل ألي. بل لا أقع بمقياس الرجال الحقيقيين إلا بمرتبة تلميذ لا يستوعب شيئا من مادة الحياة. وأردت الهرب من جديد، ولكن إلى أين هذه المرة؟
لم يكن معروف يتوقع أنه يستطيع أن يحب شخصاً آخر أكثر مما يحب نفسه هو بالذات. ليس لأسباب وجيهة مثل الأنانية أو الترفع على الآخرين. بيد إنها ربما تكون نوعا من أنواع النرجسية الذاتية. لكنه، ومع ذلك، وجد نفسه يحب "علياً". لم يكن الحب فقط بسبب أن "عليا" كان شاباً وسيماً وبهياً جدا. إذ من البديهي أن معروفاً كان يُعد واحداً من أجمل شباب جيله وأكثرهم لطفا ووسامة. لكن علياً كان، بالرغم من ذلك، أجمل منه. ربما لأن روحه كانت هي الأجمل. التقى به بمجرد الصدفة في العاصمة صوفيا. كان معروف سينام بغرفته في الفندق على أية حال، الغرفة التي يدفع أجرتها كل أسبوع. أو حتى في غرفة رفيق آخر عندما لا يقوى على النهوض من مكانه بسبب السكر، فينام هكذا كيفما اتفق. الأمر الغريب أنه صحا عند الظهيرة ليجد نفسه ينام على سرير لا يعرفه، وفي غرفة لا يعرفها كذلك، وهو يتطلع إلى وجهٍ باسم جميل يراه للمرة الأولى. كان ذلك الوجه هو وجه "علي يوسف". أحبه منذ هذه اللحظة وإلى الأبد. لا يتذكر مطلقا ماذا حصل في تلك الليلة التي هربت كل تفاصيلها من ذاكرته بسبب السكر الشديد. هو فقط يتذكر ما أعقب تلك الليلة الممحوة من الذاكرة.
***
ذات يوم؛ بعد سنوات طويلة وكثيرة، كان معروف يمشي بين أكوام الثلوج في أحد شوارع ستوكهولم. يمشي من دون هدف، كأي كائن غريب، منفي عن جذوره. كان كئيباً إلى حدٍ مفزع. بصق على الثلج الذي يغوص فيه حذاؤه الجلدي المبتل. تطلع حوله إلى الناس البيض الحلوين الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه. قال: "بحق الشيطان كيف أتيتُ إلى هذه البلاد؟". إنه لا يحب سوى إيفانكا البلغارية لأنها بكت بحرارة حين ودعته. كانت قد وهبته جسدها بسخاء كأول وآخر امرأة تحقق لجسده ذلك الدفء العجيب. تجاوز الأربعين بست أو سبع سنوات ولا توجد امرأة تهتم به الآن. حتى إنه أدمن على الخمر وممارسة العادة السرية والتفكير بالعودة إلى بغداد، إلى العراق، "ذلك الفردوس المفقود". أية بغداد وأي عراق؟.. هذا مجرد حلم.. وهم، مجرد وهم كبير. يحتاج فقط إلى الخروج من هذه القوقعة الصغيرة الموحشة، المظلمة، الباردة، التي وضع نفسه بداخلها طواعية. تلك القوقعة اللامعة والمغرية (المنفى).
قال لي وقد امتلأ وقتنا بالضجر:
ـ "لنذهب إلى "ريجا عاصمة لاتفيا"؛ إنها قريبة والسفر في البحر ليس خطرا". بعد أشهر ستدخل هذه الدول الصغيرة في الاتحاد الأوربي. كل دول البلطيق تلك ستصبح أوروبية عن قريب وسيرتفع سعر العاهرات فيها. لنلحق حالنا، العاهرات رخيصات الآن. بل تستطيع الظفر بفتيات صغيرات إذا بذلت بعض الجهود وزيادة قليلة من النقود. وهكذا، نحن الاثنين، كنا آخر الداخلين إلى الباخرة هرولة، أنا ومعروف. ركضنا كعدائي ماراثون من الدرجة الأخيرة كي نلحق بالباخرة. نظر إلينا المضيفون بازدراء وحقد لأننا أخرنا الباخرة عن الإقلاع أكثر من ربع ساعة. كان يضحك لاهثا كجرو وهو يحاول التوضيح للمضيفة الجميلة المشغولة بإصدار آخر التعليمات لغلق الأبواب. الأبخرة تخرج من جسدينا وثنيات ملابسنا. وهناك، على سطح الباخرة، التقينا بالعراقي توما.
لم نكن نعرف توما من قبل؛ هو الذي تعرف علينا وتقرّبَ منا. لم يمض على هذا التعارف سوى دقائق يمكن عدها على أصابع اليد حتى بادره معروف بالسؤال الذي يشغل جميع خلايا دماغه:
ـ "هل حقا يوجد قحاب في ريجا كما يقولون؟".
ـ "أكيد؛ في كل مكان بالعالم يوجد قحاب" أجابه توما بنوع مخفف من التواطؤ لم يشِ بالاستنكار رغم الدهشة التي بدت على ملامحه. وبذلك يكون معروف قد أختصر الكثير من المراحل والمجاملات الكاذبة كي تتوطد علاقتنا بسرعة مذهلة بهذا الرجل العراقي المؤدب الدمث الأخلاق.
شعر معروف بالهدوء بعد سماع تلك الإجابة المريحة، وأسلم مشاعره لحالة من الأمل الغامض القلق أنسته بعض الوقت يأسه المزمن وكآبته العادية.
قال توما كما لو أنه يسدي لنا نصيحة مجانية:
"أهل ريجا شواة من الطراز الأول".
على سطح الباخرة انتشرت رائحة شواء المقانق وقطع اللحم الطازجة، الطرية، التي تصبح جاهزة للأكل بمجرد ملامستها النار. كنا نتضور جوعا ونحن نجرع كؤوس البيرة الكبيرة. البيرة رخيصة جدا في الباخرة. سعر الكأس يساوي ربع سعر أرخص كأس بيرة في حانات ستوكهولم. كان قرص شمس الغروب يرافقنا. بل كان يتبعنا في ذلك الأرخبيل الساحر الجمال تحت ألوان الغروب الأرجوانية التي كست الطبيعة ووجوهنا بلون حيوي ناري مثل لون الذهب. منظر طبيعي خلاب يهديه لنا أرخبيل ستوكهولم الرائع. قال معروف فجأة:
ـ "هل ستكون الجنة أجمل من هذا المكان"؟
أدركت أنه يمر هذه اللحظات بمزاج رائق رغم الكدر النابت في تقاسيم وجهه كما ينبت الشوك في الصحراء. له شكل رزين وقور، لكنه يحتقره؛ أنه يحتقر وجوده برمته. هو يشعر بالأسى لكونه يخسر بمرور الأيام تلك الطاقة الخفية من الحيوية التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان لكي يشعر بلذة الحياة.
"أنا مجرد شخص ينتظر موعد الموت". قال لي على سطح الباخرة
إنه شخص مُفزع عندما يتحدث بسهولة عن الموت؛ يذهب إلى أقصى الأرض للبحث عن العاهرات والجنس الرخيص، ويقول لي ببساطة متناهية "إنه ينتظر الموت" كمريضٍ يحتضر نفسياً!
"توما" شخصية عجيبة. ظننته في البداية رجلا غامضاً؛ لأنه قصير القامة وضئيل الجسم. شفته العليا منفرجة قليلا إلى الأعلى لتكشف عن سنين من القواطع البيضاء الناصعة. فمٌ جميل واثق لرجلٍ جاوز الخمسين منذ بضعة أعوام. هكذا يمكن تقدير سنه على أية حال. ترافقه فتاة لا يتعدى عمرها العشرين عاما في جميع الأحوال. صبية روسية أو بلطيقية جميلة جداً. توما عراقي من أصل آشوري. يتقن اللغة الكردية والآشورية والعربية، ويتمكن من الروسية والسويدية والإنكليزية بدرجات متفاوتة من الإتقان، لكنها جديرة بالإعجاب في جميع الأحوال. قصير وضعيف البنية وأنيق الملابس إلى درجة ملفتة. نصحنا، كوننا عراقيين مثله، بأن نأكل لحما مشويا على سطح الباخرة. وقال جازما:
ـ "إن أهل ريجا شطّار بالشواء".
وكان حقا ذواقا بهذا الحكم. كانت ربما أطيب وجبة أتناولها في حياتي. ربما لأنني كنت سعيدا وجائعاً، وكان معروف أقل سعادة مني، لكنه لم يكن متشائما حتى النخاع كعادته. قرص الشمس يكاد يختفي، وما أن غاب في السماء الباردة والتي لازالت بيضاء شاحبة، حتى حل محله قرص القمر الكبير الأبيض. قال معروف:
ـ "هل ترى كم هو جميل هذا المنظر" وهو يشير إلى القرص الكبير الأبيض الذي أنبثق في السماء الواطئة خلف مؤخرة الباخرة. أضاف:
ـ "ما أروع قرص الشمس عند المغيب".
قلت:
ـ "أظن أنه القمر".
كان توما يروح ويجئ للاطمئنان علينا بين الفينة والأخرى. معروف المتشكك والحذِر من البشر وحركاتهم الخرقاء تعّجب كيف بإمكان شخص ترك هذه الفتاة الجميلة، ولو للحظات، لمجرد أن يطل على أوغاد قبيحي المظهر مثلنا. أوشكتُ أن أقول له: "ربما أنه قواد" وهذه الفتاة التي معه لا تعدو كونها مشروع عاهرة في المستقبل. إذ طالما أطلقتُ الأحكام السريعة والسهلة عندما يخيل إلي إن "الأمور تبدو واضحة كما نراها تماما"! الفتاة، والحق يقال، لم تكن مريحة. وضعها غريب وهي برفقة هذا العراقي الذي حتما كان يكبر أباها. حواسي تلوثت بعد الشرب الكثير وفقدتْ صفاءها، فاسترجعتُ عادتي بإطلاق الأحكام الجزافية على الناس الذين لا أعرفهم جيدا، والذين ألتقي بهم للمرة الأولى. لم يستطع معروف سؤال توما أسئلة فضولية من قبيل "من تكون هذه الفتاة الجميلة؟" أو "لماذا أنتما مسافران إلى ريجا، للنزهة مثلنا.. أم أنت مقيم هناك؟". أعرف إن هذه الأسئلة كانت تعتمل في فكره كما تعتمل في فكري بالضبط. لكننا بدونا مؤدبين إلى درجة ارتاح لها توما شخصيا. حتى إنه قال لنا دون مواربة:
ـ "إنها المرة الأولى التي التقي فيها بعراقيين مثقفين"!
كان يقول ذلك بطريقة غريبة وكأنه ليس عراقياً هو الآخر. نوع من المديح ينطوي على بعض الذم. كدت أجزم أنه "قواد" حقيقي لأنه نصحنا بالأكل والشرب وهو لم يأكل ولم يشرب على الإطلاق. على الدوام تصرّف معنا بشطارة وذكاء ليجعلنا نطمئن إليه أكثر فأكثر. وكان يترك الفتاة لفترات أخذتْ تطول وتطول ليبق معنا. وكانت تنظر إلينا من بعيد نظرات ممعنة وطويلة، حتى شككتُ أنها تتفحصنا جيدا. وهو يثرثر زيادة عن اللزوم. أدركتُ أنه ليس غامضا ولا هم يحزنون. بل هو شخص ثرثار يقول كل ما يخطر له على بال بطريقة سخيفة من دون حتى أن ينظر إلى وجه محدثه. الأمر الذي جعلني أقترب من القرف منه ومن ثرثرته وإن انطوت على فوائد كثيرة. شعرَ معروف بالانسجام معه إلى درجة أذهلتني. بحيث قلت له في أول فرصة غادرنا بها توما ليطل على الفتاة:
ـ "ألا ترى كم هي كثيرة فوائد السفر؟.. ها أنت تخرج من عزلتك وتلتقي بناس لطفاء"!
قال معروف:
ـ "هذا إنسان رقيق". وابتسم بحكمة وهو يهز رأسه أسفل وأعلى، بهدوء لعدة مرات، كنافد أدبي يسمع شعراً جيداً.
برد الجو على سطح الباخرة عند الغروب؛ كان الوقت بداية أكتوبر. النهار الصاحي الجميل بشمسه الدافئة كأنه نعمة حقيقة منّتْ بها السماء علينا قبل قليل. شعرتُ بالسعادة الغامرة ورحت أشكر الرب عدة مرات وأنا أقول بصوت مسموع: "الحمد لله والشكر يا ربي ، الحمد لله والشكر يا ربي" وسط دهشة معروف ونظراته البليدة. إذ ظهر أن كل شيء في هذه الطبيعة الساحرة من جبال صخرية مبللة بالبخار، ومياه رقراقة صافية وغابات خضراء رائعة الجمال، وتلك السماء القريبة الحانية، كان يبلور مفاهيمي العميقة عن الجنة. قلت لمعروف الذي بدأ ت تضيق أنفاسه لأنني أشعر بكل هذه السعادة المجانية:
"الجنة هنا؛ مباشرة على الأرض. تستطيع الإحساس بها فقط إذا كنتَ سعيداً” .
لم نلتق بناس آخرين ممن كانت الباخرة تعج بهم. باخرة "ريجا ـ ستوكهولم" هكذا هو اسمها. لم يكن لها اسم مميز مثل جميع البواخر الأخرى. "فينوس" كريستينا" "لورا البحرية". إنها باخرة متواضعة. الشيء الوحيد الجميل فيها هو شكل المضيفات وأعمارهن المناسبة. أعمار الفتيات اللواتي يتراوح بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين. هذا هو سن النشاط الحقيقي للمرأة ولحكمتها العظيمة التي تتلخص بالحصول على رجل من هذه الدنيا. فتبدو شهية وعطوفة حتى لو لم تكن جميلة. وما عدا هذه اللمسة الحنونة يذّكر وضع الباخرة المرء بـ الاتحاد السوفيتي القديم" ونظرته الصارمة إلى الجنس البشري. حتى الضوء في الكابينات يكاد أن يكون باردا من حديد. معنى الفولاذ والشعور بصلابته تحسه في شكل مقبض الباب ومقابض الحنفيات والأسرّة غير المريحة. متانة فولاذية تفتقر إلى الجمال والشاعرية. كأن صانعيها فكروا بأن هذه القطعة البحرية ستبقى في الخدمة حتى نهاية العالم وانقراض الجنس البشري. إنها بالأخير باخرة من الدرجة الثالثة. حتى لو كان البعض من المسافرين عليها من المشاهير الذين يعملون بالتمثيل في التلفزيون والسينما السويدية. ليسوا نجوما، ولكن شهرتهم كانت كافية لكي نعرفهم. قررنا النزول إلى الغرف للراحة والاستعداد للسهرة في المرقص في الطابق الثاني. اشترينا زجاجات من الكحول الجيد، وكانت الأسعار رخيصة بشكل عام. نسينا الراحة والاستعداد للسهرة، وإنما، عوضا عن ذلك، انهمكنا بالشرب المتواصل غير المعقول. كحول صرف جعل معروف يتحدث كل شيء عن نفسه وعن إيفانكا البلغارية التي بدا أنه من المحال نسيانها، وعن أبيه الذي مات دون أن يودعه. لم يكن هناك لا أكل ولا مازة. هبط الليل علينا وانتصف دون أن نشعر به. الباخرة تمخر عباب بحر البلطيق المعتم، والأضواء التي كانت تلوح من بعيد اختفت هي الأخرى. صرنا وحدنا على سطح هذا العباب الأسود الداكن. البحر الغامض في الخارج ونحن البشر نجلس تحت الضوء في الداخل. ظلام الطبيعة في الخارج ونور المصابيح المشعة في الداخل. ينبثق شعور بالتناقض لا يفهمه الإنسان الذي لم تزل فيه بقايا غريزية من الحيوان في أعماقه السحيقة، أو بالأحرى من الطبيعة الذكية الشاسعة. كانت الباخرة كلها مثل ريشة بيضاء من الأنوار في البحر المتجهم والظلام الفسيح. كنا نشرب الكحول بنهم كأننا نتقوى على خوف مجهول يرافق أعماقنا البشرية. نحن بشر غرباء، مهاجرون ضائعون على كل حال، لا يخصنا البحر ولا السماء ولا البشر السعداء المنتشرون حولنا. كل ما يخصنا فقط هو الجمال في هذه الأشياء. "الجمال" حالة فريدة تؤثر في الإنسان بعمق، حتى وإن تعذر على المرء امتلاكه فهو يستطيع الشعور به. الجمال هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعترف به الإنسان دون أن يرتكب خطأ أو معصية.
قال معروف وقد باشر تذوق نشوة السكر:
ـ "أنت تعرف.. لقد قلتُ له: لا تذهب إلى كردستان! لكنني ذهبت قبله. تركته في حسرة؛ ربما ظنَّ أنني خدعته وذهبت للدراسة في موسكو على نفقة الحزب بدل محاربة الدكتاتورية في الوطن. عندما لحق بي هناك فرح برؤيتي. ابتسم فقط وعانقني. تلك الابتسامة التي لا تُمحى من الذاكرة مهما تتالت السنين. تأكد من تلك الحقيقية البسيطة: إنه في المكان الصحيح. قال لي:
"ظننت بك الظنون". ثم، ومن بعد، وبأسرع مما يتوقع الجميع، لقي مصرعه. قبلي؛ أنا الذي لم أمت حتى هذه اللحظة. كان أشجع مني.. أليس كذلك؟ بقية عمري، بعد موت علي يوسف، ليست سوى إجازة في هذه الدنيا أتمنى أن تنتهي بأسرع وقت".
معروف لا يسكر لمجرد أن يزعج الآخرين. كلا؛ إنه يتيه بشكل حقيقي، يضيع في لجّة مشاعره الوجدانية العميقة. ذهنه وقاد وحرارة روحه لا تنطفئ. خلع جميع ملابسه داخل الكابينة، ووقف أمامي، هكذا، عارياً، ربي كما خلقتني. حسب أنه لوحده؛ هو لا يعتبرني موجوداً، وكان عليّ أن أتلاشى معنويا. وضع جسده تحت خرطوم الدوش وأطلق الماء القوي على رأسه. نحن نستعد للصعود إلى المرقص، كأنه تذكر أمرا لم يخبرني به من قبل. قال وهو يمسح الماء بين ثنايا أعضائه المكشوفة بالمنشفة الخاصة بالباخرة ويدلكها بين أفخاذه المشعرة:
ـ " أنت لا تدرك كم كانت إيفانكا جنسية. ذات ليلة ضاجعتني ثلاث مرات. كدتُ أموت، لكنها لم تشبع. دلقتْ على سرتها نبيذا أحمر وهي مضطجعة على السرير، عارية تماما، ودعتني لتناوله. سال النبيذ الذي بلون الدم على مساحة بطنها. جثوتُ على ركبتيّ كما لو كنت أصلي، ورحتُ ألعقه مثل قط يلعق الحليب من صحنٍ بهي من المرمر. لحستُ كل قطرة سالت على جسدها من النبيذ. أخذ جسدها بالاشتعال، وصار ينبثق منه دفء متماوجٍ لذيذ، ورائحة طيبة كما رائحة رغيف خبزٍ خارج من التنور. لم أقوَ على مقاومة ذلك. طحنتها تحت عضلات جسدي الحجري، الهمجي، لثوانٍ، ثم قلبتها على بطنها كدمية ودفعته بها من الخلف، اولجته في دبرها وكان حارا ومنفوشا كرأس قط. صرختْ من الألم وحاولت الإفلات. رأيت مقدار الألم والذعر على قسمات وجهها وهي تحاول بصعوبة النظر إلي، لكني أطبقت عليها بقوة. كنت أشك إنها لا تريد ذلك، لذا مضيت قدما في هذا الطريق. كانت تعض الوسادة التي بين ذراعيها حتى مزقتها. حاولت أن تكتم الصراخ من الألم الحقيقي هذه المرة، المختلف تماما عن الصيحات المنطلقة من فرط اللذة. كان الأمر ملتبسا في حواسي، ولم أكن لأميز جيدا بين ما كان يحدث لها الآن، وما حدث لها في السابق. الوضع يختلف الآن؛ الإحساس بالألم لا يشبه صراخ الشعور باللذة والفوز بها على الإطلاق. حين طفرت روحي للمرة الرابعة من رأس عضوي، كانت تنهال عليّ ضرباً بالوسادة على رأسي ووجهها مبلل بالدموع. كنتُ مثل أبله؛ لا أعرف ماذا أفعل بالضبط. هل أشعر بالفرح أم عليّ الإحساس بالعار؟ لكنني كنت ثملا بما فيه الكفاية كي أتصرف بصدق: "لم أقصد الإساءة". قلتُ لها ببراءة طفل كسر آنية ثمينة من الزجاج.
كان وجهها مجللا بالغضب بينما الدموع تنهمر من عينيها بشكل غير معقول، إلى درجة تخيلتُ أنني سأغرق بها. قالت بحزم وتصميم كأنها تعني حقا ما تقول:
"أنت حقير"!
كنت ثملاً؛ لا آخذ كلامها على محمل الجد. لكنها أخذت تتحسس فتحة الشرج بأصابعها الناعمة الرقيقة التي بان عليها سائل أقل احمرارا من لون الدم. إنه يشبه لون النبيذ الأحمر الذي سكبته على سرتها قبل قليل بالضبط. عيناها تسبحان بالدموع، وامتلأ أنفها بالمخاط. بكل هذا الخليط النظيف من الدموع والمخاط بصقتْ على الهواء الذي بيني وبينها وهي تقول:
" تفو.. كلكم العرب أوباش".
لم أكن أفهم جيدا معنى الكلمات. لكني أستطيع تفّهم إنها كانت تتلفظ بشتائم شنيعة. كنت أستطيع ضربها، أو الرد على الشتائم بلغتي، لكنني أحجمت عن فعل ذلك وتمسكتُ بالهدوء. هي رقيقة حتى في أوج غضبها. لم أستطع إرضاءها، وسعيت لمصالحتها كمحتال أخرق لا يتقن فنون الحب. حتى أني بكيت وشعرت بألم في بطني، كما كانت تبكي هي، وكما كانت تشعر بالألم. شعرتُ بوجعها الروحي، ونسيت فتحة شرجها تماما. كان إدراك مثل هذه الأحاسيس بطريقة صحيحة وصادقة متعذرا في تلك اللحظات. الخطأ الذي ارتكبته كان أكبر مما تخيلتُ. بحيث أنها استمرت بالبكاء الذي يشبه الندم. الندم على كل شيء؛ الندم على معرفتها بي، والندم على معاشرتها لي، والندم على تسليم جسدها اللذيذ لي. حتى انتقل شعورها بالندم إلى حواسي. فكنت على وشك أن أندم على معرفتي بها وأندم على القبول بالسكن معها، وربما الندم على موافقتي على تعلّم اللغة البلغارية من الأصل. صفاء مشاعرها له قوة تأثير خفية عليَّ، إنه يصيب مشاعري الدفينة الخاصة بالعدوى. كنت أتصرف معها كما تتصرف معي، كأنما أقلدها كقرد أبله. لم أرد على شتائمها مطلقاً، لسبب بسيط هو أني لا أعرف الشتائم باللغة البلغارية، وهي كانت تستعمل الإشارات كي تفهمني معاني الكلمات، بينما لا أحب أنا الإشارات، كنت أحب استعمال اللغة فقط. ولكي تفهمني معنى كلمة "الأوباش" وضعت إصبعها الطويل الأوسط في كفها اليسرى المضمومة وراحت تدخله وتخرجه بحركة مثل ما يفعل الرجل بالمرأة وهي تؤشر إلى مؤخرتها العارية البيضاء كأنها تقول لي "إن هذا العمل من الخلف لا يجوز".
نهضتُ وارتديت ملابسي لأهم بالخروج من البيت. كانت الساعة تجاوزت الرابعة فجرا. مع ذلك منعتني من الخروج. صارت تبكي أكثر لأنني "زعلت" وبدوت حزينا جدا. كنت قد شعرت حقا بالمهانة الكاملة تلك الليلة الملعونة.
قلت له:
ـ "معروف.. لم يعد لدينا وقت كاف للذهاب إلى المرقص.. هيا.."
كنا نعيد ذات القصص فيما بيننا. ليس لدينا قصص جديدة نقصها على بعضنا. نحن بالأحرى "نجتر" تاريخ حياتنا ووقائعها السخيفة. لذا لا يمكن تذكر أزمان وتواريخ أحاديثنا العابرة. مرة هنا وأخرى هناك. أحيانا على البحر وأخرى على البر. مرة في الجحيم وأخرى في النعيم. إذ ليس هنالك من جديد يطرأ عليها سوى مزيد من الشجون والحسرات. النساء في حياة الرجال يمحو بعضهن البعض، لكن المرأة الواحدة في حياة رجل واحد لا يمحوها الزمن.
الطريق من ستوكهولم إلى ريجا عبر البحر؛ وفي مثل هذه السفينة من الدرجة الثالثة يستغرق وقتا طويلا جدا، حوالي سبع عشرة ساعة. هذا الوقت الطويل في سفينة تمخض عباب البحر الغامض هو بالضبط الهدف الرئيس لغالبية المسافرين. لأن الفكرة الجوهرية للسفر المباغت والرحلات السريعة هي "إضاعة الوقت"، بالأحرى الهرب منه. ذلك الوقت الجدّي الكئيب الفائض عن الحاجة في حياة الإنسان. وقت العمل اليومي الإجباري، ووقت ولادة المتاعب النفسية جراء الوضع الاقتصادي والشؤون العائلية، ووقت حدوث المشاكل مع الناس الآخرين، من مدراء أقسام شاذين ومتعجرفين في التسلط على مَنْ يعمل تحت أمرتهم، إلى المشاكل السخيفة مع الزملاء الموظفين الأغبياء وإن كانوا طيبين، وكم يحتاج ذلك من الوقت، أو الأوقات اللازمة لإيجاد الحلول المعقولة لها والتخلص منها دون أذى. الحياة كلها عبارة عن إهدار متواصل للأوقات نمارسه طوال الوقت المتوفر لدينا. بيد أن الإنسان ذكي بطبعه، أنه محتال من الطراز الأول. إذ إن المهمة الأساسية للإنسان الذكي والجيد في هذه الدنيا العجيبة هي إضاعة أوقات الكآبة وتبديدها بشتى السبل. الهرب المتواصل منها إلى أوقات قصيرة من الفرح السريع، حتى وإن كان من نوع الفرح الكاذب.
صعدنا إلى المرقص ووجدنا توما ينتظرنا على أحر من الجمر. ظهرت "لورا" معه بأبهى ما تكون عليه فتاة في سهرة حرة. كانت تشع على المقعد بجانبه كنجمة صغيرة. لوّح لنا من بعيد بذراعيه القصيرتين، وكان غاطسا بكل قامته الضئيلة في المقعد الجلدي الوثير، فبدا مثل غريق يلّوح من بعيد لفرق الإنقاذ. رغم ذلك، تظاهرنا أننا لم نره. نهض وتقدم نحونا بحفاوة لمحها أكثر الناس في المرقص. بدا عليه اللوم. قال بعتاب وكأننا أصدقاء من زمان:
"أين كنتما طوال هذا الوقت؟".
ضحك معروف خجلا وهو لا يعرف الغش. فقلت له بدون مواربة:
ـ شربنا قنينة كاملة من الفودكا السويدية "أبسلوت ـ Abslut "
قال توما بمرح، وقد بدا صاحيا تماما كديك عند الفجر:
ـ هذه "لورا" هي الأخرى، شربتْ نصف زجاجة من الفودكا ذاتها.. أبسلوت.! إنها مجنونة حقا. لم يشر إلى أنه شرب شيئا ما. كان صاحيا ونحن سكارى. بدت لورا رائعة جدا. ارتدتْ نصف كنزة بيضاء مائلة من أعلى كتفها الأيمن حتى تكشف عن نصف نهدها الأيسر النافر، القائم بذاته بدون حمالة صدر. تتألق عليها وعلى وجهها الذي بدا جميلا ومتألقا ذرات ناعمة ماسية وذهبية متلألئة، وزينت كنزتها نجوم صغيرة، بمنتهى الصغر، عاكسة للضوء، فكانت تشع كثريا في جو المرقص المُعتم المليء بالدخان والموسيقى الصاخبة والأنفاس اللاهثة. بلوزة شفافة بيضاء لامعة لا تغطي السرّة، وتنورة قصيرة من المخمل الأسود مفتوحة من أعلى الجنبين على الفخذين الأبيضين الرائعين، وخيط أسود رفيع يظهر أعلى أردافها كحزام من الساتان اللامع ويستقر ما تبقى منه بين إليتها، تلك كانت جميع ملابسها. بدت زاهية وأنيقة بحيث إننا قبّلنا كفها عند اللقاء على الطريقة الفرنسية. ومضت عينا توما ببريق الفخر وهو لا يستطيع تصديق وجود عراقيين بهذا المستوى الثقافي. صدرها شبه عار، وهو جميل وفتي ومثير إلى درجة يجعل الرجل يفكر بأمرين لا ثالث بينهما: إما الفوز بامتلاكها طوعا لهذه الليلة، وإما خوض المعارك والشجار في سبيل تحقيق ذلك الهدف النبيل. كانت حقا سكرانة؛ لم تكن تجيد أياً من حركات النساء التمثيلية الخرقاء حين يعبثن بعواطف الرجال. فضلا عن كونها لا تتمتع بالخبرة اللازمة كي تؤدي هذا الدور التعيس، دور العاهرة الصغيرة. تركتْ نفسها على سجيتها. كانت حرة وواثقة، وبدل أن تطبع قبلة صغيرة على وجه رجل أعجبها سريعا، كانت تمتص روح هذا الرجل الذي يحلو لها بحرارة، ومن فمه مباشرة. كان معروف هو فارسها تلك الأمسية، مصتْ شفته بشكل خاطفٍ، وأشعلتْ في روحه كتلة من اللهب والجنون. طلبها للرقص أغلب الرجال الذين كانوا يشعرون أنهم ما زالوا رجالاً حقاً. رقصت مع كل رجل طلبها في المرقص، لم تخذل أحدا. شغف بها الجميع، كانت بمثابة "ظاهرة فريدة" تلك الليلة. جعلت كل الرجال الأغبياء يضاجعون رفيقاتهم في السفر، من زوجات كريهات يغرنَّ أكثر مما يحببنَّ، إلى الصديقات الحلوات اللواتي شعرن بهياج تلك الفتاة لورا ومقدار تأثيرها على مفاصل ركب أصدقائهن التي أخذت ترتعش على إيقاعها المجنون. كانت لورا كأنها تختبر "وضاعة" كل الرجال ومقدار انحطاطهم تحت سطوة جسد فتاة عارم، حر، وذكي. وبقدر ما كانت هوجاء ومنفلتة، لم يلحظ أحدا أنها كانت سعيدة. أصيب معروف بمس من الجنون. وعندما اختفت هكذا فجأة عن المسرح الذي أشعلته بالرقص والصخب، راح يطرق أبواب الكابينات واحدة تلو الأخرى بشكل عشوائي بحثا عنها. كدنا نتعرض إلى مشكلة حقيقية مع الحراس الأشداء والموظفين ثقيلي الظل في الباخرة. معروف سكران وتائه بشكل شاعري، كما لو كان يمشي وينطق ويسمع ويرى كإنسان في حلم. بحيث يستطيع أي إنسان يتمتع بشيء من الذوق أن يسامحه، بل يجد من اللازم عليه أن يقدم له خدمة ما. مظهره لا ينم عن الشر، بل يبدو على الدوام، برزانته ووقاره الطبيعيين والشيب المنثور على رأسه ولحيته، ووجهه المسالم، كطفلٍ ضائعٍ يستحق ليس فقط الشفقة وإنما المساعدة، وربما البكاء.
صحونا في الصباح دون مشاكل مع رجال أمن الباخرة ولا مع المسافرين من شأنها أن تفسد الرحلة. كانت السماء كالحة ونحن نتقدم من مرفأ الميناء في ريجا حوالي الساعة العاشرة صباحا. السماء تمطر من دون توقف، بل من دون رحمة، ولن تتوقف عن فعل ذلك فيما يبدو. آثار "الاتحاد السوفييتي العظيم" تتجلى بانعدام أي احترام للإنسان في ميناء ريجا. إذ كان علينا الانتظار طويلا تحت المطر والهواء العاصف البارد القادم من البحر لمجرد وضع ختم الدخول على جوازات السفر إلى ريجا لمدة ست ساعات فقط. ولم يخل الأمر من تحقيق عابر وأسئلة سخيفة وتدقيق بالوجوه. كل ذلك من أجل زيارة سريعة لعاصمة "المساج" في دول البلتيقان. بدا الأمر مضحكا رغم الجدية البالغة التي يضفيها على الموقف رجال البوليس من ذوي الرتب العالية وهم يقطبون الحواجب إزاء الموظفين الأدنى مرتبة. كان واضحا للعيان أن هؤلاء الرؤساء في الميناء ليس لديهم عمل حقيقي. كل الإجراءات لم تكن مهمة، بل كانت سخيفة وأسوء بكثير من عرضٍ مسرحي هابط.
الشاغل الرئيس لمعروف هو العثور بأسرع وقت على بيتٍ للدعارة، أقصد المساج. أما توما فقد أوصل لورا، التي بدت شاحبة ومريضة وفي حالة مزرية في الصباح، إلى بيتٍ قال أنه بيت أهلها. توما بدا كالعادة كشخصٍ يكذب على الدوام. لم يكذب علينا مباشرة، لكنه لا يتصرف بصدق، ولا يبدو أنه يقول الحقيقية. يجعلنا نشك به في كل لحظة وفي كل سلوك. أحيانا يجعلنا نظن به أسوأ الظن حتى وإن لبث صامتا دون حراك. حشرنا جميعا في سيارة تاكسي كي يوصل الفتاة إلى بيتها. كان قد أخبرنا على متن الباخرة أنه تعرف عليها للتو لأنه يستطيع تكلم اللغة الروسية. وفي الصباح على الفطور في الكافتيريا قال لمعروف أن لورا كانت معجبة به حقا ليلة البارحة، وكانت ستضاجعه حتما لولا العادة الشهرية التي تمر بها. وعندما بانت في الكافتيريا بتلك الصورة المأساوية المحزنة، لم تستطع شرب فنجان القهوة الذي أحضره لها توما بنفسه، ورفضت تناول أي فطور، حتى قطعة الشوكلاتة الصغيرة مع القهوة. لكنها كانت تنظر إلى معروف نظرات خاصة، منكسرة، وكأنها تميزه عنا. من عجائب الأمور أن تبدو لورا في الصباح هكذا، عبارة عن فتاة محطمة. حتى الرابعة فجرا كانت "نجمة" ساطعة. يوجد خطأ ما في الموضوع. كنا سكارى إلى درجة تكفي لأن نجعل من الغراب حمامةً بيضاء. ليست هذه هي لورا الأمس، هي فتاة أخرى الآن. عمرها كما هو، لكن شكلها يختلف تماما. تعجبت كيف قبلّنا يدها الليلة الفائتة، إنها لا تستحق الآن نظرة طبيعية منا، حتى من باب المجامل
