من رفح: بين عشق الوطن وأوجاعه تعلمت حب المسرح وكتاباته ففي أزقة المخيم عشت وتجذرت بداخلي ألامه، حتى انصهرنا في رحم المعاناة التي أصبحت جزء مني، وأخذت ميولي تنجرف نحو القراءة والكتابة وبالذات الرواية المسرحية. ففي الرواية أحاكي القهر محاولا تفكيك حروفه بصرخات الألم من أهات شعب بات مقهورا وسجينا في غياهب النسيان، بهذه الكلمات بدا بسام الأشرم، الذي حاز على شهادة أفضل نص مسرحي فلسطيني حديثه لـ"إيلاف". وفي سؤال عن بداياته الفنية أجاب الكاتب المسرحي ، واصفا مشواره الفني في مخيمات قطاع غزة ، كلما أتممت كتابة نص مسرحية كان يقتلني الألم ،حيث يأوي إلى جوار من سبقه في إحدى أدراج مكتبي المتواضع ،ولا يدري عنه سوى بعض الأصدقاء من هواة المسرح ،مرجعا ذلك لعدم وجود أي شكل مسرحي في قطاع غزة.
بريطانيا بشكسبيرها ويقول الأشرم ،إن "بريطانيا بشكسبير ها وليست بأسطولها العظيم"، ومن هنا فقد كان الاحتلال يحارب ظاهرة المسرح ويمنعها، لثقته بان المسرح يعبر عن حالة ثقافية ،وهو منبر مؤثر في شعور وثقافة الشعوب ،ويضيف الأشرم بعد اتفاق اوسلو بدأت الأمور تختلف وظهرت تحديدا عام 1994م بعض المحاولات المسرحية في غزة ،فأخرجت أوراقي من أدراجها ونفضت ما عليها من غبار وبدأت تجربتي مع المسرح برفقة من عرفتهم سابقا عشاق للمسرح من أبناء مخيم رفح، بان شكلنا فرقة للمسرح باسم "أسرة المخيم"، وبدأنا البروفات كقراءات أولية على النص في غرف صغيرة من منازلنا المتصدعة.

طرابيش
زعامات تائهة بين غانية، وكاس خمر، أو خائف، والشعب الفلسطيني ذبيح بين هذا وذاك، يستنصرهم وإذ به "والله أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي" ،كان هذا مضمون النص لمسرحية طرابيش، التي حازت على جائزة أفضل نص مسرحي في فلسطين من وزارة الثقافة لعام 95م للكاتب المسرحي بسام الأشرم.
وتابع الأشرم الذي يقطن في إحدى مخيمات لجوء رفح جنوب القطاع في منزل تصدعت جدرانه من الرطوبة وطلقات الرصاص ،وقال كانت طرابيش هي المسرحية الأولي التي بدأت في عملية إخراجها بفرقة أسرة المخيم وحين انتهينا من البروفات الأولية كانت الصدمة لنا ،وهي الإنتاج فلا نستطيع تمويلها حيث وضع المخيم ماديا صعب جدا ،وكذلك حال جميع أعضاء الفرقة العاطلين عن العمل منذ اندلاع الانتفاضة الأولى .

دقي يا مزيكا
وأضاف الكاتب المسرحي، بهذا لن نستطيع إن نكمل المسرحية وبحثنا عمن ينتجها حتى قام مجمع الكرامة للثقافة والفنون بتبني المسرحية وبالفعل انخرطنا ضمن الدائرة المسرحية بالمجمع وتم عرضها تحت لواء المجمع ولاقت نجاح واسع ولكن لم يكن لدى المجمع النفس الطويل في الاستمرارية وإنتاج مسرحيات أخرى كونه أيضا يعاني من ضائقة مادية خانقة. ويقول الأشرم من هنا عدنا نفكر من جديد في إحياء أسرة المخيم كفرقة مستقلة وبدأنا نقوم بأعمالنا المسرحية من خلال مؤسسات كالأندية والجمعيات لتوفر لنا الإنتاج وبالفعل تم عرض المسرحيات باسم أسرة المخيم ولكن تحت رعاية المؤسسة المنتجة ،ومن هذه المسرحيات، مسرحية "دقي يا مزيكا" ومسرحية "جوزني يا مختار" .

نقتسم الفقر والجوع
ببعض من الأسى يحتضن الأشرم بين ذراعيه شهادة أفضل نص مسرحي وبعض الأوراق من روايات وصور التقطت لأسرة المخيم خلال أعمالها المسرحية ناثرا دخان سيجارته، قائلا بقينا على هذا الحال لعدة سنوات نشعر بان خشبة المسرح هي منبرنا ونقتسم الفقر والجوع كما نقتسم الأدوار في المسرحية حتى بدأت الفرقة في الانهيار ،وذلك لعدم وجود أي مردود مادي يذكر من العمل المسرحي حيث بالكثير كانت المسرحية تغطي نفقات الإنتاج وهذا لتدني سعر التذاكر حسب حالة الناس المادية وكثيرا ما كانت العروض مجانية .

الاحتلال هدم المعابد
ومن هنا بدا الفقر يقهر معظم أبطال الفرقة حتى ذهبوا بحثا عن قوت أطفالهم، فمنهم من عاد ليزاول صنعته وأخر تجند في صفوف الشرطة الفلسطينية ،ويعود قائلا، ها أنا عدت نهارا إلى خلف ماكينة الخياطة أزاول عملي كخياط لأوفر متطلبات أبنائي وليلا أعود لأوراقي فاكتب من جديد وتمتلئ أدراج مكتبي بالنصوص ،ومن حين لأخر التقي بأحد أفراد أسرة المخيم المسرحية، وتأخذنا الذكريات ومتاهات الحياة تأملا في أن يعود شملنا يوما ونقف على خشبة المسرح من جديد.
ويبقى أفراد أسرة المخيم يعشقون الوطن على طريقتهم حين يصرخون حبا له، فيتساقط الدمع كلمات على خشبة المسرح الذي كان منبرا للكلمة والحرية بعدما هدم الاحتلال كل المعابد التي صلت من اجل هذا الشعب وها هو الفقر يعد ليقهرهم فيهدم لهم هذا المنبر.