منذ ثلاثة أشهر أصدر أياد علاوي رئيس وزراء العراق قراراً بإغلاق مكاتب تلفزيون “الجزيرة” ومنعها من ممارسة نشاطها الإعلامي في العراق. وهو خيراً فعل. وقامت “الجزيرة” بالصياح والنواح على هذا القرار في كل مناسبة وهي تتباكي بكاء العواهر على الديمقراطية المفتقدة بالعراق، وسلطت على العراق وحكومته ألسنة “الجزيرة” (اللعلاعة) من جنرالات الإعلام العربي للترّحم على الديمقراطية العراقية، واثبات أن الحكم القائم في العراق لا يفرق عن حكم الطاغية السابق، وبأن الديكتاتورية قد عادت إلى العراق، وبأن العراق تحكمه شلة من عملاء المخابرات الغربية كما قال فيصل القاسم في برنامجه (الاتجاه المشاكس) واستضاف فيه البوق الناصري عبد الله السناوي.
ولكن المشاهد لبرامج قناة “الجزيرة” ونشراتها الاخبارية يرى بأم عينه بأن “الجزيرة” لم توقف نشاطها الإعلامي المسموم في العراق. فهي تصوّر وتنقل الأخبار وتستضيف الأكاديميين والسياسيين والمعلقين والصحافيين من داخل العراق وتنتقي منهم النخبة البعثية والإسلاموية المتعصبة ضد مستقبل العراق، وتنقل خطب زعماء مثلث السُنَّة الموبوء بالارهاب (مثلث الشر) من داخل العراق، وبرنامج "المشهد العراقي" المليء بالقيء والسموم ودماء الثعالب يستضيف ضيوفه العراقيين من داخل العراق (عينك عينك) وكأن قناة "الجزيرة" تقول لأياد علاوي طز فيك وفي قرارتك، وإن كنت (زلمة) لاحقنا!
فأين الحظر الذي تتحدث عنه حكومة علاوي الذي يبدو أنها نائمة بالعسل ولا تقدر أن تلقم قناة "الجزيرة" حجراً عراقياً كبيراً ؟
وأين الحظر الذي تنوح عليه قناة الجزيرة، وأين اغلاق مكاتب “الجزيرة” ومنعها من ممارسة أعمالها؟
يبدو أن الوضع العام كله في العراق فلتان، وليس الوضع الأمني فقط.
ويبدو أن العراق قد أصبح "بوابة بلا حارس" يدخله ويعبث فيه كل من هبَّ ودبَّ وخاصة فئران "الجزيرة".
وها هي قناة "الجزيرة" تتحدى أياد علاوي وحكومته وتمارس نشاطها الإعلامي المسموم والموبوء علناً شلناً وعلى عينك يا تاجر، ولا تخشى من أحد، ورغم هذا تتباكى ليلاً نهاراً على منعها من ممارسة نشاطها الإعلامي في العراق منذ ثلاثة أشهر، وتستجير بكل العصابات البعثية والإسلاموية لكي ترفع صوتها بالاحتجاج المدوي. وها هي بالأمس تستجير ببيان عن "المؤتمر القومي العربي" الذي يرأسه خير الدين حسيب رئيس هذا المؤتمر ورئيس "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت الذي أنشأه سعدون حمادي رئيس البرلمان العراقي السابق الذي كان أشبه بسيرك للقردة. وهذا المركز كان وما زال مُمولاً بأموال الشعب العراقي المنهوبة والمسروقة في عهد طاغية الرافدين.
والسؤال الآن:
ألا يشاهد أياد علاوي وحكومته ووزير داخليته قناة “الجزيرة” ؟
ألا يتساءلون من هم الذين يصوّرون، والذين يرسلون التقارير إلى المحطة التي أصبحت مباءة للارهاب ومنبراً للارهابيين تحت الشعار المزيف والخادع (الرأي والرأي الآخر). وهي المحطة التي نقلت إلى العالم كله خطاب الكهوف وأصحاب السيوف في "طورا بورا" واعتبرته الانجاز الحضاري العربي والإسلامي في مطلع الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين. وها هي تنقل إلى العالم من الفلوجة الانجاز الحضاري الثاني للعرب والمسلمين وجحافل التحرير والمقاومة المباركة المعطرة بدماء الأبرياء الذين أحالوا الفلوجة إلى "كابول القرون الوسطى" و"كابول طالبان" كما قال شاكر النابلسي في مقاله (انفلاج الصُبح في الفلوجه). وهي المحطة التي نجح الحكم القطري في انشائها لكي يمنع نقمة الشارع العربي على قطر ويذرّ الرماد في عيون العميان من المثقفين الذين تستضيفهم هذه القناة ومنعهم من التعليق بالنقد الجارح للحكم في قطر لتأجيرها أراضيها لأكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم الموجود خارج أمريكا.
إنها الخدعة الكبرى التي انطلت على الجميع من مثقفين ومتلقين لسموم هذه القناة التي فعلت في العالم العربي ما لم تفعله الحروب الصليبية، وما لم يفعلها الاستعمار البريطاني والفرنسي، وما لم تفعله اسرائيل في المنطقة من ضرر كبير وهائل في تحطيم العقل العربي وتغييبه.
لقد حطم الاستعمار واسرائيل قدرة الجيوش العربية على القتال وأذلَّ الشعوب العربية وأهانها، ولكن قناة "الجزيرة" حطمت العقل العربي وجردته من التفكير وحرمته من منابره، وسخرت منابرها لالقاء أطنان من زبالة السياسة العربية على رأس العرب، كما سخرت منابرها للغوغاء والدهماء والمشعوذين والنخاسين والمارقين والمرتشين السلفيين والأصوليين الفاشست من الدينيين والقوميين ومن وأصحاب الكوبونات والغزوات والفلتات من جنرالات الإعلام ودهاقنة الحرام.
إن قناة “الجزيرة” هي البلدوزر الذي حطم آخر معاقل العقل العربي الإعلامي وأحالته إلى متلقٍ أهبل وأبله فاغراً فاه طوال الوقت. وأحضرت إلى الواجهة "المقاومة المسلحة" التي هي التدمير الفعلي للعالم العربي في ظل عدم توازن القوى بين العرب وأعدائهم. وشتمت ولعنت الليبراليين العرب الجدد الذي يدعون إلى الحل السلمي المنطقي لمشاكل المنطقة السياسية. وأطلق عليهم سفيه القناة وردّحاها "الأرانب". ولا يدري أنه هو الجرذ المختبيء في جحر "الجزيرة". وسلطت قناة الجزيرة القرضاوي على العلمانيين فتصدّى لهم وكفّرهم. وسخرت من الحداثة والحداثيين سيما وأن جهازها الإعلامي مكوّن من فلول البعثيين وبقايا الإخوان المسلمين الذي يرجع لهم الفضل في تأسيس هذه المحطة وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي صاحب الفكرة والداعم الشرعي لها وكبيرهم الذي علمهم سحر الإعلام الشرعي الأصولي.
فماذا نرجوا من هذه المحطة أن تقول وتقدم غير السموم الإعلامية وتقف في وجه الليبرالية والحداثة والعلمانية والعولمة والديمقراطية والتغيير؟
فأين أياد علاوي عما يحصل في العراق وعما تفعله هذه المحطة بالعراق ولماذا لا يصير منع أي مسوؤل حكومي من الإدلاء باي تصريح لهذه المحطة ومنع أي مواطن من التعاون معها والقبض على بقايا طاقمها في العراق وطردهم خارج البلاد شر طردة؟
أصح يا صديقي أياد، وأعلم أن جزءاً كبيراً من مصيبة العراق التي هو فيها الآن مصدره هذه القناة التي تحولت إلى قناة للمجاري ذات رائحة كريهة يتربى على جنباتها البعوض الذي يلدغ الآن الجسم العراقي.
