ثمة شبه اجماع على أن قضية الصحراء، هي العقدة الرئيسية في ملف العلاقات المغربية- الجزائرية، والعلاقات المغاربية عموما. ولأن القضية حساسة وخطيرة، فقد كان الرأي الراجح لدى القادة المغاربيين، أن يجري تطوير العلاقات المغاربية بعيدا عن هذا الملف، إلى أن تتحين ظروف الحل..هذا الطرح وإن كان عقلانيا من الناحية النظرية، إلا أنه بدا صعب التنفيذ عمليا، ولهذا فإن القضية الصحراوية تبقى محتاجة إلى مزيد من الحوار، الذي قد يكون شاقا ومؤلما، لكن على الأطراف المعنية بالمسألة أن تخوضه بصبر وأناة.
إن الرأي أن الصحراء كانت مغربية أغلب فترات التاريخ، بل ان موريتانيا نفسها كانت مغربية، وقد فرط المغاربة فيها، لأنهم استكرهوا على ذلك مثلما استكرهت جل الدول العربية على قبول أشياء ضد مصالحها وقناعاتها، فالتقسيم الحالي للبلاد العربية، وقبل ذلك استشراء الظاهرة الاستعمارية، واغتصاب فلسطين، وأشياء كثيرة أخرى قد فرضت بالإكراه، وأجبر العرب على قبولها.
و ثمة بالذات خصوصية فيما يتعلق بالظاهرة الاستعمارية بالتى شملت المغرب، لا بد من الوقوف عندها، فالمغرب قد تعرض لحملات استعمارية منذ سقوط غرناطة في 1492، بل حتى قبل ذلك ، و مليلية على سبيل المثال اقتتطعت منه في بداية القرن الخامس عشرة، أي حتى قبل سقوط غرناطة، فيما اقتطعت سبتة بانهيار آخر إمارات الأندلس الإسلامية.
ومنذ القرن الخامس عشرة تقريبا، وهم الدولة المغربية الأساسي محاربة الغزاة الطامعين في سواحلها، الذين تمكنوا من اقامة مستوطنات ومستعمرات ساحلية استمرت قرونا، وبقاياها ما تزال واضحة في سبتة ومليلية، وقبلها إلى وقت قصير في طرفاية وسيدي آفني ومدن الصحراء...
والدولة العلوية التي أسسها المولى علي الشريف في بداية القرن التاسع عشر أسست بالأساس بهدف دفع الغزاة عن شواطئ البلاد، والمولى علي الشريف هذا الولي الصالح، الذي كان منزويا في زاويته في سجلماسة (أو كما تعرف اليوم بتافيلالت)، جاءه الناس إلى صحرائه وبايعوه هناك، وكان شرط البيعة محاربة الاسبان والبرتغاليين، وكان أن وفى الرجل بشرط البيعة، وظل مقاتلا حتى توفاه الله، وكذا فعل عدد كبير من أحفاده.
و من مميزات الفترة الاستعمارية المتأخرة في بداية القرن العشرين، أن استعمار المغرب كان ثنائيا خلافا لاستعمار بقية دول المغرب العربي، و كل ما فعله المغرب هو أنه طبق سياسة خذ وطالب طريقة لاستعادة سيادته، وهي سياسة معروفة تعتبر أقل كلفة على أكثر من صعيد، وإن كان فيها بعض المخاطرة التي ما تزال تدفع البلاد ثمنها إلى اليوم.
بالعودة إلى تاريخ الحركة الوطنية المغاربية، لا يجد الباحث أي ذكر لشيء إسمه "الشعب الصحراوي"، بل حتى "الشعب الموريتاني"..ولنتذكر جميعا أن موريتانيا لما استقلت لم يكن لديها مدينة واحدة قائمة يمكن أن تتخذ عاصمة، فقد بنيت نواق شوط عام 1961، أي في السنة نفسها التي حصلت فيها البلاد على استقلالها من فرنسا.
كما يذكر أيضا أن المختار ولد داده زعيم الاستقلال الموريتاني، جاء إلى المغرب في أواخر الخمسينيات طالبا من الملك محمد الخامس رحمه الله ضمان "الاستقلال الذاتي" لموريطانيا، غير أن جلالة المغفور له رفض ذلك ايمانا منه بأن الصحراء إلى حدود نهر السينغال هي أرض مغربية.. لقد كان المرابطون ومن بعدهم الموحدون والمرينيون وغيرهم من ملوك المغرب سلاطين على هذه الأرض لقرون متتالية حتى جاء الاستعمار الغربي في نهاية القرن التاسع عشرة وبداية القرن العشرين.
إن مراجعة وثائق أحزاب الحركة الوطنية في البلدان الثلاثة، تونس والجزائر والمغرب، ومن ذلك تاريخ لجنة المغرب العربي ومكتب المغرب العربي في القاهرة، ونجم شمال أفريقيا، وغيرها، تثبت أنه لا يوجد أبدا ذكر لشيء اسمه الشعب الصحراوي.. لقد ظهر هذا المصلح في بداية السبعينيات، مع ظهور حركة البوليزاريو، وفي اطار صراع ايديولوجي كان يعصف بالعالم والمنطقة آنذاك.
إن الذين صنعوا البوليزاريو، واسطورة الشعب الصحراوي، لم يصنعوها لأنهم يعتقدون بوجود شعب يسمى الشعب الصحراوي يجب نصرته، بل في إطار سعيهم لاطاحة نظام كانوا يصفونه بأنه اقطاعي وامبريالي..إلى غير ذلك من الأوصاف القبيحة التي كانت ترددها الحركات اليسارية والأنظمة السوفياتية لأعدائها.
و أما ابراهام السرفاتي وغيره من غلاة اليسار فقد كانوا يعتقدون بأن اقامة جمهورية حمراء في وادي الذهب والساقية الحمراء، سيعني اقامة قاعدة لانطلاق الثوار الحمر لتحرير بقية أجزاء المغرب، أما الآن وقد سقطت مقولات الصراع ضد الامبريالية، فقد بادر هؤلاء الشواذ من المغاربة إلى مراجعة مواقفهم، وإن أكثرهم تطرفا أضحى لا يقول اليوم بأكثر من حكم ذاتي لسكان الصحراء.
إن المتفحص في حقيقة وجود شعب اسمه الشعب الصحراوي، سيجد أن الصحراويين عرب ومسلمون، كغالبية المغاربة..لا يشكلون أقلية دينية، أو أقلية لغوية، أو أي أقلية من أي نوع، كما أنهم ليسوا طائفة، وليس ثمة ما يميزهم في أي شيء، في العادات والتقاليد عن بقية سكان الجنوب المغربي، الذي هو ذو طبيعة صحراوية.
ثمة خصوصية واحدة لسكان الصحراء، وهي أنهم كانوا مستعمرين من قبل اسبانيا، فهل يمكن أن يسمح قياسا بالقول أيضا بوجود شعب سبتة وشعب مليلية وشعب سيدي افني وشعب طرفاية، وقبل ذلك شعب الجديدة، وشعب أصيلة، وشعب آسفي، لأن هذه المناطق والمدن كانت جميعها مستعمرات اسبانية أو برتغالية..
إذا كان كثير من العرب يستهجن أن يقال شعب تونسي، أو شعب جزائري، أو شعب مغربي، ويؤكد بالمقابل على أن الحدود هذه صنيعة المستعمر، وأن هناك شعبا واحدا هو الشعب العربي، فكيف ببعض العرب يقبل اختراع شعب صحراوي، لا يذكر التاريخ أنه كان يملك يوما تاريخا سياسيا، أو قامت على الأرض المقصود بها دولة أو امارة.
ثم إن النظر إلى الأمور من وجهة نظر المصلحة، سيتئاءل عما إذا كان من مصلحة سكان الصحراء أن تكون لهم دولة مستقلة، فهؤلاء لا يزيدون عن نصف مليون شخص، من منظور علم التنمية ليس لهذا العدد أن يقيم دولة.
إن نصف مليون شخص لا يمكن أن يقيم دولة أبدا، اللهم إلا إذا كانت محمية، أما دولة حقيقية فضحك على الذقون، وسيكون مثال هذه الدولة التي يراد اقامتها، موجود في موريطانيا، وفي دول ما يسمى بالساحل الصحراوي، التي هي أفقر دول العالم وأقلها تقدما، حيث لا يتجاوز دخل الفرد السنوي فيها 300 دولار.
إن زعيم البوليزاريو محمد بن عبد العزيز يحلم بأن يقيم فقط كيانا سياسيا ليكون هو رئيسا من نوعية الرؤساء العرب، رئيسا على دولة الحزب الواحد، والزعيم الأوحد والديكتاتورية والتعذيب والقهر..ومثاله ما يحدث في مخيمات تندوف، حيث تحتجز هذه الحركة الباقية من تراث الماركسية السوفيتية في المنطقة، بضعة آلاف من النساء والأطفال والشيوخ، زاعمة أنهم الشعب الصحراوي.
إن من مصلحة سكان الصحراء التشبث بمغربيتهم، لا الانسياق وراء مشاريع التضليل والانفصال، فالمغرب أفضل لهم على كافة الأصعدة، ولعل أبرز دليل على ذلك، أن سكان الصحراء لديهم الآن أفضل مستوى عيش في المغرب، مقارنة مع بقية الأقاليم، ومقارنة أيضا بسائر سكان الصحراء الكبرى في كافة الدول الصحراوية.
إن دخل الصحراويين اليوم في ظل الحكم المغربي 4 مرات أفضل من نظرائهم الصحراويين في موريطانيا، و لعل بعض الموريتانيين يعضون أصابعهم اليوم ندما على قرارهم الاستقلال عن المغرب في دولة لا تملك أي مقومات للاستقلال والتنمية.
إن حديث البعض عن احتلال مغربي للصحراء، ليس سوى محض افتئات وافتراء، فالصحراويون في المغرب مواطنون من الدرجة الأولى، يقفون على قدم المساواة مع كافة المواطنين المغاربة، ومنهم الوزراء والسفراء والولاة والمسؤولون الإداريون الكبار، إذ ليس ثمة أي نوع من التمييز ضد سكان الصحراء، بل ان الشكوى من الكثير من المواطنين المغاربة، أن للصحراويين تمييزا ايجابيا، في التشغيل والتطبيب والاسكان وسائر المرافق العامة، من قبل الدولة والحكومة.
لقد رحلت اسبانيا و لم تترك في الساقية الحمراء ووادي الذهب، غير خيام ووجوه تهيم على وجهها في الصحراء، وراء أكل جمالها والمرعى. أما الآن فالصحراء أكثر الأقاليم المغربية نماء، وما صرف على الصحراء من خزينة الدولة المغربية يفوق كل تصور أو اعتقاد.
ان حديث البعض عن الشرعية الدولية، ينم عن رغبة في تصوير هذه الشرعية وكأنها معصومة من الخطأ، في حين يعلم الغالبية أن الكثير من القرارات الدولية إنما تؤخذ وفقا لموازين قوى ليست دائما مبدئية أو مثالية، وكذا الحال بالنسبة للقرارات الدولية الخاصة بقضية الصحراء.
إن الحماسة التي يبديها بعضهم للرئيس الجزائري الراحل بومدين أو غيره من الزعماء، لا يجب أن تحجب عنهم الأخطاء التي ارتكبها هذا الزعيم وهؤلاء الزعماء..والحق أن بومدين أخطأ في كثير من القرارات الخاصة بالمغرب والمغاربة، وكان في سلوكه الكثير من نكران الجميل، لبلد لم يبخل بمساعدة الثوار الجزائريين منذ المولى عبد الرحمان مع الأمير عبد القادر، وحتى محمد الخامس طيب الله ثراه مع الثورة الجزائرية.
إن المغرب لا يجب أن يلام على سعيه الدائم لتجنب الحروب مع الأشقاء، ومن ذلك تنازله عن نصف الصحراء لموريطانيا عام 1976..لقد كان الهدف تجنب اراقة الدماء، أما وقد ضعفت موريتانيا وقررت الفرار من المعركة ضد الانفصال، فقد كان ضروريا تحمل المسؤولية، وأن يأخذ المغرب حقه الذي تنازل عنه للأشقاء.
أما حديث البعض عن أنه ليس للحكومة الجزائرية في شأن البوليزاريو شيء، وأن الأمر يتعلق فقط بمساعدات انسانية تقتضيها مبدئية الدولة الجزائرية، فالرأي أنه حديث يصعب الاقتناع به، لأن الدولة الجزائرية لم تكن مبدئية باستمرار حتى مع مواطنيها، ثم ان نزعة التعالي على الأجوار، والاحساس بالتفوق ازاءهم الذي يبلغ أحيانا درجة المرضية، مسألة معروفة، و قد تحدث عنها باسهاب، وفي أكثر من مناسبة، علماء السياسة والاجتماع الجزائريون أنفسهم..
إن سكان الصحراء سيظلمون كثيرا إن جرى تشجيعهم على التفرقة والانقسام، بدل تشجيعهم على الوحدة والانسجام، و إن مما يزيد من طمأنة الصحراويين على أنفسهم ومستقبلهم، أن المغرب يحث الخطى نحو اقامة ملكية دستورية حقيقية، وديمقراطية تعددية فعلية، تتيح للجميع حق التعبير عن الذات والمساهمة في مسيرة النماء والإعمار.
الكاتب مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي - لاهاي
