لقاء شامل مع تركي الدخيل (1-3)

حاوره عبدالله المغلوث: لم تعد أحلام الصحافي السعودي مسجونة في صدره، كعصافير بأجنحة ناقصة، لم تعد تلك الأمنيات التي يطلقها الأصدقاء صغارا على مسامع الجدات ذنوبا ينصرفون عنها، لايركضون نحوها، لم تتبخر التلفزيونات التي يزرعها الأطفال في دفاترهم وينبت في داخلها مذيعون باسمون! ظهور تركي الدخيل و إعلاميين مزدهرين أخيرا في السعودية أعاد الثقة لـ شبان طالما رددوا بأصوات مخبوءة رغبتهم في الحلم.
تركي يشبهنا تماما، كان يغطي صباحا كتبه المدرسية بسجادة تعيش في داخلها صورة الحرم المكي الشريف وبوصلة تسافر بإتجاه القبلة، طبعت عليها أمه رائحتها ودعواتها، يلفها بعناية ويحملها ويرحل الى المدرسة المتوسطة التي شهدت محاولاته الاذاعية الأولى، وعلى بلاطها فرش سجادته وصلواته وعلى جدرانها نقش تجاربه الصغيرة ...
المذيع في قناة العربية تركي الدخيل يتذكر عندما قال لرئيس تحرير مطبوعة سعودية: "ان الرياضة تلهي شباب الأمة عن الواجبات التي يجب أن يضطلعو بها وبالتالي فانا لا استقيل فحسب بل ادعوك ومن خلفك الى ان تقتدو بي وتحذو حذوي".
3 حلقات يحقنها الدخيل (31 عاماً) في عروق (ايلاف)، يرد عبرها على خطيب هاجمه في صلاة الجمعة، يروي تجربته مع الالتزام، الصحافة، وبرنامج اضاءات.

هروب من المدرسة
نشأ تركي محموما بالأنشطة اللامنهجية، مأخوذا بالمناشط الثقافية: " لم أكن خارقاً. كنت كباقي جيلي. صحيح اني لم أكن امضي الى مدرستي راجلا لأن والدي اختارا لي مدرسة بعيدة عن المنزل ما يقضتي استخدام السيارة". ارتبط بالمايكرفون باكرا، قبض عليه بضمير، يهتز منزل أسرته عندما يحين موعد ظهوره: "لا زلت اذكر اني كنت مهتماً كثيراً بالاذاعة المدرسية، وعندما يحل يوم اعدادي لها فإني كنت أقلب البيت ليلتها، ولا زلت اذكر اني كنت اخرج للمدرسة قبل ان يبزغ الصباح استعداداً لدقائق خمس كنت أقوم فيها مرتجلاً التقديم امام المدرسة التي كان عدد طلابها كبيراً مقارنة ببقية المدارس".
يفشي لي سراً: " تصدق أني كنت أهرب من الثانوية، ولكن ليس إلى حيث يقضي اقراني وطرهم، أو يستنفذون متعتهم، بل إلى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، حيث كنت أقرأ فيها كتباً بعيدة عن المنهج الذي يلزمني به أحد. من امتع اللحظات التي كنت اعيشها لحظاتي هارباً من دراستي، إلى اختياراتي من القراءة. هل هذه فلسفة، أم سفسطة، أم شيء آخر؟ أصدقك أيضاً أني لا ادري!"، يتابع: "وسط هذه الظروف وغيرها نشأت يا سيدي عندما كنت يافعاً".
جريدة الرياضية التي تصدر من الشركة السعودية للابحاث والنشر وتصدى لرئاسة تحريرها عند بدايتها الصحافي الرياضي السعودي عبدالعزيز شرقي، خطفت ألباب الكثير، تركي أحدهم، كيف يصف هذه العلاقة مع الصحيفة الوردية (كما يحلو لأنصارها مناداتها)؟ يجيب: " كنت اتابع الرياضة، كغيري من شباب جيلي، الذين لم يجدوا أبواب الاهتمامات مشرعة ليختاروا منها ما يريدون، كانت الرياضة أشبه ما تكون بجهة خلع جدارها كله، فأصبح الفضاء الواسع، والتوجه الجمعي باباً لها، كانت بالفعل أحد متطلبات هذه الحياة ".
الدخيل، لن ينسى ان فريقه المفضل ساهم بطريقة او اخرى في ولوجه عالم الصحافة، يروي لـ (ايلاف) هذه القصة الطريفة: "كنت أتابع في الرياضية مهنية عالية لدى زميلنا الاستاذ خلف ملفي. وفي بداية المرحلة الثانوية قرأت تصريحاً في ثناياها وقع باسم مدير العلاقات العامة في نادي النصر رداً على الزميل الصحافي خلف ملفي، فاستفزني التصريح معتقداً أن أوله ينقض آخره، وآخره ينقض أوله. اتصلت بملفي وسألته بصوتي الطفولي قائلاً: ما موقفك من الرد المنشور اليوم ضدك؟ فوجيء بالسؤال، وتحفظ على الاجابة. قلت له اني اعني انه سيرد أو أن ان نرد نحن". يضيف تركي : "لا ادري لم استخدمت ألفاظ الجمع ونحن التفخيم هنا؟ أكنت أريد ان أغطي على ما بدا من عمري طرياً ومن صوتي غضاً؟ أم أنه فخر من أدرك تهافت الرد المنشور؟ أصدقكم اني لا ادري او لا أذكر"، وتابع الدخيل: "قال لي خلف: هذا أمر متروك لك!قلت له نصف ساعة ويكون الرد على مكتبك". يكمل الصحافي السعودي روايته: "بعد ساعة وصلتُ مقر الصحيفة، وجدتني أمام ملفي الذي امتلأ وجهه بعلامات تعجب تتكاثر بسبب صبي يافع يقف امامه ولم يخط شاربه، مع رد من اربع صفحات يلمح فيه الكاتب الى ان العلاقات العامة بنادي النصر لم تكتب تعقيبها، بل كتبه رئيس النادي، وان من حقه أن يكتب لكن لم لا تكون لديه الجرأة لاعلان شخصيته". يقول تركي ان ملفي قال له: "اسمح لنا بأن نصورك؟ سألت لماذا؟ فقال لننشر صورتك مع الرد حتى لا يعتقد احد اني أنا الذي كتبت الرد. سكت وقد امتلأت نشوة لو وزعت على من كان يمر حينها بشارع الستين في الرياض حيث كانت مكاتب الصحيفة لوسعتهم وزيادة".

دعوات العجائز
مقدم برنامج (لقاء مع الصحافة) الذائع الصيت تيم ريسرت-تبث البرنامج قناة ان بي سي الأميركية صباح كل احد- كان ينهمك بين الحصص واثنائها برسم عجوز بردانة طوال سنوات على كراسته، يقول ريسرت: "لم أنس العجوز التي صرفتُ 3 سنوات في رسمها، قبل ان أفرغ من المرحلة المتوسطة اشتريت لها لحافا طفيفا وضعته امام دفتري ومضيت إلى الثانوية، قطف الله دعواتها من اجلي فصرتُ كبيراُ ويحبني الناس".(من لقائه في جريدة سن –اسنينشل)، تركي الدخيل ماذا كان يرسم؟ يتذكر: " كنت أكتب عبارة واحدة باسهاب, هذه العبارة ترددها عجائزنا ببذخ، انها: يا الله سترك. كنت اتفنن في رسمها منذ كنت صغيراً. اليوم عقلي وقلبي يرددها ويزيد: وستار من خلقك".

يجلس وحيداً في المنزل، يرسم أبوابا لصحف، لكنها لاتفتح، انكسر وانجرح،ثابر حتى وصل إلى المدخل، يفتش تركي في ذاكرته عن تفاصيل بداياته الصحافية: "كنت حينها أحاول ان أدلف ابواب الصحافة، لكن كل شيء كان موصداً".
يحكي عن الباب الأول: "ذهبت مرة الى جريدة الجزيرة مساءاً سألت عن اكبر مسؤول في الجريدة، فقالوا لي انه الزميل خالد الدلاك وكان حينها رئيساً للقسم الرياضي طلبته فنزل ليقابلني عند مدخل الجريدة. قلت له اني رئيس جمعية الصحافة في ثانويتي، وأني أتمنى أن أتدرب على الصحافة. قال لي كيف؟ استغربت اجابته، لكني اجبت: ان اخرج مع من يجري مقابلة لأرى كيف تتم المقابلات، وكيف يسأل المحاور ضيفه. او ان اجلس مع فريق الاخراج لأرى كيف ترسم الصفحات".
باغته الدلاك بسؤال، يتذكره تركي جيداً: "سألني: هل أنت جامعي؟ وكان في شكلي دلالة بارزة على الاجابة. ومع ذلك اجبت بالنفي، ربما تأكيداً للمؤكد. فقال: نحن لا نعين الا الجامعيين. قلت لا اريد أن أتعين. أريد فقط ان أتدرب أن اتعلم. قال لي: ولا ندرب الا الجامعيين. انصرفت منكسراً. وكان من طرائف الصحافة التي واجهتها، اني اكتشفت بعد فترة أن القسم الذي يديره الزميل الدلاك فيه نحو عشرين صحافياً ليس من بينهم الا جامعي واحد هو ليس بطبيعة الحال خالد الدلاك. اصبح الدلاك صديقاً بعدها، وتندرنا على القصة كثيراً".

حديث الأبواب

لم يدفن الدخيل حلمه، مضى الى الباب الثاني، تعالوا نصغي إلى طرقه: "يممت وجهي نحو جريدة الرياض وسألت حارس الامن عن رئيس التحرير. قال لي السوداني مستغرباً بعد ان تفحصني من أعلى رأسي حتى أخمص قدمي. أنت متأكد من انك تريد رئيس التحرير. اجبت بثقة. نعم. قال لي انه مسافر. قلت له: انا لا أريد شخصه. أريد من يقوم مقامه. واصل استغرابه واتصل بالهاتف فقال لي ان هناك سكرتير التحرير الزميل حمد العسكر". هل التقيت سكرتير التحرير؟ يجيب تركي:"نعم، وقال لي ابعث لنا اخبار مدرستك لننشرها في زاوية شباب. كان الملحق الرياضي في الرياض يحتل صفحات الوسط وفي صفحته الاخيرة ثلاثة اعمدة لزاوية شباب. قلت له انا اكره هذه الزاوية. فتعجب. واصلت: لانها تقتطع سطورها من صفحات الرياضة. ابتسم وانهى المقابلة". رغم سخطه من زاوية شباب، انبرى للكتابة في النافذة الوحيدة: " ارسلت له اخباراً من المدرسة منها خبر عن معرض كتاب اقمناه، ونشر بعد ثلاثة اشهر من تاريخ ارساله، بعد ان صرف اصحاب المكتبات كل قرش جاءهم من معرض مدرستنا، لكن ذلك لم يمنع من تكريم المدير لي وشكره وثناءه على ابرازي لانشطة المدرسة".

استقلالية وراتب صغير

كنس تركي أحزانه الصغيرة، لملم أجزاءه، تماسك وانطلق، يتكلم الدخيل عن الصعوبات وكيف تجاوزها، يقول لـ (ايلاف): "خلال هذه الاشهر الثلاثة داهمني اليأس فرأيت ان الصحف لن تستطيع أن تقيمني بمجرد تقديمي لنفسي. فقررت ان اقوم بعمل صحافي متكامل بشكل شخصي، واقدمه ليعبر عني. اخترت موضوعاً يوافق اهتمامي الرياضي آنذاك وهو: أثر الزواج على مستوى اللاعب ارتفاعاً وانخفاضاً".
يضيف: " بالفعل حصل ما اردت. وكان العمل دلالة جيدة لي، نشر بعدها في مجلة الجيل التابعة للرئاسة العامة لرعاية الشباب. بعدها عرفني بعض الصحافيين فانخرطت في صحيفة الشرق الاوسط مراسلاً رياضياً، ثم جاءت حرب الخليج وقدمت تحقيقات وموضوعات في مطبوعات الشركة السعودية للابحاث والنشر فنشرت في المسلمون بضعة تحقيقات وفي الظهيرة التي كانت تصدر مساء لتغطية الحرب من الشرق الاوسط، وعندما خبا نار الحرب ظهرت صحيفة بدلاً من الظهيرة هي الصباحية وكانت فريدة في اسلوبها اذ انها صحيفة يومية تتعاطى مع الاخبار الطريفة والمختلفة ولا تتعاطى مع السياسة بتاتاً، الا من خلال عامود واحد في الصفحة الثانية منها".
عمل في الصباحية، كثر الحديث حول تلك الصحيفة البائدة، ماذا يقول تركي عن تجربته في سمائها؟: "ترعرت بالفعل في الصباحية لكنها كانت نبتة في غير ارضها. فالمجتمع لم يتعود على الصحف ذات التوجه المختلف".
اتجه تركي الى الصحافة في سن مبكرة، ماموقف والده؟ ينهمر: "ساعدتني الصحافة منذ البداية على الاستقلالية وبالنظر الى المرتب الذي كنت احصل عليه والذي بدأ ببضع مئات مقطعة ارباً ارباً في الشهر الذي اعمل فيه كما يفعل المتفرغون، ثم تمدد شيئاً فشيئاً".
أحاديث كثيرة تتناول عدم انصاف الصحافي ماليا، يرى الدخيل: " لا بد ان تعطي الصحافة كلك لتعطيك بعضها... واذكر اني في الوقت الذي كانت مماطلات مالية تمارس معي بدعوى أني مبتديء، كنت منقطعاً تماماً عن الارتباطات الاجتماعية والاسرية، فقد كنت انتظر الخروج من المدرسة لارمي بكتبي الدراسية والتقط لقمة ثم انطلق الى مكتب الجريدة في عكاظ التي انتقلت للعمل في مكتبها في الرياض".
انصرافه عن الواجبات الاجتماعية، خلق اسئلة ترافق والده، يصفها: "خلال تلك الفترة التي كانت المكافآت متقطعة فيها سألني والدي وهو يعمل في التجارة مهنة أسرتي، لماذا انقطع عن اجتماعات الاسرة؟ فقلت له بأن العمل هو السبب. سألني: كم يعطونك راتباً؟ قلت له ثلاثة الاف -مايعادل 800 دولار أميركي- كان رقماً فلكياً بالنسبة لي واخترعته لاني لو قلت له ان شهراً آخذ فيه مائتي ريال وشهراً خمسمئة وثالث اخرج صفر اليدين منه، لأتخذ موقفاً عدائياً من فكرة العمل الصحافي". مارد والدك حينها: "قال لي سأعطيك اربعة آلاف واحضر اجتماعاتنا! قلت له سأحضرها دون ان تدفع لي شيئا. على اعتبار انه تاجر لم يرفض، وعلى اعتبار أني صحافي لم استطع أن اجد وقتاً لاداء هذا الواجب".
لماذا غادر مدينة الرياض؟ سؤال يستيقظ، يجيب الدخيل:" انتقلت من أجل الصحافة وانا في يرعان الشباب الى جدة للعمل في المكتب الرئيسي في جريدة الصباحية بعد ان عدت اليها من جديد لأنهم عرضوا علي فارق 300 ريال عن الراتب الذي كانت تدفعه لي عكاظ وكان 2500 ريال!".

ثوب قصير

بعد عام طرأ تحول مهم وفاعل في حياتك الشخصية، دعنا نصغي إليه، تمطر أصابعه: " أجبرتني والدتي وانا في السابعة عشرة من عمري على الحج. كنت في جدة وقد كانت تطلبني بإلحاح، وتتذرع بضرورة أن أكون محرماً لها ولأختي التي كانت للتو بلغت. وجرياً على عادة يبدو ان معظم اهل القصيم يسيرون عليها فانهم يحججون بناتهم فور بلوغهن، حتى يسقط عن الزوج فرضها، وقد استفدت من هذه الخدمة بعد زواجي... حقاً انه عدل بيّن".
يتابع حديثه لـ (ايلاف ): "بعد موافقتي اغتسلت ونويت الحج، واستقليت سيارة اجرة وقد بدأت أفكر في كيف ستكون حياتي بعد الحج، فخلقت تصوراً اني سأصبح مسلماً متنوراً أحافظ على الواجبات، لكني سأظل استمتع مثلاً بالموسيقى التي كانت تلامس شغاف قلبي. كانت والدتي تحج في حملة تابعة لشقيقها، وهو عضو فاعل في جماعة التبليغ، ويبدو ان اتفاقاً نشأ بينهما لاختيار شخصية لافتة تلازمني للتأثير علي، لجهة تحويلي ملتزماً كما كنت أيام المتوسطة". شعر تركي ان هناك اتفاقا بين امه وشقيقها لتغيير أسلوبه، يقول:" انا مولع باللماحين والاذكياء، واختاروا شخصاً متوقد الذهن، حاد الذكاء، فلزمته باستمتاع طوال الحج، وعدت من حجي ملتزماً احمل هم الأمة على كاهلي الصغير آنذاك".
ماذا فعلت فور عودتك؟ يرد: "عدتُ بثوب الى نصف الساق من رحلة الايام الاربعة الى الحج وطتبت خطاب استقالة الى رئيس تحرير (عالم الرياضة) على غرار رسائل: اسلم تسلم، فإن توليت فإن عليك اثم شباب الأمة جميعاً!".
ماذا قال في صدرها: "قلت له ان الرياضة تلهي شباب الأمة عن الواجبات التي يجب أن يضطلعو بها وبالتالي فانا لا استقيل فحسب بل ادعوه ومن خلفه الى ان يقتدو بي ويحتذو حذوي". وكيف كانت اجابته؟ "رد علي رئيس التحرير بأنه طوال ربع قرن من العمل في الصحافة لم يسمع او يقرأ استقالة كهذه، ودعى الله ان يفتح عليه كما فتح علي!غني عن القول اني انتشيت باشاراته الى فتوحات الله على العبد الفقير الى الله".

يتبع