حوار شامل مع المفكر السياسي والباحث الموسيقي العراقي حسقيل قوجمان (1/3)

حاوره حسين السكاف: حسقيل قوجمان، مفكر سياسي، عاش الحياة السياسية العراقية الحديثة منذ نشأتها بداية القرن المنصرم، ودخل السجون العراقية لأكثر من عشرة سنوات، عاصر كبار وأوائل السياسين العراقيين من مؤسسي الأحزاب والمنظمات، كتب العديد من المقالات السياسية وترجم الكثير من الدراسات والمقالات. له أكثر من كتاب سياسي، نذكر منها " ثورة 14 تموز في العراق وسياسة الحزب الشيوعي - نشر في المملكة المتحدة 1985 " وله أيضاً " ماركس وماديته الديالكتيكية - نشر في المملكة المتحدة 1981 " وكذلك " ستالين كما فهمته - نشر في المملكة المتحدة عام 2000 " وكان قبل ذلك قد أصدر قاموس عربي - عبري في ثلاث مجلدات. وهو أيضاً باحث موسيقي عراقي تعد مؤلفاته من البحوث المهمة في تناول تاريخ الموسيقية العراقية ورجالاتها الذين تركوا بصماتهم الواضحة على مسيرة الأغنية والموسيقى العراقية. ومن مؤلفاته في هذا المجال كتاب " الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق - نشر في المملكة المتحدة 1978 " وكتاب " المقام تراث موسيقي عراقي - نشر في المملكة المتحدة 2001 " وهو كتاب منشور باللغة الإنجليزية، حصل على شهرة كبيرة في إنكلترا والدول الأوربية. وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق أعيدت طباعة بعض كتبه بالإضافة إلى جمع بعض مقالاته التي نشرها في عدة أماكن في كتاب صدر أخيراً في بغداد في 472 صفحة، وهذا يعود السمعة الكبيرة التي يحظى بها قوجمان في العراق. إلتقيته في العاصمة الدانماركية كوبنهاكن التي زارها للمرة الأولى بدعوة من المثقفين والكتاب العراقيين، وهناك أجريت مع هذا الحوار.

الحياة داخل العراق

* دعني أبدأ معك من البدايات، فهل تحدثنا عن الجو العائلي الذي نشأت فيه؟

- ولدت في بغداد، في 14 شباط 1921، لعائلة متعددة الابناء، وكان ترتيبي التاسع من بين 11، ثلاث منهم بنات وثمانية اولاد. كان والدي صباغا بالنيل ولكنه اضطر خلال الحرب العالمية الاولى الى السفر الى العمارة هربا من الجيش التركي، وترك والدتي مع اطفالها لتواصل عمله وتربي هؤلاء الاطفال. وبعد عودته الى بغداد لم يوفق في عمله ثم اصيب بشلل نصفي منعه عن العمل مما ادى الى ان نعيش في ظروف صعبة ماليا خصوصا وان اخوتي الكبار تركوا البيت بعد زواجهم وتخلوا عن العائلة كليا تقريبا ولم يبذلوا لنا ما يكفي لإعالتنا حتى بصورة متوسطة.

* وما هي الظروف التي كان يعيشها العراقيون من اليهود داخل العراق قبل قرار إسقاط الجنسية عنهم وترحيلهم؟

- دعني أضع نفسي مثل لشريحة كبيرة من اليهود العراقيين آنذاك. كانت فترة دراستي في الثانوية المركزية خلال السنتين الدراسيتين 1937- 1938 و 1938- 1939 صعبة للغاية نظرا لتفشي الحركة النازية بين الطلاب والمدرسين على السواء. وقد ظهر ذلك بأجلى مظاهره بعد عودة الوفد الرياضي العراقي برآسة الرياضي ولاعب كرة القدم الشهير أكرم فهمي في صيف 1938 من مهرجان برلين الرياضي. اشترك في هذا الوفد عدد من مدرسي الثانوية المركزية وعادوا من المهرجان مشبعين بالثقافة النازية الى درجة انهم كانوا يلقون علينا المحاضرات عن المانيا النازية وقدراتها الهائلة، وكانوا واثقون من انها ستنتصر في الحرب العالمية القادمة. وكانوا اثناء ذلك يلقون علينا المحاضرات عن كيفية ابادة اليهود في المانيا وغير ذلك. وقد ساعد على ذلك النادي الذي أنشأته السفارة الالمانية في بغداد "نادي غروبا" على اسم السفير الالماني آنذاك. كان هذا النادي يدفع لكل طالب ثانوي ينتمي اليه مبلغ 250 فلسا في الشهر. وهذا المبلغ كان آنذاك كافيا لتغطية نفقات الطالب من السجاير والسينمات وحتى بعض الوجبات في المطاعم، إذ كان سعر وجبة الكباب مع الطرشي واللبن في مطاعم بغداد 12 فلسا. أما المدرسون فقد كانت رواتبهم من النادي تتناسب مع درجاتهم في وزارة المعارف. لقد سبب هذا الوضع لنا نحن الطلاب اليهود مشاكل كثيرة أثناء الدراسة. فكان يكفي أن يمنع المدرس طالبا يهوديا من الدخول الى الصف لاي سبب كأن، ياتي متأخرا مثلا لكي يقوم مدير المدرسة باشباعه ضرباً وطرده من المدرسة طرداً نهائياً. وبما إننا كنا نشكل أغلبية ساحقة في أغلب صفوف المدرسة آنذاك فقد حدث لعدد لا بأس به من الطلاب اليهود أن طردوا طرداً مؤبداً من المدرسة. قد يتصور البعض من هذا الوصف أن الطلاب غير اليهود كانوا معادين للطلاب اليهود وهذا غير صحيح. لم يكن بين الطلاب من يحقد على الطلاب اليهود لأنهم يهود الا القليل النادر. فقد كنا زملاء لا نميز بعضنا البعض بالدين، وكثيراً ما كنا نسير سوية يداً بيد مع طالب غير يهودي ولا يشعر بأي مضض حين يستعمل قطعة طباشير ليكتب فيها على الجدار "أبيدوا الذباب اليهودي" بدون أن يشعر أنه بذلك يسيء الى صديقه الحميم الذي يسير بجانبه.

* لقد عشت في العراق قرابة الأربعين عاماً، فأين درست وماذا عملت في العراق؟

- انهيت الدراسة الثانوية في 1939 وبعد سنة من البطالة حصلت على وظيفة مدرس في مدارس الطائفة اليهودية الابتدائية. وفي 1947 التحقت بكلية الصيدلة حيث قضيت فيها ثلاث سنوات ولم أكمل دراستي بسبب إعتقالي 19 شباط 1949، وقد جرى اعتقالنا زوجتي وأنا وعدد من أعضاء عائلتي وعائلة زوجتي وحتى والدتي التي تجاوزت السبعين من عمرها. حكم علي بالمؤبد وعلى زوجتي حبيبة بخمسة سنوات ومثلهما لوالدتي. ولم تسنح لي بعد ذلك فرصة رؤية زوجتي او اي من أفراد عائلتي الى حين التقيت بهم في إسرائيل.

* ما هي التهمة التي كانت توجه إليك في كل مرة يتم إعتقالك؟

- في عام 1945 انتميت الى عصبة مكافحة الصهيونية ثم الى حزب التحرر الوطني غير المجاز، وكانت عصبة مكافحة الصهيونية منظمة تضم عدد كبير من اليهود الذين لا يؤمنون بالصهيونية. وبعد اعتقال الرفيق فهد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سنة 1947 أُعتبر كل عضو من اعضاء حزب التحرر عضوا في الحزب الشيوعي وبذلك اصبحت عضوا في الحزب الشيوعي بصورة تلقائية، وهذه هي التهمة التي كانت توجه لي في كل مرة، مكافحة الصهيونية وتبني الأفكار الماركسية.

* بعد فشل ثورة مايس عام 1941، حدثت في بغداد ظاهرة " الفرهود " كيف حدث وما هية دوافعها؟

- بعد فشل ثورة مايس عام 1941 التي قادها رشيد عالي الكَيلاني، حدث الفرهود ضد يهود بغداد وخاصة ضد المحلات الفقيرة. ففي حزيران من ذلك العام، وتحديداً في يوم عيد الزيارة (عيد نزول التوراة) اليهودي، خرج بعض اليهود بأبهى ملابس العيد مبتهجين بسقوط حكومة الكَيلاني لاستقبال الجيش الانجليزي، في ذلك اليوم أطلق عليهم الرصاص فلم يبقى منهم أحد على قيد الحياة. بعد الفرهود الذي حدث لدى إندحار حكومة رشيد عالى الكَيلاني وانتصار الجيش الانجليزي بقيادة الجنرال كلوب "أبو حنيك" وامتناع الجيش الانجليزي الموجود في الصالحية قرب الجسر عن اجتياز الجسر ودخول الرصافة وتشكيل حكومة تحفظ النظام فيها، تركت بغداد بدون حكومة لمدة 48 ساعة، جرى فيها الهجوم على أسواق اليهود وبيوتهم، حيث نُهبت وقتل بعض أصحابها وأغتُصِبَت بعض نسائها، وجراء ذلك حدث تغير هائل على الشبيبة اليهودية. كانت هذه الفوضى التي حدثت في بغداد مقصودة، أراد الجيش الانجليزي منها أن يدخل الرصافة كمنقذ من هذه الفوضى. والبرهان على ذلك هو ما حدث في البصرة. فقد حاول الجيش الانجليزي أن يجري الفرهود في مدينة البصرة ولما لم يستجب شعب البصرة لذلك نزل افراد الجيش الانجليزي الى أسواق البصرة وكسروا الابواب بالبنادق ودعوا الناس الى النهب والسلب.

* قلت أن أحدى التهم التي وجهت إليك ودخلت السجن بسببها هو إنتمائك لعصبة مكافحة الصهيونية، فهل تحدثنا عنها؟

- عصبة مكافحة الصهيونية منظمة أجيزت رسميا لفترة قصيرة وصدرت لها جريدة يومية أصبحت من أكثر الصحف رواجا في العراق. وكانت مقالات العصبة ذات تأثير وطني رائع. وهي ما تزال الى اليوم مصدرا ثقافيا ثمينا لمن يريد معرفة ظروف النضال الثوري الحقيقي في العراق. وأصبح للعصبة مقر في الصالحية قريب من دار الإذاعة العراقية وكانت اجتماعاتها الاسبوعية اجتماعات ثقافية رائعة زاخرة بالخطابات الوطنية والقصائد الشعبية وقد تقدم العديد من الشخصيات الوطنية والسياسية العراقية لإلقاء الخطب والمحاضرات فيها. ومن اهم منشوراتها كان كراس "عصبتنا" الذي نشر باسم رئيس العصبة, يوسف زلخة، ولكنه في الواقع من مؤلفات فهد، إذ لم يكن يوسف زلخة قادراً على كتابة سطر واحد من هذا الكراس الذي عالج القضية الفلسطينية معالجة ما زالت حية حتى يومنا هذا. وكان الكثير من الشخصيات اليهودية يشجعون العصبة ويتبرعون بسخاء لمساعدتها. ولكن الحكومة العراقية آنذاك لم تحتمل هذا النشاط الوطني الرائع والنضال الحقيقي ضد الصهيونية، فألغت اجازة العصبة وأغلقت مقرها واعتقلت عددا من مسؤوليها. وفي 28 حزيران 1946 قامت أكبر مظاهرة في العراق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إحتجاجاً على ذلك، وفيها سقط أول شهيد للمنظمة وللحركة الوطنية العراقية هو شاؤول طويق. وكانت سبعة أيام الحداد في بيت شاؤول طويق اجتماعات سياسية ووطنية رائعة حضرها أقطاب الشعب العراقي من شعراء وأدباء وساسيين وشخصيات اجتماعية ودينية كبيرة.

* ماهي الظروف التي دعت إلى خروجك من السجن بعد أن حُكمت بالمؤبد؟

- قضيت في السجون حتى ثورة 14 تموز 1958 حيث اطلق سراحي مع سائر السجناء السياسيين ثم اعتقلت ثانية في تشرين الاول 1959 بدون محاكمة، حيث تم إيداعي إلى سجن العمارة وبقيت هناك قرابة 27 شهر قضيت 18 شهراً منهم في سجن إنفرادي، وبقيت في السجن حتى اواخر ايام سنة 1961. وفور اطلاق سراحي هربت الى ايران حيث سلمتني الشرطة الإيرانية الى منظمة صهيونية كانت تسفر اليهود الى اسرائيل على حسابها.

* ترى ماذا أعطتك تجربة السجن على صعيد التجربة الشخصية؟

- في السجون تعلمت الكثبر، وفيها بدأت شخصيتي السياسية والأدبية تُظهر ملامحها، ففي نقرة السلمان ونتيجة الفراغ الذي كان لدينا لشحة المحاضرات التي كان يلقيها علينا بعض السجناء المعروفين، قررت أن استفيد من الفراغ بتحسين لغتي الانجليزية. كانت لدينا نسخة من قصة روميو وجولييت لشكسبير فقررت مع أحد السجناء، الياهو كوهين، أن ندرسها معا لتقوية لغتنا. وكنا نستخدم علب السجاير للكتابة. وفي نقرة السلمان أيضاً كتبت أول مقالين في حياتي، ولكن وللأسف لقد أحرقت المقالين بيدي، احرقتهما حسب اوامر المسؤول ولكني ما زلت حتى اليوم اعتز بما كتبته آنذاك لأن المقالين كانا أول موضوع سياسي ونظري كتبته في حياتي، كانا المقالان رداً على مقال طويل بعنوان "المادية الجدلية ثورة في العلم" بقلم ع.ع، لم أكن آنذاك اعلم من هو ع.ع. ولكن بعد خروجي من السجن علمت انه كان عامر عبدالله، عضو المكتب السياسي للحزب. كان المقال بائس ولا يمت للمادية الديالكتيكية بصلة، عندها شعرت بالتحدي فقررت أن انتقد المقال انتقادا تحريريا مفصلا للبرهنة على ان ع.ع. لم يكن يعرف المادية الديالكتيكية ولم يكن مقاله سوى مقال برجوازي مشوه للمادية الديالكتيكية. وفي السجون تعرفت عن قرب بشخصيات عراقية لها تأثير في الحياة السياسية والثقافية العراقية مثل زكي خيري، والفنان رشاد حاتم، وعزيز الحاج الذي إلتقيته في سجن الكوت، وجعفر أبو العيس، والشاعر صالح بحر العلوم وغيرهم الكثير.

وتعلمت كذلك أن سعة المعلومة والإطلاع، سلاح فكري قوي، فهناك من يحاول أن يظهر عضلات ثقافية أو سياسية تحتاج إلى دراية كبيرة لإكتشاف خوائها، ويمكنني أن أعطيك مثال على ذلك، ففي ذكرى ثورة اكتوبر في السابع من تشرين الثاني 1949 احتفلنا حسب التقاليد السجنية. والاحتفال في مثل هذه المناسبات يتألف من شقين. الأول هو اجتماع وخطابات يلقيها بعض السجناء حسب اختيار المنظمة. والثاني حفلة غناء وطرب وتوزيع السجاير والحلويات الى ساعة متأخرة من الليل. وفي هذه الذكرى القى زكي خيري خطاباً عن تأريخ ثورة اكتوبر مع ذكر العديد من التواريخ والوثائق. دام الخطاب حوالى 6 ساعات على جلستين ثلاث ساعات في كل منهما، وعجبنا في حينه من سعة علم هذا السياسي الكبير وعظم ذاكرته. ولكن، وبعد ظهور كتاب " تأريخ الحزب البولشفي " علمنا ان الخطاب كان ترجمة حرفية للفصل السابع من الكتاب.

* قرأت في كتابك ( ذكرياتي في سجون العراق السياسية ) بأنك كنت تحاضر للسجناء مواضيع سياسية وثقافية كانت جديدة على مسامع العراقيين آنذاك، من أين كنت تستمد مادتك وأنت داخل السجن؟

- حاضرت في سجن الكوت وفي فترة 1952 و 1953 مواضيع عديدة لم يتطرق إليها أحد من المثقفين قبلي. فدَرَّست دورة كاملة من الاقتصاد السياسي لاول مرة في تاريخ السجون. اذ أن الفرصة لم تكن كافية لفهد – يوسف سلمان يوسف - لانهاء الدورة التي سبقني إليها. ولم يكن هناك شخص آخر بعد فهد من يستطيع تدريس الاقتصاد السياسي. ولكني لم أقتصر على تدريس الاقتصاد السياسي فقط بل حاضرت كذلك في اسس اللينينية، والقضية القومية، والمادية الديالكتيكية، وفي الوضع الداخلي حاضرت في الميثاق الوطني وشرحته مشدداً على موضوع مرحلتي الثورة في العراق وشروط كل مرحلة منهما والتركيب الطبقي في كل مرحلة. وفي سبيل ذلك قرأت كل كتاب ماركسي وصل الى السجن.

* وفي السجن أيضاً كنت تألف الكتب وتحاضر بها أيضاُ!

- هذا صحيح، ففي سنتي 1952 و 1953 كتبت كتابين. الأول كان حول تأريخ تطور الازمات الاقتصادية في النظام الرأسمالي حتى ازمة 1929. استعنت في ذلك بكتاب من تأليف اقتصادي بريطاني كان متوفرا في السجن. استنسخ كتابي بعدة نسخ وبخط جميل ووضع في مكتبة السجن وكان في متناول السجناء لقراءته حسب رغبتهم. والكتاب الثاني كان حول الديمقراطيات الشعبية في اوروبا وآسيا. وعند الانتهاء منه قررت لجنة السجن ان أُدرسه لها في الليالي. ولم تسنح للسجناء الباقين فرصة قراءته نظرا لبدء مضايقات المجزرة. اضافة الى ذلك قمنا موشي اخي ويعقوب منشي وأنا بترجمة كتابين لستالين هما قضايا اللينينية والقضية القومية وهما كتابان ضخمان قد يتجاوز مجموع عدد صفحاتهما 700 صفحة أرسلناها الى الحزب بمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر في تشرين الثاني 1952 وبعد اسبوعين او ثلاثة اسابيع وصلت رسالة من الحزب الى المنظمة وفيها عبارة صغيرة تقول: "لقد قمتم بعمل جيد ولو انه لا يخلو من اخطاء فظيعة". ولا أحتاج هنا الى تعليق لأننا حين التقينا ببهاء الدين نوري, سكرتير الحزب، اكتشفنا انه لم يكن يفقه كلمة واحدة مما كان مكتوبا في الكتابين.

وعودة إلى سؤالك السابق حول ما علمتني إياه تجربة السجون، أقول، في سجن بعقوبة الذي إنتقلنا له قادمين من نقرة السلمان في أواخر عام 1956 وبقينا به حتى قيام ثورة 14 تموز 1958، تعلمت عروض الشعر، من خلال شاعر شاب اسمه عدنان كان صديقي في نقرة السلمان، طلبت منه بالمراسلة أن يعلمني عروض الشعر. وفعل ذلك وبعد أن علمني ما كان يعرفه من العروض اقترح امتحاني بأن انظم شيئا فنظمت قصيدة من عشرة ابيات حين قرأها كتب لي "أنت شاعر".
ومن الأمور الضريفة أتذكر أني كنت بحاجة إلى الورق الذي كان ممنوع علينا لغرض المراسلة بيني وبين رفاقي من السجناء، فسجلت نفسي مدخنا رغم اني لم أكن مدخنا في حياتي. والمدخنون نوعان؛ قسم يفضل السجاير والقسم الآخر يفضل لف السجاير وكنت أنا ممن يفضلون لف السجاير مع انه لو طلب مني أحد أن الف سيجارة لما استطعت ذلك. كنت استعمل ورق اللف للمراسلات. كانت لدي قطعة من رصاص قلم الرصاص أدحسها في يدة أداة الحلاقة واثبتها بورقة واستخدمها بدل القلم وبهذه الطريقة استطعت ان انجز كافة المراسلات خلال وجودي في سجن بعقوبة.

* هل صحيح بأنك تجديد اللغة الكردية بالإضافة إلى الإنجليزية والروسيسة، ترى أين تعلمت اللغة الكردية؟

- في تشرين الاول سنة 1959. تم إعتقالي مرة أخرى، وسجنت في سجن العمارة، وهناك تعلمت اللغة الكردية .. كان في أحد الأجنحة الخاصة من السجن حوالى ثلاثين محجوزا من الأكراد، وفي الاشهر الثلاثة الاخيرة من سنة 1961 حولتني ادارة السجن للعيش معهم، ربما كان ذلك عقابا لي كما تعتقد إدارة السجن في العيش بين الأكراد. بقيت مع الأكراد حوالى ثلاثة اشهر كانت من احسن الايام التي قضيتها في سجن العمارة. استطعت خلالها أن أسس حلقات ثقافية بمواضيع شتى كانت تختزنها ذاكرتي اذ لم تكن لدينا كتب نستعين بها. هناك تطوعوا لتعليمي اللغة الكردية فتعلمت الكردية كتابة وكلاماً، حتى أن بعضاً منهم طلب من عوائلهم ان يجلبوا الكتب المدرسية لتعليم اللغة الكردية لمساعدتي، ولدى اكتمال ثلاثة اشهر على تعلمي اللغة الكردية احتفلنا بذلك، والقيت كلمة باللغة الكردية. كان عدد من هؤلاء الأكراد يحوكون محافظ من الخرز ويرسلونها الى ذويهم لبيعها والاستفادة من اثمانها للعيش. وقد تعلمت حياكة المحافظ منهم ونجحت في حياكة ثلاث محافظ من الخرز بقيت الثالثة وهي اكبرها غير مكتملة لأنهم اطلقوا سراحنا قبل اكمالها.

* هل صحيح بأنكم أصدرتم مجلة في سجن نقرة السلمان عندما أعادوكم إليه من سجن الكوت؟

- فكرت بوسيلة فعالة في تثقيف السجناء بصورة ناجعة ومستمرة. ففكرت في تحرير مجلة سجنية أسميتها "صوت السجين الثوري" وأصبحت رئيس تحريرها، وكتبت اكثر مقالاتها. كانت المجلة تصدر كل اسبوع وكان لهذه المجلة تأثير رائع على السجناء. فبالإضافة الى قراءتها أخذ بعض السجناء يشتركون في كتابة مواضيع حسب مستواهم كنت انقحها وانشرها.

[email protected]
[email protected]