مغامرة الماروق: هل خدمت نجوى كرم؟
مي الياس من تورونتو: من يتابع أعمال المخرج سعيد الماروق يلمس بدون ادنى شك رغبته في محاكاة آخر الصرعات الهوليوودية في عالم الإخراج، فهو لا يفتأ بين الحين والآخر وكلما سنحت الفرصة وتوفرت المقدرة الانتاجية من تقديم اعمال ضخمة ينزع فيها الى الإبهار وتحدي الذات ابداعياً، فمنذ اول اعماله حتى اخر اعماله تجد ان للافلام الأميركية تأثيراً كبيراً على افكاره وتقنياته التي بدأت كمحاولات بسيطة مع الفنان رامي عياش، وتطورت قليلاً في اعماله مع عاصي الحلاني في و"إن كان عليا "(Interview with the vampire) وصولا الى" غالي" وفيلم (Matrix) .
وربما كانت تجاربه مع عاصي الحلاني في هذا المجال موفقة أكثر ومناسبة لشخصية الحلاني الفنية التي تلونت ولم تنطبع بأسلوب غنائي ثابت او بشكل فني معين (Image).
ولكن عندما يقدم الماروق عملاً لفنانة كنجوى كرم عليه ان يأخذ بنظر الإعتبار ان لها نهجاً غنائياً خاصاً وقاعدة جماهيرية مختلفة جداُ ولا تتقبل منها أي شيء.
لن نختلف على مهارات الماروق كمخرج وتمكنه من ادواته بشكل يثير الإعجاب، ولكن لابد من أن نتوقف عند مخاطرته بإسم الفنان الذي يتعامل معه .
سعيد في عمله المصور الأخير مع الفنانة نجوى كرم إنساق وراء تجاربه السينمائية ونسي انه لا يتعامل مع ممثلة يحق له تشكيلها كيفما شاء، وانما مع نجمة غنائية جماهيرية قد تتضرر كثيراً اذا لم تكن عناصر العمل محسوبة ومفصلة على قياس نجوميتها.
واذا توقفنا عند كليب "بهواك/ شو مغيرة" يتبادر السؤال الأول الى الذهن عن جدوى (بتر ومن ثم ربط اغنيتين لا يجمعهما شيء لا من ناحية اللحن ولا المضمون في كليب واحدتصل مدتهالى ست دقائق تقريباً)؟!!
بالتأكيد العامل لم يكن مادياً بعد اطلاعنا على الميزانية المرصودة للعمل والتي قيل انها قاربت الـ 230 الف دولار. فهل كان لهذا الدمج مبرر فني او ابداعي...؟!
لم نلمس ذلك فالأغنيتان مختلفتان جداً وكان من الممكن ان ينجحا بشكل مستقل بشكل افضل بكثير لو صورتا منفصلتين.
والسؤال الأهم ما علاقة الأغاني وعلى الأخص أغنية بهواك (كلحن ومضمون) بالصحون الطائرة والعوالم العجيبة التي ذكرتني بالعاب البلاي ستيشن او بعض مشاهد فيلمي (Independence Day) و (The fifth element)؟
لم نجد اية علاقة سوى ان روتانا مستعدة لدفع ميزانية كبيرة لعمل ضخم لفنانة بمستوى نجوى كرم تبحث عن فكرة جديدة وعودة مبهرة بعد غياب، فأحب الماروق أن يستغل ذلك لإشباع رغبته في التجريب لكن فاتته مراعاة فيما إذا كانت افكاره المستوردة كما هي، تتلاءم مع اللحن والمضمون المقدم في العمل وتأتي بنتيجة منسجمة معه!
فنجوى كرم ليست شنايا توين والاغاني التي تصور بهذه الطريقة يجب ان تكون متكاملة العناصر ومتوافقة، وغالباً ما تكون ايقاعية وسريعة ولا يوجد فيها عنصر درامي طاغي كما هو الحال في أغنيتي نجوى كرم اللتين تم انتقاءهما لهذا العمل.
قيل لنا ان الفكرة هي ان نجوى مخلوق قادم من الفضاء الى الارض تأسر سكانها بصوتها وتعيدهم باغنياتها الى ايام الدفء والعلاقات الانسانية. لكننا نرى نجوى وهي تغني اولاً، ومن ثم نراها تهبط من السماء، بينما كان من المفروض ادراج مشاهد الإبهار والناس وهم ينظرون الى السماء، قبل ان تبدأ نجوى بالغناء....
المشكلة لم تكن بسذاجة الفكرة التي تم تفصيلها على مقاس مشروع الماروق، المشكلة هي انه لم ينجح في اقناعنا بفكرته... فالتناقض المقصود بين اغنية بهواك الشعبية اللبنانية المغرقة في المحلية والعوالم الباردة التي تنتمي للمستقبل والتي تعود لتتعرف على الحب من خلال الفنانة التي تهبط عليهم من الفضاء لم يتحقق بالشكل المطلوب.
فماكياج نجوى الساذج والمبالغ به دون مبرر في الجزء الأول لم يقدمها على انها شخصية مريخية ولم يجرؤ الماروق على ان يلبسها قناعاً يظهرها بالشكل المتعارف عليه للمخلوقات الفضائية (على نسق اقنعة مايكل جاكسون في اعماله المصورة مثل ثريللر مثلاً والتي تتناسب والشخصية التي يقدمها).
لأن الفنان العربي - الا فيما ندر- لا يمتلك هذه الجرأة ولا ينظر للعمل المصور على أنه عمل فني له ابعاد ابداعية سينمائية بقدر ما يهتم بمظهره وشكله وان يكون فائق الجمال والابهار والجاذبية، فالمغني ليس ممثلاً ولن يقبل تقمص الشخصيات غير المألوفة بالكامل، وهي مشكلة واجهها الماروق مع نجوى سابقاً في كليب ليش مغرب حيث ظهرت شديدة الأناقة بشكل يتعارض مع الحال المأساوي الذي تقدمه في الأغنية وكان على الماروق ان لا يكرر الخطأ مرة أخرى.
نجوى بدت - كمخلوق فضائي- اكثر أرضية وطبيعية من سكان الأرض أنفسهم في كليب الماروق... وهي جزئية متناقضة، فبالعادة يبدو سكان الفضاء اكثر بروداً من سكان الارض لا العكس في افلام الخيال العلمي التي يحاول الماروق محاكاتها هنا.
وصدف انني شاهدت بالأمس فيلم جوليان مور The forgotten وبدا المخلوق القادم من الفضاء والمتنكر بشكل الانسان اقرب لشخصيات الماروق الارضية من نجوى كرم في اسلوب حركته وتفاعله مع محيطه.
وربما السبب في هذا ان الماروق جمع اكثر من مشهد مقتبس من افلام مختلفة فاختلطت عليه الشخصيات والعوالم وفقدت المشاهد منطقيتها المستقلة.
فالأفلام التي تصور المخلوقات الفضائية (Aliens) تظهرهم بشكل منفر وتركز على انسانية المخلوقات الارضية والافلام التي تصور الارض المستقبلية تصور الشخصيات على انها روبوتية وباردة وهنا جاء الخلط ودمج العوالم فكانت النتيجة غير مقنعة.
ولم أفهم ما جدوى الإصرار على استخدام الغرافيكس في الجزء الثاني (شو مغيرة) اذا كانت الفكرة ان تستدرجهم من الحياة الروبوتية الاصطناعية الباردة لحياة اكثر طبيعية وبساطة ودفئاً؟
لم لم يعمد الماروق لتقديم البحر كما هو ليحافظ على توازن العمل بدلاً من الوقوع في مأزق الإقحام والتصنع، فمعظم الآراء اتفقت ان نجوى بدت اكثر جمالاً وطبيعية ونضارة في هذا الجزء الا أن الغرافيكس لم يكن منسجماً مع هذه الطبيعية والنظارة ، لن نختلف بأنه كان ضروريا في الجزء الاول لخلق عالم متخيل ولكن ما جدوى استخدام الغرافيكس لاعادة خلق عالم واقعي وموجود فالبحر هو البحر لم يتغير شكله منذ مئات السنين مهما تطور شكل الارض! والأدهى ان الماروق في حديثه عن الكليب خلال برنامج "اول مرة" قال ان المقصود إظهار نجوى بلوك "برازيلي"، وهذا ما لم نلسمه ابداً في الكليب، وقال ايضاً ان هناك فانتازيا وتخيلات للجنة! هل يمكن ان تكون الجنة بسماء حمراء؟؟؟ ام انها جهنّم كما شاهدناها في الكليب....
اما بالنسبة لأداء الفنانة نجوى كرم التمثيلي فقد أتى ضعيفاً وغيرمقنع في معظم مشاهد الكروما، حيث بدت كالضائعة على عكس مشاهد الجزء الثاني (شو مغيرة) فقد أتى أدائها اكثر طبيعية واقناعاً لوجود شخصيات تتفاعل معها. وهنا يبرز غياب التوجيه الإخراجي لاستخراج الأداء المناسب في هذه المشاهد... اما ما لم نفهمه بالمرة، فهو المشهد الختامي للكليب حيث نرى نجوى جالسة مع اشخاص مجهولين يطرطقون على الكبايات والصحون على شكل ايقاع موسيقي، ما الجدوى منه، لا احد يعرف.
لا شك ان سعيد الماروق نجح الى حد ما تقنياً في هذا العمل، لكنه بالتأكيد لم يمنح نجوى كرم العودة المرجوة والمرتقبة من قبل جمهورها.
