تبدأ الايام العشرة اليوم أو غداً بمثول ارييل شارون امام الكنيست الاسرائيلية حيث يطرح خطته للانسحاب من غزة وفكفكة بعض قليل من المستعمرات اليهودية التي كان هو قد سمح ببنائها وحمايتها على الارض العربية المحتلة. وفي اعتقاده انه سيتمكن هكذا من التسلح بأكثرية برلمانية لا تضطره الى تعديل حكومته، ولو لم تحمه من مثل المصير الذي لاقاه رابين الذي ذهب به، وبالسلام الذي وقعه، اغتيالٌ لم يكن شارون غريباً عن التحريض عليه.
وسواء ظفر شارون بالأكثرية التي يرجو او فشل فيسقط امام النواب ويضطر الى الدعوة الى انتخابات مبكرة، فان الاختبار الديمقراطي الذي يسلك طريقه قد ينقذ، نتيجة الحد الادنى من الديمقراطية المتبقي في الدولة العبرية، المجتمع الاسرائيلي من الانفجار الذي نعتبره نحن محتوم الحدوث لأن خطة شارون لن تحمي الشعب اليهودي من حرب المقاومة... ولو سقطت قيادة ابي عمار الفعلية بسبب اعتكافه الصحي.
ولا خلاص لاسرائيل الا بمجيء حكم جديد يؤمن بسلام مع دولة فلسطينية تكرّسها الشرعية الثورية، من جهة ولو بدا في الأمر مفارقة ومن الجهة الاخرى الشرعية الدولية الملتزمة قيام دولة للفلسطينيين، عاجلاً أم آجلاً، انطلاقاً ربما من اتفاقات السلام المرحلية، كاتفاق ياسر عبد ربه يوسي بيلين، أو ما يتيسّر تحقيقه من مراحل خريطة الطريق، من دون شارون طبعاً.
والارتباط (الديمقراطي، على علاّته) وثيق بين التفويض الذي يناله، أو يفقده شارون، وتأثير ذلك على اختيار الرئيس الاميركي الذي يجري انتخابه في نهاية الايام العشرة المقبلة.
***
والفجيعة العربية هي ان ليس في ما قد يحدث في العالم العربي حكم ينال من الديمقراطية قوة شرعية تمكّنه من ولوج الساحة العالمية للتأثير مقدار ذرة على الاحداث التي يلوح في الافق انها تنتظرنا.
كان يمكن، ويرجى، أن يكون للبنان صوت او دور، على الأقل في حجم دور المرشح الثالث في الانتخابات الرئاسية الاميركية، اللبناني الأصل رالف نادر، الذي قد يؤدي استمراره الى شيء قليل من ترجيح الكفة ولو سلبياً . غير ان ذلك يستحيل ما دام يتمثّل لبنان، نتيجة المهزلة الديمقراطية التي تستمر فصولها اليوم، بثنائي لحود كرامي المخطوف الارادة والسيادة بـ... ارادته الذاتية ... وليس من يفهم ابعاد كلام وليد جنبلاط عن ضرورة تميز لبنان بحريته، واستمرار ذلك، او لا يستمر لبنان!
وبديهي انه بنسبة ما سيمضي حكم الثنائي الهزلي للبنان في حربه على المنظمة الدولية، سيخسر لبنان صدقيته وتخسر شرعيته غطاءها الطبيعي الناجم لا عن انتسابها الى المنظمة الدولية كدولة مفترض استقلالها، بل كأحد مناهل الاشتراع الدولي (مثلاً في وثيقة اعلان حقوق الانسان)، وكأحد المقالع البشرية التي كان منها كبارٌ رأسوا سنوات، باسم لبنان، مؤسسات ومنظمات دولية وقادوها بعقل وعلم ونجاح... وأخيراً كأحد نماذج الرقي الفكري الخلاق، والحياة الحوارية الحرة بين الاديان والثقافات التي تغلّبت على أشنع حروب خاضها الآخرون اعداء واشقاء على أرضنا وبأجسادنا.
فأين هذا اللبنان من ذاك؟
وأين الديمقراطية نعود نغلّبها، وكيف؟
أوَلا نفيق خائفين من تحذير حكيم في وزن المرجع السيد محمد حسين فضل الله من انتاج جديد لأكثر من أزمة سياسية واقتصادية وأمنية قد تُسقط الهيكل على رؤوس الجميع ؟
***
في يوم ثالث من أيام الديمقراطية، الانتخابات الرئاسية المتَوْنسة (نسبةً، مع سحر بعاصيري، الى التونسة ) وهي لا تقل رداءة واحتقاراً للارادة الشعبية عن العسكريتارية الصدّامية البعثية وامثالها...
انتخابات رئاسية مبرمجة سلفاً، ومزيّنة باستفتاء شعبي مقنّع، يجدد الرئيس بنتيجتها الرئاسة لنفسه، وبموجب تعديل دستوري (كما في لبنان، تقريباً) لولايتين اضافيتين تنتهيان سنة 2014...
ولا دولة في العالم تعترض، لأن ليس من خطر على السلام الدولي كما من سوريا ولبنان وفلسطين ولا على مصالح الدول نتيجة ذلك. فاذا استطاب التوانسة هذا المصير، فلا بأس... والعالم ينتظر... ولكن ثمة في العالم، كما في لبنان الصغير المعذّب، أصوات ترتفع وستظل ترتفع، تنعش المعارضات المكبوتة الى ان يحين اوان اليقظة، او الانفجار!
وهنا، لا بد من ان يصرخ الديمقراطيون وهم يصرخون في وجه اميركا بالذات ان حذار ان تكرر اختبار تأييدها لحكم العسكريتاريات المدَّعية التقدمية والثورية والاصلاح والبراءة من الفساد (لأن لا حرية لمن يفضحونّ). هذه الانظمة العسكريتارية فشلت وحفرت قبورها بذاتها وانتهت الى ابتكار جهادات بن لادنية رعتها اميركا الى حين، ثم انقلب سحرها على الساحر في جبهات وجبهات من افغانستان الى الجزائر، مروراً بدول عديدة لا حاجة الى تسميتها الآن.
***
احدى تلك الدول هي عراق صدّام، حيث حالفت اميركا وغذّت نظاماً حارب من أجلها، فتركته يستبد، الى ان صار عليها عبئاً... فاصطنعت حرباً عليه باسم الحرب على الارهاب انقلبت عليها، فصار العراق اخصب حقل لاختبار انواع من الارهاب لم تكن ممكنة من قبل.
وقد تنتصر أميركا في هذه الحرب، بفعل تفوقها العسكري والتكنولوجي، ولكنها ستكتشف، ولعلها اكتشفت ان العالم الذي يؤيدها في حرب على قوى تُرهب الانسانية قدر ما ترهب اميركا بالذات وأكثر... نقول: ستكتشف ان هذا الانتصار ليس وكالة لاقامة امبراطورية (تتبرّأ من الرغبة فيها) ولا الى قيادة العالم ولا حتى الى تزعّمه، بعد قيام قوى في المواجهة تمنع الوحدانية في العولمة، بدءاً بالاتحاد الاوروبي وصولاً الى الصين، مروراً بالروسيا وربما، بعالم عربي اسلامي يفيق الى ان الارهاب المتهم به، وكان بسببٍ من الحاجة الى مقاومة اسرائيل ومؤامراتها الحقل الخصب لنشوء مدارس (بل عصابات!!!) لجهادٍ، الدين منها براء، وهي في النهاية مسارات انتحارية لأنها تتوسل ، كإرهاب الدولة، القوة الصافية ولا رؤية لها مستقبلية نيّرة واعدة.
***
محك الديمقراطية الأخطر والأدهى هو الانتخابات العراقية، على غرابة ذلك، وهي محك لاميركا بقدر ما هي محك للعراق.
فاذا تغلّب الاحتلال على العنف، وتمكّن من حياكة مناخ على قدر كاف من الحرية يمكّن العائلات الروحية العراقية وزعاماتها المشروعة من الـتأسيس لشرعية جديدة، تعبّر عن الطموحات التي كانت منذ ما قبل صدام و بعثيته تسكن النفس العراقية وتُينع الثقافة السياسية الديمقراطية التي حاول الاستبداد اقتلاع جذورها، ولم ينجح...نقول: اذا تغلّب الاحتلال على العنف، ونجح حكم العلاّوي وحلفائه في اجراء الانتخابات في موعدها، يكون العراق قد وضع نفسه، بمساعدة اميركا والعالم لم لا؟ على مثل الطريق الذي سلكته المانيا بعد التحرر من النازية، وايطاليا بعد زوال الفاشستية. واليابان بعد التحرر من عسكريتارية الامبراطور، وقد صارت هذه الدول الثلاث في مصاف المنتصرين عليها في الحرب العالمية، بل أطول ديمومة من الاتحاد السوفياتي الذي كان النموذج الذي ينازع النموذج الديمقراطي ويستقطب ويساعد الدول النامية في ما كان يوصف بـ العالم الثالث .
***
هو هذا ملف التحديات الذي يواجه الناخبين الاميركان في اليوم العاشر...
وهي المرة الاولى بعد الحرب العالمية الثانية التي يختار فيها الناخبون رئيساً للولايات المتحدة لا في ضوء البرامج الداخلية، من الاقتصاد الى الصحة والتربية، فحسب، بل في ضوء احتمالات النجاح او السقوط في ما اصبح حرباً عالمية رابعة ، بعد الحرب الباردة اي الثالثة التي لم يشفَ الاميركيون بعد من نشوة الانتصار خلالها على العملاق الشيوعي الذي نازعهم المكانة الأولى في العالم، لا أكثر ولا أقل.
وثمة ظاهرة لعلها أهم ما يجب على الطامحين الى فهم العالم الجديد التوقف عند مفارقاتها، الا وهي التفاوت في حظوظ المرشحين للرئاسة. ففي حين نجد ان الرئيس بوش متفوق اذا كان المعيار هو الجاذبية القيادية، نرى من الجهة الاخرى ان المرشح المعارض كيري هو المتفوق تبعاً لمعيار المواقف والبرامج... رغم الاقتناع السائد بأن السياسة العامة ستكون ذاتها وتستمر اياً يكن الفائز.
شيء واحد وديمقراطي يطمئن العرب الى ان عودة الرئيس بوش هي الافضل لمصالحنا. وهذا الشيء هو ان لا تمديد بعد الولاية الثانية، وبالتالي لا حاجة لدى الرئيس الى تملّق اسرائيل ومجموعات الضغط الصهيونية واصواتها.
***
الرئيس، هناك، يستعيد حريته عندما يمدد مرة ويقتنع بقدرته على التحرر حتى من الذين ساهموا في التمديد له... اذذاك، قد يكون الحظ في السلام العالمي أوفر، نتيجة امكان الضغط على اسرائيل وكسر الارهاب الصهيوني الذي لا قدرة لأحد آخر على كسره اذا استمر خاطفاً، كما هو الآن، للارادة الاميركية.
في اليوم العاشر، هل نستريح؟
نعم، اذا رافقنا الايام التسعة بالحد الممكن من الديمقراطية. فالديمقراطية، اما ان تكون مزروعة في سلام عالمي، وتكون الى ذلك كونية ، أي ديمقراطية بين الدول لا سيطرة لواحدة على الاخرى... او لا تكون. ولا تكتسب دولة مشروعيتها في المشاركة الكونية اذا لم تكن هي دولة حرة بمواطنين احرار.
وإن لا، تكون حريات الآخرين عاراً علينا.
