تري ما الذي يدعو العالم الغربي الي إعادة التفكير في مفهوم التقدم, ومحاولة إعادة صياغته بما يتفق مع الظروف المتغيرة للمجتمع العالمي؟ هل العولمة بكل تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, والتي قلبت الموازين السائدة هي السبب؟ هل النجاح الاقتصادي في عديد من البلاد والذي رافقته في الوقت نفسه مظاهر سلبية تكشف ليس فقط عن التخلف الثقافي بل عن ردة حضارية حقيقية هو السبب؟ أليست العنصرية الجديدة التي انبثقت في قلب أوروبا المعاصرة, ودعوات التطهير العرقي والتي كشفت عن بربرية حقيقية كامنة خلف النسيج الغربي البراق, مايدعو الي صياغة مفاهيم جديدة عن التقدم الانساني تتجاوز الصياغات القديمة للمفهوم الغربي؟في تقديرنا أن كل ماأشرنا إليه من ظواهر قد تكون وراء البحث عن مفهوم جديد للتقدم. ولكن أعمق من هذه الأسباب جميعا ان الأطر النظرية التي مارست العلوم الاجتماعية والانسانية أبحاثها في ضوئها, والتي سادت بعد الحرب العالمية الثانية سقطت وتهاوت, وبرز قصورها عن فهم الواقع العالمي, واقتراح الحلول لمشكلاته العميقة بعد نهاية الحرب الباردة علي وجه الخصوص.
لقد كان انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية ونهاية النظام الثنائي القطبية, والذي قام علي أساس التنافس والصراع وأحيانا التعاون بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية, إيذانا بسقوط الأطر النظرية القديمة في العلاقات الدولية والسياسية المقارنة وعلم الاجتماع وعلوم الاقتصاد والادارة.وبدأت محاولات ابداعية لصياغة أطر نظرية بديلة أكثر قدرة وأعظم كفاءة في وصف الظواهر وتفسيرها والتنبؤ بها سعيا وراء التحكم فيها إن كان ذلك في الامكان, مع صعوبته البالغة في مجال الظواهر الاجتماعية.
وفي هذا الاطار الزاخر بالنقد والمراجعة والابداع سقطت مفاهيم قديمة, وقامت مفاهيم جديدة, بل أعيدت إلي الحياة نظريات كان قد تم هجرها من قبل.لقد انتهت مرحلة نموذج المجتمع الصناعي الذي انبثق عن الثورة الصناعية الأوروبية, وفتح الباب واسعا وعريضا أمام نشوء مجتمع المعلومات الكوني, والذي هوالتعبير البليغ عن الثورة الاتصالية الكبري ومجالاتها الرئيسية, وأبرزها البث التليفزيوني من خلال الأقمار الصناعية, وشبكة الانترنت بكل آثارها العميقة السياسية والاقتصادية والثقافية. وهكذا برزت مفاهيم لم تكن موجودة من قبل مثل الديمقراطية الرقميةDigital والتجارة الالكترونية والاتصالات عبر الحضارية.
وهكذا يمكن القول أن السعي لاعادة صياغة مفهوم جديد للتقدم يكاد يكون المعادل الموضوعي ـ لو استخدمنا لغة النقد الأدبي ـ لسعي الانسان في هذه المرحلة التاريخية في حياة الانسانية لصياغة مفهوم جديدة لمعني الحياة!
*كيف نشأت فكرة التقدم؟
وفكرة التقدم في تعريفها العام المبسط لاتخرج عن الاعتقاد الذي مبناه أن التاريخ بشكل عام يتقدم تقدما مطردا من مرحلة لأخري في اتجاه تحسن الوضع الانساني المادي في شكل تحقيق حياة أكثر صحة وسعادة وأمنا وراحة, وذلك بالنسبة لأعداد متزايدة من البشر, بعبارة أكثر بساطة فإن التقدم يعني أنه ـ علي المدي الطويل ـ فإن أحوال الانسان سوف تتحسن وترتقي إلي الأفضل.وفكرة التقدم الغربية التي وصلت إلي ذروتها في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر تحطمت علي صخور الوقائع التاريخية البشعة في القرن العشرين, والتي تمثلت في الحرب العالمية الأولي بكل بربريتها التي خاضتها ضد بعضها الدول الأوروبية المتقدمة المتنافسة علي النفوذ العالمي, وبعدها الحرب العالمية الثانية بكل أهوالها, ولا ننسي مقدماتها في ظهور النازية والفاشية, والتي هي تيارات ايديولوجية متعصبة تسير ضد منطق التقدم.غير أن هناك سؤالا آن الأوان لطرحه وهو ماهي المكونات الأساسية لمفهوم التقدم الغربي؟
هناك في الواقع خمسة مكونات أساسية, سبق لعالم الاجتماع الأمريكي المعروف روبرت نيسبت أن حددها في كتابه المعروف فكرة التقدم.وهذه السمات هي الاعتقاد في قيمة الماضي, وثانيا وهي فكرة أساسية كانت أحد أسباب رفض الثقافات غير الغربية لمفهوم التقدم الغربي, وهي الاعتقاد في نبل إن لم يكن في سمو الحضارة الغربية وتجاوزها لكل الحضارات. والسمة الثالثة التركيز علي أهمية النمو بالمعني الاقتصادي والتكنولوجي. والسمة الرابعة الايمان بالعقل والاحترام الشديد للمعرفة العلمية والمدرسية التي تنبع فقط من ا لعقل وليس من أي مصدر آخر. ومن هنا شاعت المقولة في المناخ الفكري الغربي منذ عصر التنوير أن العقل هو محك الحكم علي الأشياء وتبقي السمة الأخيرة في التأكيد علي الأهمية العميقة والتي لايمكن تجاهلها لقيمة الحياة الدنيوية. وربما كان هذا التأكيد ردا علي المفاهيم السائدة في ديانات سماوية شتي والتي مفادها أن الحياة الدنيوية لاقيمة لها اذا ماقورنت بالحياة الآخرة التي وعد بها الله عباده المتقين.
*التمرد علي فكرة التقدم
غير أنه يمكن القول أن موجات التمرد علي فكرة التقدم بدأت مع بداية القرن التاسع عشر. ويمكن رد أسباب التمرد الي عوامل متعددة لعل أبرزها ظهور سلبيات الرأسمالية الصناعية في بداياتها الأولي. ونحن نعلم من تاريخ التصنيع الغربي حيث غابت اجراءات الأمن الصناعي.. أن الآلات كانت تأكل أطراف اجسام العمال, وأن الأطفال والنساء والرجال كانوا يجبرون علي العمل ثماني عشرة ساعة يوميا. ووصل تردي الأحوال الي أن العمال قاموا في بعض الفترات بتحطيم الآلات والعودة الي قراهم الأصلية احتجاجا علي غياب الأمن والأمان.
ولاشك انه من بين الأسباب للتمرد أيضا اجراءات القمع السياسي العنيفة التي مارستها الحكومات الأوروبية غير الديمقراطية ضد الجماهير. وقد أدت كل هذه العوامل إلي تصاعد الشعور بالأزمة الذي وصل الي حد الاحساس بتدهور وانهيار مشروع الحداثة الغربي كله, والذي كانت فكرة التقدم تمثل احدي أسسه. وقد عبر عن أزمة الحداثة الغربية علماء وفلاسفة غربيون كبار علي رأسهم فرويد مؤسس التحليل النفسي, ودوركايم مؤسس علم الاجتماع, وجورج لوكاتس الفيلسوف والناقد الأدبي الكبير.
غير ان بعض الباحثين المرموقين يلفتون نظرنا إلي إنه في الستينات علي وجه الخصوص ـ ربما بسبب الرعب النووي ـ وبعد امتلاك دول متعددة للقنبلة الذرية, وازدياد حدة الصراع بين القطبين الكبيرين, الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية, شاعت مخاوف نهاية العالمApocalypticfears والتي حلت في الواقع محل الآمال التي ذاعت مع الألفية الثانية, مصاحبة لصعود فكرة التقدم, وما زرعته من يقين لدي البشر من أن التاريخ يتقدم من مرحلة تاريخية الي مرحلة تاريخية أخري.ولكن بعد مرحلة التمرد بدأت مرحلة أخري أكثر ايجابية تتمثل في السعي لاعادة صياغة مفهوم التقدم, علي أساس أنه مازالت هناك قوي تستطيع ان تعمل علي إحدات التقدم, وان كان ذلك يدعو الي إعادة صياغة نظرية الحداثة ذاتها.
ولعل أهم ملامح اعادة هذه الصياغة هو التخفيف من حدة الإيمان المطلق بالعقل, والذي كان من مكونات الحداثة الغربية. ذلك أنه حدث في اطار الممارسات الثقافية الغربية سوء استخدام للعقل الانساني, بل إنه سخر للاضرار بالبشرية, ولعل ذلك يظهر أول مايظهر في سباق التسلح العقيم الذي أهدرت فيه بلايين الدولارات علي صنعه أسلحة لم تستخدم إطلاقا, ولم يكن مقدرا لها أصلا ان تستخدم, وفي مقدمتها القنبلة الذرية, لأن في استخدامها مرة واحدة والرد علي ذلك فيه فناء للبشرية.كما أنه لابد في نظرية الحداثة الجديدة من وضع الأسس المتينة لمنع استخدام القوة في العلاقات الدولية, والقضاء علي مصادر العنف داخل المجتمعات وفيما بينها.
وهناك دعوة أخري لتجاوز نظرية التنمية التي سادت قرابة نصف قرن, والتركيز علي نوعية الحياة, والقضاء علي الفقر, والاهتمام بالجوانب المعنوية في الحياة الانسانية, بالاضافة الي النمو الاقتصادي التقليدي, ولعل هذا مادعا لجنة دولية شكلتها الأمم المتحدة هي لجنة حماية أمن الانسان الي صك هذا المفهوم الجديد ونعني حماية أمن الانسان ليحل محل التركيز الشديد علي حماية الأمن القومي. بحيث تنقل بؤرة الاهتمام من الدول إلي البشر في كل مكان, وفق استراتيجيات كونية مصممة للرقي بالوضع الانساني.
وفي سياق الصياغة الجديدة لمفهوم التقدم تم التركيز علي القوي الفاعلة التي يمكن لها أن تنهض بالمجتمعات, وتم الالتفات الي الدور الحاسم للمثقفين في رفع الوعي الاجتماعي والثقافي للجماهير العريضة, بالاضافة الي بروز الدور الايجابي لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني, ونعني الجمعيات غير الحكومية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية. ولعل بروز مايطلق عليه الآن المجتمع المدني العالمي مصاحبا لنمو وعي كوني يركز علي عولمة المشكلات الانسانية, ويتخطي الحدود التقليدية للدول, ويعبر الجسور بين الثقافات المتنوعة, مايشير الي أن مفهوما جديدا كونيا للتقدم تجري الآن صياغته, وتشارك في هذه الصياغة أطراف شتي محلية واقليمية وعالمية بواسطة حوار الثقافات الذي تصاعدت وتيرته في العقد الأخير قد بدأ يتخلق بالفعل, وتتخذ هذه الصياغة اتجاهات شتي, بل وأصبحت له تطبيقات فعالة.
وهكذا يمكن القول أن الانسانية كلها مشغولة عبر دروب شتي في إعادة التفكير في مفهوم التقدم, وان كانت كل ثقافة إنسانية معاصرة تحاول النبش في جذورها التاريخية للعثور علي المعاني الأصلية للفكرة, سعيا وراء الحوار المشترك لصياغة مفهوم كوني لها بما يتفق مع الطموح المعاصر لعالمية القيم بدون أن يكون في ذلك قضاء علي الخصوصيات الثقافية.
