تحقيق ـ عبير الضمراني: العديد من المباني التراثية ذات القيمة التاريخية تم هدمها رغم أنها تحمل ذاكرة الأمة وتعكس للأجيال القادمة أحداثا تاريخية ومعظم هذه المباني يعد تحفة فنية في صنعها او طرازها المعماري النادر أو بما فيها من ذكريات.ومازال مسلسل الهدم مستمرا ويتأهب لإزالة المزيد من هذه المباني
فهل نتحرك لحماية مبانينا التراثية ذات القيمة أم نتركها لتلحق بسابقتها التي تم هدمها؟
في البداية يقول د. أبو زيد راجح رئيس مركز بحوث الإسكان والبناء سابقا ورئيس شعبة الإسكان والتخطيط بأكاديمية البحث العلمي: هناك نوعان من المباني التراثية وليست الاثرية تلك التي يزيد عمرها علي100 عام تتولاها هيئة الآثار وتراها مسئولة عنها.. واول من المباني التراثية له قيمة معمارية تمثل ذاكرة المدينة مثل بيت المرحوم شريف باشا صبري الذي تم هدمه وبناء فندق علي ارضه أمام المريديان وكان مسجلا في كلية البوزار في باريس كقيمة معمارية علي مستوي العالم, وكذلك المباني التي بناها علي بك لبيب جبر ومصطفياشا فهمي وتعتبر علامات مضيئة في العمارة الحديثة.. والنوع الثاني يتمثل في المباني التي شهدت احداثا تاريخية مهمة بصرف النظر عن مستواها المعماري مثل قصر الزعفران الذي تم فيه توقيع معاهدة36 وبيت سعد باشا زغلول وبيت طه حسين رامات
كذلك بيت أم كلثوم الذي تم هدمه بعد ان رأي الورثة ان التعويض المعروض من الدولة ليس كافيا.. ومبني البستان الذي تم هدمه واقيم مكانه جراج البستان علما بأن أول جامعة انشئت في مصر كان مقرها علي ارضه كذلك اول مقر للجامعة العربية
وهناك مبان مهمة مازالت قائمة وهناك تفكير في هدمها مثل مبني نقابة المحامين الذي يجب الحفاظ عليه واعتباره من التراث المعماري فقد بناه لبيب جبر ويعتبر من المباني ذات القيمة المعمارية العالمية ويعتبر ايضا جزءا مهما من ذاكرة المدينة واذا كان اليونان والرومان قد بلغوا درجة الكمال في انشاء الاعمدة فإن اعمدة نقابة المحامين اول اعمدة غير يونانية او رومانية لكنها غاية في الابداع والجمال لدرجة جعلت الخبراء يقولون عنه انه مبني نبيل من طراز النيو كلاسيك.
وفي العالم المتمدين كما يقول د. ابو زيد راجح يعتبرون مثل هذه المباني صرحية وقومية توضع تحت عناية ورعاية الدولة وتحت مسئوليتها وذلك للمحافظة عليها وصيانتها وتحديد الاستخدام الملائم لها.. وبناء علي ذلك فإن العالم المتحضر يخصص جهازا لدعاية عاية هذه الي التراثية ويتولي المحافظة عليها.. أما عن تحديد المبني التراثي فهناك لجان متخصصة من اهل الثقافة واهل الفن واهل العمارة والتاريخ يقومون بهذه المهمة وهم الذين يحددون اذا كان هذا المبني صرحا قوميا تراثيا فيجب الابقاء عليه والمحافظة عليه فتتولي الدولة تقديالتعويض الكافي لأصحابه ثم تتولي رعايته وتحديد استخدامه وهذا بناء علي تشريع فكل هذه المنظومة مشرعة ومقننة وتسجل هذه المباني من حيث أصحابها وورثتها ومهندسوها والحدث التاريخي المهم الذي شهدته وجميع المعلومات والبيانات حوله.. وللأسف لا يوجد في مصر مثل هذا تشريع وليس هناك جهة ادارية منوط بها تحديد المباني التراثية والمحافظة عليها وبالتالي ليست هناك ما يمنع هدم كل هذه المباني تحت أي ظرف من الظروف أو لأي سبب من الأسباب.
مقاولو الهدم
وحول مفردات المبني والاجزاء التي يتم تفكيكها منه بعد هدمه اين تذهب؟ يقول د. أبو زيد راجح ان مقاولي الهدم يعلمون جيدا قيمة هذه الاجزاء فيقومون بهدم المبني وبيع مفرداته سواء لأجانب يعيشون في مصر يعشقون الفن المصري اما لاستخدامها في منازلهم في مصر او لتصدها للخارج وبعض المصريين ايضا يقتنونها ليعيدوا استخدام هذه الاجزاء القيمة.
ويستطرد قائلا: إن الحرب العالمية الثانية هدمت مباني اوروبا ولكنهم اقاموها كما كانت من قبل مثل اوبرا فرانكفورت وكذلك ميونخ تم بناؤها كما كانت ولكننا في مصر الان نتعرض لهجمة شرسة غير متحضره تطمس المعاني التاريخية وتزيل كل ما هو جميل وهنا تجدر الاشارة الين المهندسين المعماريين طالبوا منذ اكثر من20 عاما بإقامة مثل هذا النظام في مصر وتحديد الجهاز الاداري اللازم له واصرار التشريعات اللازمة لتقنينه وعقدت ندوات عديدة في هذا الشأن وتحدثنا كثيرا وكانت اخر ندوة التي عقدت في مكتبة مبارك بحضور السيدة الفاضلة سوز مبارك وتفضلت مشكورة برئاسة اللجنة القومية للمحافظة علي المباني التراثية وقد سعدنا ان التأييد جاء من مؤسسة الرئاسة لهذا الامر الهام واننا سننقذ ما تبقي من مبان تراثيه التي تزخر بها القاهرة والاسكندرية ومدن الاقاليم ونحن في انتظار تحقيق هذا الامل علي ارض الواقع.
انقاذ المباني
وتطالب د. سهير زكي حواس استاذ العمارة والتصميم العمراني بهندسة القاهرة بضرورة انقاذ المباني القديمة ذات القيمة من ان تطولها يد الاهمال والهدم مثل مبني فندق الكونتيننتال في ميدان الاوبرا المزمع هدمه وتحويل موقعة الي حديقة عامة لتوسعة وتجميل الميدان
وكذلك مبني نقابة المحامين الذي تم طرح مسابقة لهدمه وانشاء اخر جديد في نفس الموقع وهو جزء من ذاكرة المكان وتاريخه ويمثل طابع المنطقة الامر الذي يحتم علينا الحفاظ عليه.. أيضا مبني هندسة السكة الحديد توجد نيه لازالته لتوسعة الكوبري ولكن هذ المبني له قيمة يرة حيث تم بناؤه سنة1910, أي بعد6 سنوات يكمل عامه المائة ويعتبر مبني أثريا لكن قيمته ليست أثرية بل تاريخية في إنه من أوائل المباني التي تم تسمية ميدان رمسيس به الذي كان يسمي ميدان باب الحديد وهو مبني شاهد علي جمع الاحداث وعلامة مضيئة في صورة المك
ويكفي ما فقدته منطقة وسط البلد من مبان كانت في حاجة إلي التروي قبل إزالتها مثي مبني مسيو ماتاتيا خلف الاوبرا القديمة وهو مبني سكني تجاري قديم به محلات وبواك تغطي الارصفة واسباب ازالته غير مفهومة.. كذلك قصر هدي شعراوي في ميدان التحرير الذي تحول إلي موقفلسيارات وكان ذا قيمة معمارية ورمزية وتاريخية فضلا عن أنه جزء من ذاكرة المكان.. كذلك فندق سميراميس القديم الذي تم هدمه لدواع استثمارية
كذلك شارع محمد علي أول شارع مستقيم يشق القاهرة عام1872 والذي كتبت حوله روايات وقصص كثيرة تحمل بين طياتها ملامح هذا الشارع والمباني التي كانت موجوده به هي التي أعطت له الطابع الخاص به والمتبقي حاليا أطلال العمارات الكلاسيكية والبواكي التي تغطي الارصفة ولات في الدور الأرضي والسكن المهجور أو تحت ظروف متدنية والمباني الجديدة المبنية لاتمت بصلة لطابع الشارع حتي اسمه تم تغييره ليصبح شارع القلعة ونفس الأمور تكرر في شارع كلوت بك واختفت العمارات التي كانت من معالم الشارع الرئيسية أما بالنسبة للمستشفيات فقد تم هدم المستشفي الكلاسيكي للهلال الأحمر فيكتوريا وبناء المستشفي الحالي وكان لابد من الحفاظ عليها مثل بقية المستشفيات في المنطقة مثل المستشفي القبطي واليوناني والإيطالي. وغيرها التي لها طراز خاص وطابع متميز وكان يمكن البناء في الأراضي المحيطة بها.. أليستباني القبيحة والعشوائيات أولي بالإزالة والهدم؟!
خريطة توثيقية
وتشير د. سهير حواس إلي أن وزارة الثقافة لها توجه في الفترة الأخيرة لانقاذ بيوت كثيرة مثل بيت الأمة سعد زغلول وقصر سميحة كامل والأمير إبراهيم حليم وأحمد شوقي ومحمود خليل.. إلخ لكن يجب أن يتم اتخاذ قرارات عملية بحصر المباني ذات القيمة المعمارية أو الة أو التاريخية أو العمرانية ووضع خريطة توثيقية وعدم اخذ قرارات الإزالة إلا بعد الرجوع لمثقفي المجتمع من مهندسين وفنيين ومخططين ـ مثلما يحدث عند إجازة أي عمل فني تجتمع لجنة لأخذ القرار ـ ولا تترك الأمور هكذا وإذا امتدت يد الإهمال أو العبث أو الهدم من أي شخص لابد أن يجد العقاب والردع اللازم فالبلاد يقاس تحضرها بمدي وعيها بالقيم التراثية لديها ومدي الحفاظ عليها ويتعاملون مع مبانيهم التراثية كأنها جواهر.. وهو الأمر الذي يتطلب وجود لجنة متخصصة هي التي تحدد إذا ما كان يمكن إزالة المبني أم يجب الحفاظ عليه مثلمتفعل فرنسا وهولندا وألمانيا وغيرها من الدول التي تدرك جيدا قيمة التراث الخاص بها ويحافظ المسئولون فيها علي المباني التي ليس لها قيمة وظيفية ومعمارية ولكن لها قيمة في الطابع.
وتضيف أنه في الماضي كان هناك وعي بأهمية المباني التراثية خاصة تلك الموجودة في منطقة وسط البلد لأنها ذات قيمة خاصة تاريخية ومعمارية وعمرانية مما يجعلها تتطلب تطبيق مفاهيم كل الحماية لهذه المباني خاصة بعد أن فقدت أداءها الوظيفي وأصبحت ليست في أفضل حالتها نتيجة تضاؤل كفاءتها مما جعل البعض يفكر في إزالتها وإعادة بنائها بما يتناسب مع الاحتياجات الجديدة واستغلال الأرض ذات القيمة المرتفعة وهي رؤية اقتصادية بحتة يتناسي أمامها البعض ان المنطقة لها طابع خاص والمباني الجديدة فيها تشوهها.
ليست ملكية خاصة
د. يحيي الزيني الأستاذ المتفرغ بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة وعضو المجالس القومية المتخصصة.. يقول لقد تحدثنا كثيرا عن قيمة المباني التراثية وأهميتها وتم ذلك علي مستوي الإدارة المحلية ووزارتي الثقافة والإسكان.. وطالبنا منذ التسعينيات بضرورة عليها وشكلت لجان وتوزعت علي الأقاليم وخرج أمر الحاكم العسكري بتحديد وتسجيل المباني التراثية وعدم هدمها ولكن أصحاب المباني أو الورثة يعتبرون هذه المباني ملكية خاصة لهم ومن حقهم هدمها خاصة أنها لا تدر أي عائد مادي ويفضلون هدمها وبيع أرضها بأسعار عالية فيقومون بهدمه وأصبح هناك أسلوب تهديد وابتزاز من البعض في المحليات لمن لا يرضيهم يقومون بتهديده بتسجيل منزله كتراث!!.
ويقوم العديد من أصحاب المباني بحرق البيت أو ترك المياه مفتوحة للتسرب وينهار المنزل بصورة طبيعية ويستطيع بيع الأرض.
ويتساءل د. يحيي الزيني لماذا لا نطبق القوانين التي نصدرها للحفاظ علي الثروة العقارية ونكون جادين في الحفاظ عليها للأسف تقاعس الجميع بدءا من فساد البعض في المحليات الي عدم تنفيذ القوانين فالمباني يتم هدمها تحت سمع وبصر المسئولين في الاحياء بل بالاتفاق مم فهناك مبان يتم هدمها في24 ساعة يومي الخميس والجمعة.. وإذا كان القانون لا يسمح ببناء مبني أعلي من المبني الذي تم هدمه فإذا هدمت فيلا من دورين لا يمكن بناء عمارة مكونة من10 أدوار مثلا في مكانها ولكن هذا لا ينفذ فلماذا ترهق الدولة نفسها في وضع ان ما دامت لن تطبقها وتغيب الجدية في التنفيذ؟.
