بيروت ، دمشق ، عمان والناصرة: هشام شرابي الذي توفي ليل الخميس الماضي عن 78 عاماً في بيروت، اثر صراع طويل مع أزمات صحية لازمته منذ عدة سنوات، كأنه من العناقيد الأخيرة لكوكبة الحداثة السياسية والأدبية والفكرية والاجتماعية. من يافا الى بيروت، فالى الولايات المتحدة، فالى بيروت، وبينها أسفار وجولات في أنحاء العالم، كان شرابي يحمل منفاه الفلسطيني في منافيه الكثيرة، ويحمل هويته الفلسطينية في هويات عدة مفتوحة باطراد وحيوية، لكي لا يأسره ضياع أرض ووطن وتاريخ وراء قضبان الانغلاق، والتقوقع. وعلى هذا الأساس، كان يبحث عن انتماء "يوصله" الى وطنه. يكسر غرباته الجغرافية والنفسية والجسدية، يتفتح على كل ما صنع تلك المرحلة الخمسينية من القرن الماضي، فكراً وأدباً وسياسة وعقيدة، من الحزب السوري القومي الاجتماعي، الى الاقتراب من الجدلية، الى افق ليبرالية نقدية، الى رصد سوسيولوجي للمجتمع، الى ملامسة فرويدية تبحث في العلاقات الابوية، الى نقد ذاتي وللثقافة العربية، وللمثقفين، الى عدم مهادنة العدو المغتصب، ولكن الى عدم مهادنة السلطة أي سلطة، إذا لم تسلك الطريق الديموقراطي. وفي كل هذا، كان هشام شرابي يتجاوز ذاته باستمرار، لمعانقة ولادة ذات اخرى، وأفكار متجددة اخرى، أبعد من الايديولوجيا الجامدة، وأبعد من الأفكار الجاهزة، وأبعد من معطيات النهضة العربية، التي يرى انها انتهت في منتصف القرن الماضي.
مفكر ما بعد النهضة؟ مفكر ما بعد الأفكار الجاهزة؟ مفكر ما بعد البنى الابدية، مفكر ما بعد التابوهات الفكرية، هذا هو الراحل الكبير، عقل نقدي، وكاتب مرهف، ومحلل صارم، وملتزم بلا تعصب، ووفيّ بلا حدود لأرضه وأمكنته الاخرى واصدقائه.

رضوان السيد:
شرابي قبل الايديولوجيا وبعدها
سمعت مرة من شارل عيساوي الذي كان يدرّس العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في بيروت في الأربعينات، انه كان يُعطي كورساً في العلوم السياسية عن الأحزاب، فكلّف تلميذه هشام شرابي بكتابة ورقة الى الحزب القومي السوري، وذهب شرابي فقابل انطوان سعادة الذي كان عائداً حديثاً الى لبنان، وعاد وقد أخذ الحزب بلبّه، وظل الأمر كذلك طوال حياته، لكن ليس للحزب بل لانطوان سعادة شخصياً!
عرفنا جميعاً فلسطينيي الولايات المتحدة عندما بدأوا يظهرون اهتماماً بالقضية الفلسطينية، ويأتون للبنان أواخر الستينات ليروا كيف يستطيعون المساعدة في سياق قوى منظمة التحرير الفلسطينية.
وسمعت وقتها للاستاذ شرابي بعض المحاضرات، لكنني لم أعرفه حقاً إلا بعد ظهور كتابه "الحجر والرماد" الذي يُعنى في الحقيقة بعلاقته الشخصية بالزعيم انطون سعادة، القائد الكارزماتي، الذي كانت هناك أسباب كثيرة لفتنته به، ليس أقلّها مذهب سعادة القاطع في الموقف من اليهود، ومن قضية فلسطين.
وفي الثمانينات من القرن الماضي لفتت انتباهي من جديد كُتُبهُ ومحاضراته عن البطركية والمجتمع البطركي العربي. المقارنة ما كانت سوسيولوجية ولا تاريخية؛ بل نظرية وأيديولوجية. ولذلك ما أمكن تطويرها باتجاه نِسْوي كما طمحت جمعيات عربية للمرأة، ولا أمكن اختراقها من جانب القائلين بالرؤى التنموية ـ فضلاً عن التوجهات العروبية والإسلامية طبعاً.
ما تناقشت مع هشام شرابي إلا في تسعينات القرن الماضي. وهو رجل طيب، سليم الطوية، وشديد الاستقامة بحسب مفهومه لما يجوز وما لا يجوز في الحياة الحديثة. وفي الأحاديث الخاصة سمعت منه عن هيغل وماركس واقتصاديات العولمة وفلسفتها، وهذا تخصصه في الأساس، لكنه ما كتب كثيراً فيه؛ بل انصرف لاجتماعيات الفلسفة بحسب اعتقاده. وقد سيطرت عليه في السنوات الأخيرة إحساسات بالفجيعة وسوء المصير، ما غيّرت من تشخيصه للواقع الاجتماعي والسياسي؛ باستثناء ملاحظات سلبية عن كل الايديولوجيات المطروحة.
ما كنت متفقاً مع بطركية شرابي، لاعتقادي انها لا تشكل تشخيصاً صحيحاً حتى لمشكلة المرأة والأسرة في اجتماعنا البشري. لكنني ظللت مفتوناً بمذكراته وسيرته الذاتية، وبتلك الألفة التي يبعث عليها شخصه. وقد قال لي مرة: فلسطين قبل الايديولوجيات وبعدها! فلتبقَ فلسطين، ولتبقَ ذكرى هشام شرابي، رجل الطيبة والصلاح العلماني!

عمر كوش:
هل نفكر في أزماتنا؟
بوفاة هشام شرابي، فقد الفكر والثقافة بشكل عام أحد الرموز المعاصرين الذين انشغلوا بقضايا وهموم هذا العصر العسير، عصرنا المليء بالحروب والمجازر، والذي يعج بالمتناقضات والإشكاليات. وربما لم ينشغل مفكر عربي في تحليل أزمة المجتمعات العربية مثل هشام شرابي، فدرسها في تداعياتها المختلفة، باحثاً عن تموضع وتمظهر الأزمة، وعن إمكانيات الحلول. وقد قدم طوال حياته في الولايات المتحدة الأميركية المثال لمثقف المهجر، الذي لم ينقطع عن مشاغل مجتمعه وناسه، بل كان في سعي دائم إلى الاشتراك من خارج الحدود في إفادة وطنه والمساهمة في خلاصه من التبعية والاستبداد.
ومثله مثل إدوارد سعيد، كان هشام شرابي فلسطيني الانتماء ويعيش في أميركا، لكن هذا الازدواج في الهوية، لم يثنه عن الإنتاج الفكري والعمل الأكاديمي المتواصل، فعمل أستاذا لتاريخ الفكر الحديث في جامعة جورج تاون في واشنطن، وأصدر العديد من المؤلفات التي تركت بصماتها في الفكر والثقافة العربية، منها: "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، و"الوعي والتغيير" و"الإنسان العربي والتحدي الحضاري"، و"التربية والتثقيف الاجتماعي"، و"النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي"، و"المثقفون العرب والغرب" و"أزمة المثقفين العرب".
وينهض فكر هشام شرابي على تصديه الشجاع لأكبر العوائق التاريخية الموروثة، المتمثلة في النمط الأبوي البطريركي، القادم إلى حياتنا من الموروث القديم، حاملاً هيمنته وقسوته واستبداده. ذلك النموذج الأبوي الذي يطبع البنية الاجتماعية بكاملها بطابعه، مقدماً قيم استعلاء وأفضلية الذكر على الأنثى، والغني على الفقير، والجماعة على الفرد، والكتاب على القارئ، والذي أفضى إلى إنتاج أجيال تقبل هذه التراتبية وتعمل وفقها، بل وتعيش بالسلبية وتوافق على التهميش، فينتفي الإبداع ليسود الإتباع والاستتباع، وتموت روح المغامرة لتركن إلى المألوف والسائد، والنتيجة الحاصلة هي التخلف عن مواكبة العصر، واستمرار التخلف عن روح العصر في شتى الصور والمجالات: الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، ومآل التخلف هو مآل الوقوع تحت سيطرة القوى الخارجية الطامعة، وهي ليست قليلة العدد والعدة، ولا تنقصها الشراسة والأطماع.
لكن كيف يمكن كسر هذا الطوق المحكم؟ يردّ هشام شرابي على هذا السؤال بالقول: بتغير اللغة، وقد يقول أحدنا: هل تنفع اللغة وحدها؟ لكن اللغة ليست مجرد وسيلة اتصال سوسيولوجي وحسب، إنما هي جهاز لخلق الأفكار كذلك، وتجديد الحياة، وتتحقق إمكانية ذلك عبر إصرار المثقفين على غرس المصطلح العلمي في التربة المحلية، والارتكاز على أرض الواقع المعاش، والابتعاد عن التحليق في فضاء الفكر المجرد، والسباحة في بحر الكلمات الطانة الفارغة، فحين يتخلص المثقف من تبعات الماضوية وأحلامها، ويتوقف عن ترديد مقولات المذاهب والنظريات من خارج بيئته، من غير دراستها بعمق، وأقلمتها وفق مقتضيات التربة الوطنية، يمكن حينئذ إبداع وخلق نظريته الملائمة.
وفي كتابه "المثقفون العرب والغرب" حلل هشام شرابي العلاقة الإشكالية بين النخبة العربية والمنجز الغربي خلال الفترة من 1875 إلى 1914، وخلص إلى أن العلاقة بين المثقفين العرب والغرب لا تزال ملتبسة، قائمة على الشدّ والجذب، لكن حين نتفهم الغرب، ونتعرف عليه بالتجربة والمعاناة المباشرتين، كما تفهمه وتعرف عليه الكثير من المثقفين العرب في الفترة المدروسة، يصبح بمقدورنا فك الارتباط به، والاستقلال عنه، من غير الانعزال أو إلغائه. ومهما حاولنا التخندق والابتعاد، فإنه لا مهرب لنا من الغرب إلا بمواجهته والتصدي له، خصوصاً ونحن ما نزال الطرف الضعيف، المهمش في نظامه الجديد، لكن ذلك لا يلغي قدرتنا على العمل والنضال ضده، والثبات في وجهه حتى نتحرر من تبعيتنا له، ونقيم النظام العربي المستقل المنشود.
ومكمن الأزمة يراه هشام شرابي في احتدامها في وعي الطبقة المثقفة والمسيسة، التي تعبر عن نفسها على مستويين: على مستوى خطاب تحليلي نقدي وعلى مستوى حركات اجتماعية جديدة، لا يمكن تجاوز هذه الأزمة وتحقيق التغيير الحقيقي الذي يتيحه التاريخ داخل المجتمع إلا بالتقاء المستويين. فمجرد النقد النظري وما ندعوه بالحركات الاجتماعية: الاتحاد والجمعيات والنقابات والأحزاب وقوى المجتمع المدني كافة، عاجز كل بمفرده عن تفعيل عملية التغيير في بنية الواقع. فقط عندما يتجسد خطاب النقد الحضاري بنشاطات الحركات الاجتماعية وفي أهدافها وممارساتها يصبح تجاوز الأزمة وإعادة بناء الصرح الاجتماعي مشروعا سياسياً فعلياً. وحتى زمن قريب شكلت الأزمات الحادة مفجر التغيير الثوري، أما اليوم فهي مفجر لا ثوري لإمكانية تحقيق ترتيبات اجتماعية جديدة يتبلور مضمونها في الخطاب النقدي العلماني داخل العالم العربي وفي المهاجر العربية ويتركز حول ثلاثة محاور رئيسية: الحداثة والديمقراطية والمرأة التي تلخص عملية التغيير الحضاري اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. أريد هنا التوقف لحظة عند دور المرأة الاستراتيجي في علمية التغيير. إن المرأة العربية في المجتمع الأبوي تمثل بغض النظر عن طبقتها الاجتماعية حالة القمع والاستغلال والحرمان التي يعانيها المجتمع ككل.
ويضع هشام شرابي في كتابه "أزمة المثقفين العرب" شروطاً للخلاص من الأزمة، حيث يركز على أولوية تحرر المرأة العربية، وعلى تغيير البنية البطريركية في مجتمعاتنا، وعلى خطة اقتصادية، تجعل العالم العربي، الغني بالثروات والطاقات البشرية، وحدةً متكاملة؛ وأخيراً غياب الحرية، بوصفها الأساس لتطور أيِّ مجتمع، وبالتالي يجب أن يتمتع المثقفون العرب بالحرية. لكن يبدو أن المثقفين العرب نتيجة الوضع الراهن لم يبقَ أمامهم، منذ تشكل الدولة الوطنية بانتهاء مرحلة الاستعمار، سوى انتهاج أحد السبيلين، إما القبول بالواقع الجديد الذي بدأ ينحرف منذ أن جلس القائد "المخلص" على كرسي الزعامة، حيث لم يترك للمثقف سوى مهمة الانخراط في الآلة الإعلامية والمنظومة الفكرية (الثوروية) للسلطة الجديدة، متحولاً بذلك إلى بوقاً من أبواق هذه السلطة وأجهزتها القمعية، أو أن يختار الطريق الثاني وهو المنفى إن وجد إليه سبيلاً، مع أن قلة من المثقفين اختارت البقاء والسكوت على الوضع الراهن، أو الركون إلى الكهوف المظلمة.
ويحدد هشام شرابي سمات الوضع الراهن في البلدان العربية في غربة السلطة عن شعبها وإبعاده عن المشاركة في اتخاذ القرارات التي تحكم مصيره وإخضاعه لمبدأ القوة، وكذلك حرمان المرأة حقوقها، إضافة إلى حرمان الرجل، وغياب المجتمع المدني، وضياع الحقوق الإنسانية للأفراد والجماعات الأهلية، وغير ذلك الكثير.
ولم تكتفِ السلطة الحاكمة في المجتمع الأبوي بتقويض القيم الاجتماعية في المجتمع التقليدي، بل عملت كذلك على تقنين العلاقات الاجتماعية ودفعها إلى الاغتراب. ومن الطبيعي أن ينتج ترسيخ مبادئ السلطة الحاكمة قهراً، يؤدي بدوره إلى رضوخ عمل التربية الاجتماعية كراهية أم طواعية إلى القيم الفوقية المستبدة. وبالتالي نتج عنها الخروج، أحياناً، عن طاعة الوالدين إلى طاعة الملزم السياسي الحاكم.
وبعد رحيل هشام شرابي، يبقى علينا التفكير بوضوح في أزمة الواقع الراهن، وأن نعتبرها، كما اعتبرها هشام شرابي نفسه، "فرصة تاريخية" جديدة أمامنا، للبحث في أسباب الأزمة التي تواجه بلداننا العربية في عالم اليوم، وهي تتعلق مباشرة في أوضاعنا الداخلية، في السلطة وفي المجتمع، ويتوجب الكف عن الرمي بأسباب الأزمة على "الآخر" والاعتراف بالمسؤولية، ومن ثم البحث في جذورها وتبعاتها القريبة والبعيدة، والبحث في علاجها والخلاص منها.

رضوان جودت زيادة:(*)
أزمة النظام الأبوي العربي
من المعروف أن الدراسات الأنتربولوجية حاولت دراسة المجتمع العربي وفقاً لثقافته وعاداته وتقاليده وبناه التربوية عن طريق تحليل أمثاله الشعبية أو نمط قراباته العائلية إلى غير ذلك من الدراسات الانثربولوجية التي أخذت في وقت من الأوقات أهمية كبرى من خلال تحالفها مع الاستعمار في سنواته الأولى، وربما تمكنت الدراسات الانتربولوجية بعد ذلك من إعادة النظر في مناهجها العلمية وسياقاتها النظرية مما مكنها من التحرر نوعاً ما من الانحياز الغربي.
لقد عملت هذه الدراسات على قراءة المجتمع العربي قراءة أشبه بدراسات البنية الثابتة القارّة غير المتغيرة، فالمجتمعات العربية وفقاً لذلك هي مجتمعات ساكنة وقدرتها على التحول والتغير بطيئة بحكم كون ثقافتها التي تنطلق منها رؤية هذه المجتمعات للعالم هي ثقافة سكونية، وهكذا سقطت هذه الدراسات في فخ النظرة التأبيدية ولم تتمكن من استيعاب العوامل الاجتماعية والسياسية والخارجية التي كان لها دور مؤثر في ثقافة هذه الشعوب وحياتها، ولا يخرج الكلام الكثير حول الاستبداد الشرقي عن هذا الإطار، لكن تطور مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية كان الكفيل برفض هذه الدراسات الانتربولوجية التي تنتهي إلى نوع من أنواع العنصرية الثقافية، وبدأ ترسيخ نوع جديد من الانتربولوجيا يقوم على الانتربولوجيا الثقافية، التي يعتبر كلود ليفي شتراوس أبرز دعاتها، مهما يكن فإن هذا النوع من الدراسات المجتمعية حرض العديد من الدراسات لقراءة المجتمع العربي وفق هذا المنظور الانتربولوجي، معتبرين أن هذا النوع من الدراسات يدخل إلى عمق المجتمعات العربية وخصوصياتها إضافة إلى أنه يهتم بالبنى العميقة وليست السطحية التي غالباً ما تكون نتاج التحولات الطويلة الأمد وليست خاضعة للمتغيرات الآنية والسياسية، هذا المدخل المنهجي هو الذي حرض هشام شرابي على دراساته لإشكالية تخلف المجتمع العربي على أنها أزمة تكمن في بنيته الأبوية (البطريركية) الكامنة في المجتمع العربي، وقد كان شرابي الأكثر بروزاً في هذا النوع من الدراسات.
يهدف شرابي من دراساته هذه إلى الكشف عن أسباب التخلف العربي وكيفية تجاوز هذا التخلف والتغلب عليه، والتخلف هنا ليس تخلفاً اقتصادياً أو إدارياً أو إنمائياً، بل إنه كامن في أعماق المجتمع العربي لا يغيب لحظة واحدة، بل إنه يقبله ويتعايش معه كما يتقبل الموت مصيراً، ويتخذ هذا التخلف صفتين مترابطتين هما: اللاعقلانية والعجز، الأولى تتجلى في عدم القدرة على التدبير أو الممارسة، والثانية في عجزه عن التوصل إلى الأهداف التي يرنو إليها.
وبالتالي فمصير المجتمع العربي إنما يتوقف على مقدرته في التغلب على نظامه الأبوي واستبداله بمجتمع حديث، فما الذي كان يعنيه شرابي بالنظام الأبوي في المجتمع العربي، يظهر هذا النظام في البنى السياسية والاجتماعية والنفسية، ويقوم حجر الأساس فيه على استعباد المرأة ونفي وجودها الاجتماعي، ذلك أنه مجتمع ذكوري تسكن فيه الذهنية الأبوية ذات النزعة السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ولا تقبل بالحوار إلا أسلوباً لفرض سيطرتها، ولذلك فإذا أراد المجتمع العربي أن يبقى ويستمر فلا بد من تغييره تغييراً جذرياً شاملاً، عن طريق رؤيةٍ بعيدة المدى ونوعٍ من الممارسة الجماعية التي يجب أن تؤدي إلى إزاحة الأب رمزاً وسلطة وتنتهي بتحرير المرأة قولاً وفعلاً.
غير أن شرابي لم يكن يبني مفهومه عن النظام الأبوي في المجتمع العربي كما ساد في المجتمعات الغربية ويعمد الى تطبيقه في العالم العربي، إذ إنه يلحظ أن هناك بعداً آخر ضمن هذا النظام قد حدث في المجتمعات العربية هو التحديث الذي نتج عن الاحتكاك بالحداثة الأوروبية، مما جعل المجتمعات العربية مجتمعات هجينة لا تنتمي إلى النظام الأبوي التقليدي ولم تدخل بعد عصر الحداثة، لذلك لا يمكن قراءة المجتمع الأبوي العربي إلا وفق رؤية التبعية والأبوية، فالتبعية هي العلاقة التي نجمت عن سيطرة أوروبا الحديثة على العالم العربي، حيث أن الرأسمالية الأوربية التي تغلغلت في البلدان العربية أدت إلى نشوء رأسمالية تبعية ومزيفة، وحالت دون ظهور طبقة برجوازية ناضجة، وطبقة عاملة أصيلة، وعليه فإن "النظام الأبوي المستحدث" كان في نظره، حصيلة اقتران الإمبريالية بالأبوية.
ولذلك كان شرابي على خلاف في نظريته عن الأبوية في المجتمع العربي عن نظرية نمط الإنتاج الآسيوي في الدراسات الماركسية أو فكرة الاستبداد الشرقي في الدراسات الاستشراقية، فقد كان يعالج الأبوية العربية انطلاقاً من تصور محدد لكلية نفسانية؟اجتماعية نقع عليها في بنى اجتماعية ونفسية، وتنطوي هذه الكلية على سلم قيم وممارسات اجتماعية تنتمي إلى اقتصاد وثقافة واضحة المعالم وهذه البنى موجودة في جميع المجتمعات الأبوية العربية بغض النظر عن اختلافها في المظهر إلا أنها تتقاسم البنى العميقة نفسها، وقد تسلسلت حقبات الأبوية العربية الإسلامية بدءاً من العصر الجاهلي فعصر الخلفاء الراشدين وانتهاءً إلى عصر السلطة العثمانية. ثم تمظهرت الأبوية المستحدثة في العصر الحديث حيث نلحظ بنى بدوية وتقليدية وسابقة على الحديثة وحديثة، وهكذا فالأبوية المستحدثة قد ترسخت في المجتمع العربي عبر حقبٍ طويلة الأمد وأعادت إنتاج خطابها التحديثي في العصر الحديث عن طريق اللغة والأدب، إلا أن مضمون هذا الخطاب بقي فكراً مجرداً وطوباوياً، يعمل على تثبيت أسس النظام القائم أكثر مما يهدف إلى نقد بنيته السياسية والعقائدية، وعليه فقد بقي هذا الخطاب مقموعاً في وجه الخطاب الديني التقليدي ولم يحدث أثراً في المجتمعات العربية التقليدية.
إلا أن الحقبة المعاصرة عملت على إنتاج نقدٍ جديدٍ تمكن من النفاذ عميقاً إلى جوهر الخطاب الأبوي المستحدث من أجل تغييره جذرياً والكشف عن التقاليد والعادات والطقوس التي يفرضها المجتمع على أنها قيم وفرضيات كمسألة الجنس ودور المرأة والسلطة السياسية والكبت الجنسي. لقد راهن شرابي على أن النقد الجديد سيتمكن من تغيير الوعي السياسي تمهيداً لحدوث الثورة السياسية، وهو بذلك تفاءل بحتمية النصر للقوى الديمقراطية العلمانية والاشتراكية والإنسانية العادلة، مما جعله يسقط في إجابته عن السؤال الملح (ما العمل؟) إلى نوعٍ من الخطابية ورفع الشعارات "التقدمية" وإلى تبني حلول لا تنتمي إلى نفس البدايات المنهجية التي انطلق منها. لقد أحسن شرابي بكل تأكيد في تشخيص الأزمة في البنية الأبوية العربية القائمة على التسلط والتراتبية الفوقية، التي تبدأ من الأسرة وتنتهي في رأس الهرم للسلطة السياسية، إذ هي تقوم على الهيمنة الأبوية (البطريركية).
ورغم أن شرابي يبدو في بعض تحليلاته ماركسياً إلا أنه لا يبدو ماركسياً أرثوذكسياً، لا سيما حين يحاول الخروج عن الترسيمات والوصفات الماركسية الجاهزة، فهو يصر على قراءة التراتب الاجتماعي في الوطن العربي على أساسٍ طبقي، إذ يرى أن الطبقة البرجوازية الصغيرة التي تشكلت في البلاد العربية على إثر التحرر من الاستعمار عمدت إلى الاستيلاء على السلطة ولم تتمكن shy; على الإطلاق shy; من تنفيذ المهام الملقاة على كاهل كلٍ من البرجوازية (أي التنمية الاقتصادية الرأسمالية) والبروليتاريا (التحول الاجتماعي الثوري). ثم عرّى حكم الطبقة البرجوازية الصغيرة هاتين الطبقتين اللتين أعاقت التبعية والإمبريالية نضجهما ثم حجمتهما، وساهم هذا الحكم أيضاً في انتشار نوع من الخلخلة أحدث انشقاقاً طبقياً حاداً بين النخبة البرجوازية الصغيرة الجديدة في مواقع السلطة في الأنظمة "التقدمية" والجماهير البرجوازية الصغيرة البروليتارية الآخذة في الحرمان والاغتراب بوتيرة متسارعة، ونتج عن هذا الانشقاق تحول عقائدي تجسد في انتشار أصولية إسلامية مقاتلة.
تبدو دراسات شرابي بعد وفاته بحاجة إلى مزيد من النقد والتمحيص، سيما وأنها أخذت منحىً جديداً ومبدعاً في قراءة أزمة "التخلف" التي عاشها ويعيشها المجتمع العربي.
(*)كاتب سوري

جهاد الترك:
تجرأ على ارتياد المحرّم
كان هشام شرابي، أحد المفكرين العرب القلائل الذين وجدوا ضالتهم في السوسيولوجيا السياسية، بحثاً وتقصيّاً وتأليفاً. كان يضيء، في ذلك، الى تراث غني من المشاهدات العينية والتجربة المعيشة بدءاً من نكبة فلسطين التي حملته على مغادرة مدينته يافا الى الأبد، مروراً بالنكسة وحرب لبنان ومن ثم الانتفاضة، وما بين هذه وتلك من مستجدات مغرقة في مأسويتها.
لماذا جنح شرابي في كتاباته ودراساته الى البحث عن موقع للانسان العربي على خلفية الاجتماع السياسي الذي لم يطرأ عليه تغيير يذكر منذ النكبة؟ ولماذا تعمق لديه هذا الاحساس الدفين منذ انتقاله للعيش في الولايات المتحدة الأميركية استاذاً جامعياً في الحقل الذي برع فيه، مطوراً نظرياته واستنتاجاته حول تأرجح الانسان العربي بين اليقين والشك والتقدم والتأخر أو المراوحة بين حلاوة الماضي ومرارة الحاضر.
الأرجح انه فعل ذلك توخياً للاجابة عن اسئلة مصيرية حملها في جعبته منذ أن اجبرته الظروف الطارئة على مغادرة فلسطين في العام 1947. ولا يشذ عن هذا السياق، انتسابه، وهو لا يزال طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت، الى الحزب السوري القومي الاجتماعي. والأغلب انه وجد في هذا الانتماء الحزبي تعويضاً مبكراً لقناعته بأن النكبة قد غيرت في مفاهيم وشروط الصراع السياسي. ولا بد نتيجة لذلك من استبدال أدوات الصراع بأخرى أكثر ملاءمة لحماية المصير العربي من الوقوف دائماً على شفير الهاوية.
نستدل على هذا في مؤلفاته جميعاً التي كتبها في مغتربه الأميركي الذي ساهم، بدوره، بسبب من التباعد الجغرافي، في جعل صورة ما يجري في الوطن العربي أكثر وضوحاً.
نفي كتابه "المثقفون العرب والغرب"، يطرح هشام شرابي إشكالية سوء استيعاب المفاهيم الثقافية بين المفكرين العرب ونظرائهم في الغرب على قاعدة فشل هؤلاء وأولئك في تنقية الشعارات العالقة بينهما من الصدأ التاريخي الذي يغلف معظمها. وعزا من موقعه كباحث في الميكانيزمات السوسيولوجية، مسؤولية هذا الفشل الى كلتا الجهتين لعدم اقدامهما على بذل جهود حقيقية لإزالة الحواجز بينهما.
وبالمنهجية عينها، يسعى شرابي في كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي" الى محاولة تقصي أسباب ما يعتبره تخلفاً قسرياً في شخصية الانسان العربي، ناتجاً في رأيه عن انسداد أفق التفاعل بين الفرد وذاته، وبينه وبين محيطه القريب ومن ثم البعيد، وصولاً الى ما يشبه القطيعة بينه وبين المؤسسة السياسية التي يدور في فلكها أو على تخومها أو بعيداً عنها. ويعتبر، في هذا السياق، أن هذا التمزق انما يعزى، في جزء كبير منه، الى ذلك التبعثر بين دوامة الماضي ومثيلتها في الحاضر، من دون أن يتمكن من استجماع الخيوط التي تربط بين الاثنتين على نحو من التفاعل المبدع.
وفي كتابه "النظام الأبوي" يتناول شرابي ما يعتبره عقداً نفسية متوارثة جيلاً بعد آخر، غالباً ما تلقي بالفرد العربي في بؤر الخوف من الآخر ومن الذات وكذلك من المجتمع، في نطاق أوسع. ويستنتج شرابي أن الشك والتوجس سرعان ما يصبحان جزءاً من البنية السيكولوجية والذهنية للفرد العربي، فيحملهما معه في حياته العملية والسياسية والعائلية. ويرى أن هذا الاغتراب بين الذات ونفسها، وبينها وبين الآخر، هو مكمن المرض وأصل العلة، ومجلبة لأمراض نفسية أكثر تعقيداً وخطورة. والأغلب ان أهم ما يتوصل اليه شرابي في هذا الكتاب، هو تحليله المبدع لكيفية تكوين النزعة الانتهازية في شخصية الفرد العربي بدءاً من نعومة أظفاره، وتأثيراتها السلبية على مجرى حياته كاملاً، بما في ذلك نظرته الى الحياة وتوجهاته السياسية وقراراته المهنية. ويعتبر شرابي أن هذا "الأعوجاج" في الشخصية يتحول انحرافاً مرضياً في السلوك العام للفرد العربي. وبذلك تتحول الشعارات الكبرى مثل المطالبة بالحرية والمشاركة السياسية والتحرر من التبعية للأجنبي، صرخات جوفاء لا جدوى حقيقياً لها لأنها لا تصدر عن نفس سوية تمسك بزمام أمورها.
هل حقق هشام، في كتاباته، ما كان يصبو إليه؟ نعم الى درجة كبيرة. فقد أثار، على الأقل، تساؤلات كبيرة وخطيرة، كانت وقتئذ من الأماكن التي يصعب ارتيادها بسهولة، خصوصاً ما يتعلق بكيفية نشوء السلطة في العائلة المصغرة، وكيفية تلقي الطفل لمضاعفاتها، أو على وجه أصح تلقينها إياها. كما نجح، مبكراً، في قراءة النظام السياسي العربي على قاعدة من المفاهيم السوسيولوجية المنفتحة على آفاقها الواسعة، معتبراً أن الدائرة المغلقة التي أحاط نفسه بها، ليست سوى تأكل تدريجي لرصيد الحريات الليبرالية التي تصعب مراكمتها بسهولة.
ويبقى أن أهم انجازاته، على الاطلاق، أنه لم يغب بروحه عن الوطن الذي أحب وإن تغرب عنه بالجسد. والدليل أنه لم يكتب عن سواه ولم يشغل ذهنه بغيره، ولم يتخل عن قضاياه حتى اللحظة الأخيرة في حياته المديدة. وقد تكون وفاته في بيروت التي أراد أن يستقر فيها في العام 1974، دلالة على هذا الرباط بين الذاكرة والواقع، بين الطموح الوقّاد والآني الممل.
عاد هشام شرابي من حيث هاجر الى الولايات المتحدة. وبين هذه وتلك هنيهات طويلة مفعمة بالندى المتساقط على أوراق خضراء جميلة لن تذبل.

يقظان التقي:
شخصية جدلية
التقيته لمرتين في العام 1999 وأوائل الألفية الجديدة خلال زياراته المتقطعة لبيروت، وذلك في مقر إقامته في منزل شقيقته في عمارة تطل على الجسر، كما لو أنها كانتون زمني فلسطيني آخر حاضر دائماً في صور المكان هنا وهناك.
بدا لي الأمر على علاقة ما مع الأشياء والأشياء والأشخاص والأمكنة وما حولها والعبرة التي تبدو على الوجه نوعاً من الحنين والتذكر تماهياً ما بين صور الأمكنة ربما، وبالتأكيد صور الأمس ما بين بيروت وحيفا أو عكا أو يافا.
صور البحر والميناء والسمك البوري والطقس الخريفي الأجمل من خريف ورق الشجر الأصغر البني الجميل في واشنطن مقر إقامته الأخرى.
في كلتا المرتين كان الحوار مع هشام شرابي يلامس عنوان المثقفين العرب واشكالية التغيير الاجتماعي ويأخذ طابعاً مركزاً في أمور سياسية وفكرية مع صاحب "الجمر والرماد" و"صور الماضي" وفي إطار يضعه شرابي لنقسه، اطاراً من الرؤية التي تطل من الماضي على الحاضر.
لا أدري إذا كانت سنواته الأخيرة هي سنوات حزينة، لكن بالتأكيد كان فيها شيء من خريف العمر ومن "الورق الأسود" مما يشي بنوع من الارتباك والعصبية والحدة خاصة إذا أخذ الحوار إطار الخواص السياسية لفكر نهضوي ويجمع بين وجوه مختلفة من السياسة الى الفكر والسيرة. ليس صعباً فهم عالم هشام شرابي ووضوح منطقه المضاد لأشكال السلطة كافة ولا سيما منها النظام الأبوي والذكوري في العالم العربي.
شخصية هشام شرابي شخصية جدلية لكن بأطر محددة وثمة التحام عضوي بين كتاباته وحياته، باعتبار الأخيرة تعبيراً من تعبيرات الحياة والمنفى، لكن أكثر التصاقاً وحميمية وعضوية مع الماضي، الذي كان يشكل عصباً من أعصابه وشيئاً يتحرك بطيئاً من لحمه ودمه، وهو الذي اكتشف باكراً معنى الهجرة والهويات الملتبسة.
ليس في حديثه إشارات كثيرة على أنه خرج من الماضي وتحديداً حقبة الستينات وكل كتاباته التي غادرت من محطاتها ليست أبعد من ذلك. لذا لم يكن مع نفسه ولا مع الآخر أقل شأناً بل كان أكثر جذرية في آرائه.
بالنسبة لهذا الوصف يمكن الاعتراف بقيمة فكرية سياسية لشرابي أكثر منها قيمة أدبية. وإن كتب لاحقاً سيرته على نحو ما فيه من الأدباء والشعر وأدب الصورة. هذا مظهر من مظاهر السلطة التي تسعى الى تحقيق أشياء في نطاق السيطرة الفكرية والسياسية والصيغ المحددة لاستخدام اللغة كنوع من ممارسة تلك السلطة. لكن مجرد صور لماضي هو الحقيقة حتى في كتابات الحاضر العربي، وعلى أساس أن الماضي قد يصير أكثر حياة. لكنها حياة مؤلمة لفلسطيني يحمل أيضاً الهوية الأميركية وعليه أن يتقبل النظريات بمعطياتها وعلى الرغم من تعرضها لمتغيرات حادة هي سبب لتمزق آخر.
هشام شرابي في سنواته الأخيرة كان مأخوذاً بفكرة أن النهضة العربية انتهت في أواسط القرن الماضي وبعدها نصف قرن من صحراء وخراب أفكار وتفسخ وفشل وتداعيات وهجمة امبريالية تمثلها إسرائيل وأميركا وحملات تضيق على التطور الاجتماعي والسياسي في العالمين العربي والإسلامي.
لكن شرابي لم يوفر نقداً للمثقفين العرب رابطاً ما بين الحاجة الى العودة للتراث النهضوي الذي لم يبلغ أهدافه والحاجة الى شخصية عربية ناجزة في فهواها واتجاهاتها وتكوينها الشخصي متأثراً (ليس كثيراً) بالمساحة الجغرافية التي كان يمكن أن تمنحه حضوراً واسعاً أكثر من تواجده في محيط اجتماعي وأكاديمي غربي.
لا أنسى كلامه من ندوة حاضر فيها في "مركز صيدا الثقافي، الهلالية" العام 1999 من "أن المثقفين العرب غرباء عن الفكر النسائي ومن أن قضية المرأة قضية سياسية ترتبط بالمجتمع ولم تحسم قضيتها بحثياً ومدنياً على الرغم من أنها طرقت منذ أوائل القرن الماضي". هذه نقطة حساسة تفتح باباً عريضاً للحوار مع مثقفين عرب لم يتوهم يوماً شرابي أنهم ليسوا طلائع الانقاذ، لكنهم طلائع التغيير الاجتماعي.
أعتقد أن الثنائية نفسها التي تحدث فيها شرابي عن مثقف تقني وآخر محترف، هي نفسها حكمت كتاباته في سياق الخطاب السياسي ولناحية الاهتمام تحديداً بالمسألة الفلسطينية والهوية والالتزام مع إيمانه الراسخ بتحرير الشعب الفلسطيني أكثر من إيمانه بمشروع الدولة الفلسطينية وربما الدولة العربية!