فندق آمن ومراسلون أجانب قرروا البقاء..
30 عاما على الحرب اللبنانية
بيروت: سناء الجاك
ومثل كل حرب اخرى، تحولت الى شيء من الجنون. الاسرائيليون غزوا مرتين، والاميركيون جاؤوا ونُسفوا انتحارياً. هذا حدث ايضاً مع الفرنسيين. الامم المتحدة وصلت عام 1978. بدا ان الجميع انتهوا الى شاطىء لبنان. والفلسطينيون ايضا انجروا واندفعوا شيئاً فشيئاً الى الصراع. تعرضوا الى المجازر، الواحدة تلوى الاخرى، على ايدي اعدائهم، الذين تبين انهم الجميع».
هكذا وصف الصحافي الانكليزي في جريدة «الاندبندنت»، روبرت فيسك، الحرب اللبنانية. هو ايضاً انجر الى شاطىء لبنان، وكتب عن حربه «ويلات وطن». كذلك فعل غيره من المراسلين والمصورين الاجانب، الذين وضعوا الحرب الاهلية الدائرة آنذاك على اجنداتهم منذ ابريل (نيسان) الى 1989 مع إعلان فصل الختام لهذه الحرب في اتفاق الوفاق الوطني في الطائف.
روبرت فيسك أسس منزلاً في منطقة عين المريسة على الرصيف البحري لبيروت. كذلك مواطنه وزميله في المهنة ديفيد هيرت الذي يعمل في صحيفة «الغارديان»، جاء في مطلع السبعينات واستأجر بيتاً مطلاً على البحر ايضاً في عين المريسة، ورفض ان يغادره بعد ذلك، مانعاً اصحابه من هدمه لبناء عمارة شاهقة ترد عليهم الارباح. قال لهم: «انتظروا موتي. بعد ذلك يمكنكم ان تخططوا اي مشروع تريدون».
فلبنان الذي جذب المراسلين الأجانب الى حربه، أرسى علاقة حميمة مع البعض منهم، ولم تكن اقامتهم فيه عابرة. توم اسبل من وكالة IBC تزوج من فتاة لبنانية وصار «صهر البلد»، كذلك فعل ادي بلانش، وكان يعمل مطلع الاحداث مع وكالة «اسوشييتد برس»، اقترن بالصحافية منى زيادة، وعمل لفترة في صحيفة «الدايلي ستار».
باتريك سيل ايضاً اعجبه المقام اللبناني، وصار له بيته في بيروت، وما زال يتردد اليه عند زيارته المنطقة.
اما تيري اندرسون فقد اتسمت اقامته اللبنانية بتجربة مغايرة، اذ اختطف على يد منظمة «الجهاد الاسلامي» في مارس (آذار) عام 1985، بعد انفجار في منطقة بئر العبد، حصد 75 قتيلاً ومئات الجرحى. وكان يستهدف المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله. المنظمة التي التزمت خطف «الرهائن الاجانب» منذ عام 1984 حجزت اندرسون حتى عام 1991. كذلك اختطفت القس الانكليزي تيري وايت، الذي حضر الى لبنان في الاساس لمفاوضة المنظمة على إطلاق سراح «الرهائن» وذلك في عام 1987 ولمدة اربع سنوات.
اما القاسم المشترك لوجود المراسلين الاجانب في لبنان فكان فندق «الكومودور» في منطقة الحمراء، غرب بيروت، البعيدة عن خطوط التماس بين شطري العاصمة، والمحيّدة عن مرمى القذائف العشوائية، وبموجب اتفاق ضمني بين المتقاتلين، والفندق كان مملوكاً من آل بوبس، وقد عاش مرحلتين، من 1975 الى 1982، من 1982 الى مطلع التسعينات. في المرحلة الاولى كانت السيطرة الامنية على غرب بيروت بيد منظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتبرت الاعلام محوراً مركزياً لقضيتها، لا سيما الاجنبي منه، فعمدت الى تنظيمه ووفرت الحماية اللازمة للمراسلين الذين خاطروا بحياتهم لتغطية الحرب. حينها لم يكن يخشى على هؤلاء خطر العناصر غير المنضبطة التي كان من الممكن ان تكسر القواعد الضمنية بين اطراف الصراع، فكانوا يعبرون بين شرق العاصمة وغربها. يقابلون صباحاً بشير الجميل (رئيس لبنان الذي اغتيل قبل تسلمه السلطة عام 1982، والزعيم المسيحي الذي قاد الحرب على الفلسطينيين)، وبعد الظهر يجتمعون بالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وحلفائه في «القوى الوطنية»، ومساء يسهرون في «لوبي» الكومودور. يتبادلون المعلومات مع زملائهم اللبنانيين ويكتبون ويراسلون مؤسساتهم. فالفندق تميز بتوفيره الماء والطعام والكهرباء والاتصالات، حتى في اصعب فترات الحصار وانقطاع المناطق من بعضها نتيجة تدهور الحالة الامنية. والاقبال عليه في تلك المرحلة رفع اسعاره، فوصلت تكلفة الغرفة لليلة الواحدة 400 دولار، مع ان التكلفة الحالية، وبعد تجديده لا تتجاوز 150 دولاراً.
لكن امان الفندق انهار في المرحلة الثانية مع الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وقصف آنذاك، لأن الاسرائيليين ارادوا إسكات المراسلين الاجانب ومنع المعلومات من الوصول الى العالم.
بعد ذلك تغيرت احوال الفندق، لأن المرجعية الامنية تشرذمت، ونتيجة هذا الغياب اصبح موقعه نقطة تجاذب لقوى الامن الواقع المنبثقة، وعرف فترة حرجة في ظل «حروب الزواريب» التي استهدفت المناطق الآمنة من غرب العاصمة، حيث يوجد الاجانب، كما يعني توفر العملة الصعبة (الدولار). فالمعروف ان انجذاب المراسلين الى لبنان آنذاك، لم تكن نتائجه مهنية بحتة من اجل تحقيق «خبطات» صحافية، وانما كان يوفر اجراً كبيراً مغرياً اضافة الى تأمينات وتكفل بمصاريف الاقامة مهما كانت مرتفعة. الامر الذي أثار اطماع العناصر الميليشيوية الذين كانوا يستفيدون مقابل «تبرعهم» بتقديم الخدمات الى هؤلاء المراسلين وتمركزهم في محيط الفندق، بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، لأنها شهدت حركة نشيطة وارتفعت ايجارات الشقق في الحمراء، حيث تمركزت وكالات الانباء الاجنبية. كذلك نشطت حركة المطاعم والملاهي ومتاجر الارتيززانا والانتيكا.
ويصف المصور الصحافي في الوكالة الفرنسية للاخبار رمزي حيدر تلك المرحلة بقوله: «قبل عام 1982، عرف فندق الكومودور مرحلة عز، بسبب إقبال المراسلين الاجانب على الاقامة به واتخاذ وكالات الانباء العالمية مكاتب لها في محيطه. واستقطبت الاحداث اللبنانية الصحافيين البارعين الذين يجيدون القراءة السياسية للاحداث. بعد عام 1982، تدنت نسبة هؤلاء لمصلحة المراسلين الهواة».
ويشير حيدر الى ان «أمن الصحافيين لم يكن آنذاك مسألة منظمة، تتولاها شركات متخصصة كما هو الواقع حالياً. اذ اقتصرت حمايتهم في بادىء الأمر على تعليمات مشددة من القيادة الفلسطينية. ونادراً ما كانوا يتعرضون الى خطر فعلي. بعد عام 1982 تغيرت الخارطة الامنية في غرب بيروت، واعتمدت وسائل الحماية على العلاقات العامة والخاصة للمراسلين مع الفرقاء والصراع. فالمراسلون الاشتراكيون كانت تحميهم الميليشيا الاشتراكية. والشيوعيون، لا سيما الفرنسيين والايطاليين، امنهم كان من مسؤولية الحزب الشيوعي اللبناني. ولأن معظم هؤلاء كانوا ينزلون في فندق الكومودور خضعت المنطقة الى مراقبة امنية من جهات متعددة».
ويسترجع رمزي حيدر علاقة القس الاميركي تيري وايت بالكومودور، فيقول: «ان الميليشيات كانت تتنافس فيما بعضها لحمايته، وكان يعقد مؤتمراته الصحافية في الفندق، وخلال احد المؤتمرات عام 1986، نشب قتال بين فريقين ميلشيويين على باب الفندق احتجز الجميع في الداخل، آنذاك قتل احد المارة، فيما حاول مراسلون انقاذه. كذلك تناقلت وسائل الاعلام العالمية مشهد تيري وايت والمراسلين الاجانب والعرب والمسلحين، وهم في بهو الفندق، فيما الاسلحة الى جانبهم على الارض».
بعد عام 1987، بدأ المراسلون يهجرون الفندق وبيروت بأسرها، غربها وشرقها، بعد تفشي ظاهرة اختطاف الاجانب والتقاتل الداخلي بين رفاق الخط الواحد.
وانتهى أمر الفندق بوقوعه في قبضة الميليشيات الذين حولوه خراباً، ليعاد تأهيله منتصف التسعينات بعد انضمامه الى سلسلة فنادق عالمية.
اليوم فقد الفندق صورته كحافظ للاسرار الاعلامية لمراسلي الحرب اللبنانية، صار يضم 207 غرف وصالون تجميل وحمام للسباحة. لكنه ما زال يستقطب اهتمام الاعلام من خلال مؤتمرات تعقد فيه، اهمها كان مؤتمر المعارضة العراقية. كذلك حاولت بعض الاطراف السياسية إعطاءه صفة خاصة من خلال اعتماده مكاناً للاجتماع بمواجهة اجتماعات المعارضة المعروفة بـ«لقاء البريستول» (نسبة الى فندق البريستول)، لكن «لقاء الكومودور» كان يتيماً.
