تكشف عمليات القتل الجماعي التي تقوم بها منظمة قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بتفجير السيارات في التجمعات ضد رجال الشرطة والحرس الوطني ومساجد الشيعة في العراق، وهجمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ناهيك عن عمليات القتل المتبادل بين السنة والشيعة في باكستان، وعمليات القتل والذبح التي شهدتها مصر والجزائر والشيشان..الخ عن خلل في الرؤية الشرعية والسياسية عند هذه الحركات.
تنطلق حركات "الجهاد" من رؤية شرعية تستبطن منهج تكفيري يعتمد تصنيف القوى والأنظمة والمجتمعات على قاعدة إيمان/ كفر، ويعتبر "الكفار" أعداء لها، ويقسمهم إلى أعداء قريبين (الدول العربية والإسلامية ومجتمعاتها) وأعداء بعيدين(الدول الأجنبية ومجتمعاتها) مع ابراز التعاون القائم بين هؤلاء الأعداء، ويرى المخالف، حتى في الفروع، كافرا، وبالتالي دمه مباح، وبحسب فتوى المدعو أبو قتادة دمه وماله ونساؤه وأولاده كلها مباحة.
وقد زاد في دوافع التشدد والغلو انتشار القوات والقواعد الأميركية في الدول العربية والإسلامية بعيد حرب الخليج الثانية واحتلال العراق، حيث أضيف إلى أطروحة "التكفير" أطروحة "الخيانة". وهذا أدى إلى ازدياد عمليات القتل واتساع نطاق المستهدفين. فالذي يعمل مع القوات الأميركية، بغض النظر عن طبيعة عمله، والذي يعمل في برامج إعادة الإعمار في العراق، والذي يأتي لتغطية الأوضاع : صحافة، تلفزيون، والقوى السياسية التي تشارك في العملية السياسية في ظل الاحتلال، كل هؤلاء دمهم مباح. لقد حصل ما حذر منه عالم الاقتصاد الأميركي ليندون لاروس (الشرق الأوسط3/12/2001) في إطار تحفظه على السلوك العسكري الأميركي الذي تلا هجمات 11/9 حيث قال: "سيقاتل مليار مسلم أحدهم الآخر، وكل من حولهم، عندما يستفزهم ما يجري في الشرق الأوسط، وتتوسع هذه الحرب إلى مناطق أخرى".
بدأت ظواهر التشدد في أوساط الحركة الإسلامية بعيد اصطدامها بالنظام المصري في ستينات القرن الماضي، من جهة، وحصول تحول فكري داخلها، من جهة ثانية. فقد برز متغيران أساسيان الأول فكري تمثّل بالانتقال إلى فكرة جاهلية المجتمع وتكفير الأنظمة وتبني أطروحة الحاكمية التي أطلقها أبو الأعلى المودودي، والثاني تمثل بتلاقح فكر الإخوان المسلمين وفكر السلفية، التي تكفر المجتمع عبر التمييز بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وترفض وجود أصول وفروع في الدين وتكفّر المختلف في الفروع كما في الأصول. لقد اجتمع تكفير الأنظمة إلى تكفير المجتمع في نشاط سياسي امتد إلى كافة الدول الإسلامية. وقد ترتّب على بروز هذين العاملين قيام اتجاه أكثر راديكالية في التعامل مع الأنظمة والمجتمعات، مع الإشارة إلى ضرورة التمييز بين فكرة الأستاذ سيد قطب التي ضمنها في كتابه "معالم على الطريق"، الذي كتبه في الزنزانة فكان، كما قال د.عبد الله النفيسي: "زنزانة فكرية"، القائمة على المفاصلة والاعتزال حتى تتمكن الطليعة من إجراء تغيير قاعدي / شعبي، وتكييف حركة الجهاد الإسلامي لها وتحويلها إلى فكرة انقلابية ـ جسدها كتاب زعيم الجماعة محمد عبد السلام فرّاج "الفريضة الغائبة" ـ تدعو إلى الانسلاخ عن المجتمع الذي وصمته بالكفر، والى إقامة تجمع إسلامي جديد خارجه، والانقضاض على المجتمع الكافر وتدميره وازالته واقامة المجتمع الإسلامي من جديد. والتي مارست القتل ضد المسؤولين والسياح الاجانب في مصر، وقام نظيرها الجزائري بذبح اسر كاملة اطفالا وشيوخا ونساء، دون تمييز.
تطوّر هذا التوجه خلال معركة تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي حيث نشأ تيار"الأفغان العرب وتنظيم القاعدة" يعطي الأولوية لقتال العدو القريب، فانفجر العنف في مصر واليمن والجزائر، قبل أن يدفعه العدوان الأميركي على العراق عام 1991 إلى اعطاء أولويه لضرب المصالح الأميركية في كل دول العالم، وصولاً إلى مهاجمة نيويورك وواشنطن.
في السياق نشأت السلفية الجهادية من اتفاق أيمن الظواهري وأسامة بن لادن على تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لمواجهة الصليبية واليهود والأمريكان" بإدماج حركة الجهاد الإسلامي المصرية في الخارج في تنظيم القاعدة حيث أصبح تنظيم القاعدة، الذي كان حسب بروس هوفمان مدير مكتب راند كربوريشن في واشنطن: "منظمة إقليمية ذات برنامج يتسم بالتعقل والحذر، إلى ما هو عليه الآن: تنظيم ذو امتدادات في عدة دول ببرنامج عالمي، منظمة عالمية تحالفت عبر الظواهري مع مجموعات إقليمية في الجزائر والمغرب والفلبين وكشمير والشيشان واندونيسيا. وقد أدى هذا الاندماج إلى تطوير الرؤية الجهادية العالمية وتطوير القدرات القتالية والإرهابية أيضا. لقد أحضر الظواهري الرؤية والأشخاص من تجربة حركة الجهاد الإسلامي المصرية والمحاربين والمهنيين مما جعل بالإمكان القيام بتفجيرات متزامنة في السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام"، ناهيك عن مهاجمة المدمرة كول وناقلة النفط الفرنسية في سواحل اليمن وتفجيرات المغرب والرياض وقطارات مدريد.
وقد شُكلّت فروع محلية لهذا التنظيم في دول الخليج والمغرب والعراق، حيث قاد الاحتلال الأميركي للعراق إلى دمج العدوين البعيد والقريب في مساحة جغرافية واحدة، وزاد تكفير هذه الحركات للشيعة وهدر دمهم، في تفاقم العنف في العراق واخذه اشكالا اكثر دموية ووحشية.

يستطيع الباحث في بنية هذه الحركات ورؤاها الفكرية اكتشاف هشاشة الأساس الديني، حيث إن معظم مؤسسي هذه الحركات وقادتها ليسوا على إطلاع كاف على الشرع ومقتضياته. فقد لاحظ د. قدري حفني، أستاذ علم النفس السياسي في جامعة القاهرة، "أن معظم أمراء الجماعات الإسلامية وكوادرها ليسوا من طلاب العلم الشرعي، وهذا ما جعلهم أحاديين ومتشددين لأن طلاب العلم الشرعي يدرسون المذاهب الإسلامية والمقارنة بينها، فيدركون التعددية والنسبية التي ينطوي عليها التشريع الإسلامي" ـ بن لادن رجل أعمال، أيمن الظواهري طبيب، محمد عبد السلام فرّاج موظف في ديوان جامعة القاهرة، شكري مصطفى طالب ثانوية...الخ ـ يعيدنا هذا إلى مقولة منسوبة إلى الحسن البصري: "تعلّموا قبل أن تتعبدوا لأن الذين يتعبدون دون علم كثيرا ما يتحولون إلى غلاة ويصلون في سلوكهم حد القتل". وإن مرجعية هذه الحركات الفكرية محدودة في عدد من الفقهاء. وقد كان لافتا أن حركة الجهاد الإسلامي في مصر، التي تبنت العنف في بداية ظهورها، قد اعتمدت في مبادرتها لوقف العنف عام 1997 على ذات المرجع الذي اعتمدته عند تبنيها إياه :ابن تيمية. وهذا ما عكس طبيعة المخاطر التي ينطوي عليها التفكير الفقهي السائد.
غير أن ما ساعد هذه الحركات على الانتشار وكسب الأنصار والمتعاطفين "وجود حقيقة محورية ـ حسب غراهام فولر، الشرق الأوسط 24/9/2001 ـ قوامها أن الإسلام هو المحرك الطبيعي للسياسة عبر العالم الإسلامي. ففي هذا العالم يعتبر الإسلام مقياسا للعدالة و الإنسانية والحكم الصالح ومحاربة الفساد. كما يمثل الإسلام مرجعية عقائدية للصراعات الداخلية ضد الحكومات الاستبدادية العلمانية، ولصراعات الأقليات المسلمة من أجل التحرر من السلطات غير الإسلامية القاسية في كثير من الأحيان"، وسلوك الادارة الاميركية المعادي للاسلام، والذي عزز موقف هذه الحركات بين المواطنين المسلمين في كل دول العالم وحوّلها في نظرهم إلى حركات مدافعة عن الاسلام، و تأييد فقهاء كبارـ مع أن هؤلاء الفقهاء يخالفون هذه الحركات في معظم رؤاها الشرعية والسياسية ـ لها بتبرير عملياتها "الاستشهادية" على خلفية رؤية الإسلام لمقاومة الاحتلال والعدوان ومناصرة المسلمين بعضهم بعضا.
يبقى ان هذه الحركات في مأزق بسبب : 1ـ موقفها من بقية المسلمين وتكفيرها لهم وعدم التردد في قتلهم، كما حصل في السعودية والعراق وباكستان والمغرب، وهذا يجعلها محط تساؤل واستنكار في اوساط المسلمين الذين تدعي انها "تجاهد" من اجل حمايتهم والدفاع عن مصالحهم. 2ـ اساليبها وأدواتها، والتي تعكس تخلفها عن عصرها وأدواته، والتي تثير الرعب والاشمئزاز في الرأي العام العالمي وما يجعلها مدانة منه ومنبوذة.
3ـ دخولها في معارك لا تتحكم بنتائجها وتعجز، بالتالي، عن تحاشي انعكاساتها السلبية على المسلمين، ما يجعلها مصدرا للمخاطر والشرور، وهذا يضعف، على المدى المتوسط، موقفها بين أنصارها والمتعاطفين معها ويجعل مستقبلها اسود.