"إيلاف" ترصد نتائج عرس الديمقراطية الأولى
سيطر الأخوان وأهل الرياض بلا تمثيل
| سعوديون يدلون بأصواتهم في الرياض |
الرياض ـ باختصارـ فتحت ذراعيها للقادم الديمقراطي الجديد ولكن بطريقة أخرى، طريقة جمعت بين إيقاعات وأزياء واحتفالية رقصة (العرضة النجدية) التقليدية الجميلة، وبين فوضى وزعيق حراج (ابن قاسم) أحد بازارات الرياض العتيقة، ولكن ظلت هذه التنافسات بعيدة عن العنف و أعمال الشغب. وفي المحصلة أصبح للانتخابات في الرياض طابعاً مميزاً ونكهة مختلفة عن الانتخابات في الدول الأخرى، وفي ظني أن هذه الطابع سيتكرر في كل المناطق و المدن السعودية التي تنتظر دورها بعد الرياض في الموسم الانتخابي السعودي الجديد.
كان المتنافسون في الرياض المدينة يتنافسون على سبعة مقاعد، من مجموع أربعة عشر مقعداً تشكل في مجموعها أعضاء المجلس البلدي، أما بقية أعضاء المجلس فسيقوم العاهل السعودي بتعيينهم. وكان التنافس في التوجهات السياسية والاجتماعية ينحصر بين أربعة أطياف تقريباً : التيار الديني الأصولي بتقسيماته المختلفة، والتيار القبلي، وتيار التجار وتحديداً تجار العقار، والتيار الليبرالي. وقد جاءت النتيجة باكتساح الأصوليين الإسلاميين اكتساحاً كاملاً، وبالذات تيار (الأخوان المسلمين) على وجه التحديد، لهذه الانتخابات، حيث حصلوا على كامل المقاعد السبعة المخصصة للانتخابات.
ويُعلل أحد المراقبين السعوديين هذه النتيجة بالقول : أن هذه الانتخابات كانت جديدة على المشهد الاجتماعي والسياسي السعودي وعلى الرياض على وجه الخصوص، ولن تكون القاعدة وإنما الاستثناء سواء في بقية المناطق و المدن السعودية الأخرى، أو في المواسم الانتخابية المستقبلية. حيث فاجأت هذه الانتخابات أهل الرياض، وبرزت على السطح على حين غرة دون أن يكونوا متنبهين لها. وفاز بها الطيف الأكثر تنظيماً والذي استعد لها مبكرا ًوهو التيار الإخواني، الذي ينتمي إليه أغلب الفائزين ( خمسة من السبعة أعضاء). ويبرر هذا المراقب تحليله بالقول : أن الأرقام تدعم ما أقول. حيث كان عدد من يحق لهم التصويت حسب شروط النظام في مدينة الرياض فقط، وليس ضواحيها، يربو على (500 ألف ) ناخب. بينما حصل منهم ما مجموعه (86 ألف ) ناخب فقط على البطاقات الانتخابية، ولم يشارك في الانتخابات فعلياً سوى(56 ألف) ناخب كما جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات. ويواصل : هذا يعني أن الذين شاركوا فعلياً في الإنتخابات لا يتعدون ما نسبته (5%) فقط ممن (يحق) لهم نظاماً الانتخاب، وهذه نسبة في غاية التدني، ولا تعتبر مؤشراً دقيقاً يعول عليه في قياس خارطة القوى الاجتماعية والسياسية سواء على مستوى الرياض أو المملكة. ويختتم تعليقه بالقول : صحيح أن التيار الديني هو الأقوى بكل المقاييس في المملكة، غير أن تيار الأخوان ليس الأقوى في تشكيلة الطيف الديني السعودي وبالذات أمام التيار السلفي بكل تأكيد.
ومن الجدير بالملاحظة أن جميع المرشحين الفائزين في هذه الإنتخابات جاءوا حسب انتماءاتهم الأسرية الأصلية من (خارج) مدينة الرياض. حيث أن ثلاثة منهم من منطقة القصيم : ( السويلم، العمري، الرشودي). و(باسودان) من منطقة مكه. و ( القصبي) من الأسر النجدية العائدة من مدينة الزبير العراقية. و ( القعيد) من حريملا. أما (البواردي) فهو من مدينة شقرا. وهذا ما سيضطر السلطات الحكومية إلى إدخال أسماء تنحدر تقليدياً من أسر هذه المدينة كما هو متوقع، لإحداث نوعاً من التوازن، حيث سيتم اختيار سبعة أعضاء آخرين من خلال التعيين وليس الانتخاب.
أما غياب التيار الليبرالي، وكذلك تيار التجار، والتيار القبلي، عن هذه النتائج، فلن يتكرر كما متوقع في بقية مناطق المملكة. فالتيار الليبرالي إضاقة إلى تيار التجار، هو الأقوى (نسبياً) والأعرق في حاضرة الحجاز، وكذلك في مدن المنطقة الشرقية. كما أن كثافة الشيعة في الأحساء على وجه الخصوص، وكذلك في بعض ضواحي المدينة المنورة، إضافة إلى الطائفة الإسماعيلية والزيدية الموجودة بكثافة في المناطق الجنوبية المحاذية للحدود مع اليمن، سيحدث ما يمكن أن يكون توازناً مع سيطرة الإخوان على المجلس البلدي لمدينة الرياض. وفي مناطق الشمال فمن المتوقع أن يكتسح التيار القبلي بقوة الإنتخابات البلدية. وتبقى مناطق الجنوب، وبالذات منطقة أبها، حيث أن تأثير القبيلة مازال قوياً، مع أن التيار الأصولي الإسلامي المسيس بدأ يغزو هذه الأنحاء من السعودية في العشرين سنة الأخيرة. أما بقية وسط المملكة، وبالذات منطقة القصيم على وجه التحديد، فمن المتوقع أن يكتسحها الأصوليون الإسلاميون والسلفيون منهم على وجه التحديد، حيث أنها تعتبر من أهم معاقلهم التقليدية.
نتائج الرياض ستعطي بقية التيارات الاجتماعية والسياسية في المملكة خبرة عملية لكيفية التعامل في اللعبة الإنتخابية، حيث أثبتت هذه الإنتخابات أن (التنظيم)، وليس البذخ والتبذير والموائد العامرة بكل ما لذ وطاب, هو الذي يستقطب الناخب السعودي. ولعل هذه أهم الدروس التي تمخضت عنها هذه التجربة الإنتخابية.
بقي أن نقول إن هذه التجربة الإنتخابية السعودية الأولى إتسمت بالنزاهة والشفافية، كما يؤكد ذلك أغلب المراقبين في الخارج والداخل، وهو أمرٌ نادر في تاريخ (الإنتخابات العربية ). ورغم أن هناك أكثر من (خمسين طعناً) حتى اليوم تقدم بها مرشحون خاسرون تمس نتائج هذه الإنتخابات، إلا أن هذه الطعون بقيت في هامش القضايا الشكلية والإجرائية، ولم ترقَ إلى إتهام السلطات بالتزوير والتغيير كما هي العادة في الدول العربية الأخرى التي سبقت المملكة في تجربة الإنتخابات.
