لم يستمع لنصيحة أعلى قانوني بريطاني حول الحرب
بلير يواجه مأزق "العراق" سياسيًا وبرلمانيًا
نصر المجالي من لندن: قفزت الحرب ضد العراق التي شاركت فيها بريطانيا في مارس (آذار) 2003 وكان من نتائجها إسقاط حكم صدام حسين، لتحتل أولوية قصوى في معركة الانتخابات البريطانية الحالية التي تبلغ ذروتها في الخامس من مايو (آيار ) المقبل. ففي الساعات الأربع والعشرين الماضية تفجرت فنبلة جديدة في وجه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الساعي لولاية ثالثة من خلال الانتخابات المقبلة، فقد كشف النائب العام البريطاني اللورد غولد سميث الذي يعتبر اعلى هيئة قانونية في المملكة المتحدة البارحة أنه أبلغ رئيس الوزراء بعدم شرعية الحرب على العراق "إلا إذا صدر قرار جديد من مجلس الأمن الدولي".
وتحدثت وسائل الإعلام البريطانية كافة اليوم عن تلك الوثيقة التي كان بعث بها النائب العام عشية الحرب، وطالبت تلك الوسائل المقروءة منها والمسموعة والمرئية وكذلك سياسيون وقادة أحزاب في المعارضة وقياديون في حزب العمال الحاكم من رئيس الوزراء المبادرة لكشف الحقائق مجددا أم الناخبين حول تورط بريطانا في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة من دون غطاء دولي.
وفور الكشف عن نصيحة النائب العام اللورد غولد سميث البارحة من خلال شبكة سكاي التلفزيونية الإخبارية وتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي بادر زعيم حزب المحافظين المعارض مايكل هيوارد على اتهام رئيس الوزراء بالغش والخداع طارحًا قضية الصدقية في كل قرارات بلير السياسية وخصوصًا ما يتعلق منها بالعراق. لكن رئيس الوزراء رد من جانبه مدافعًا عن قراراه بالوقوف مع الولايات المتحدة في شن تلك الحرب، وقال إنه "لم يكذب في شأن اتخاذ قرار شن الحرب".
وتبين أن النائب العام غولدسميث كان بعث برسالة إلى رئيس الوزراء في السابع من مارس 2003 ينصحه فيها بعدم الذهاب للحرب "إلا إذا عادت بريطانيا ثانية إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد يدين النظام العراقي في شأن أسلحة الدمار الشامل التي قيل إن العراق كان يسعى إلى تحصيلها وأنه تم إخفاؤها عن فريق التفتيش الدولي".
وكانت حكومة بلير طلبت من النائب العام رأيه القانوني في شأن الحرب استنادا لقرار مجلس الأمن الرقم 1441 الذي دعا إلى نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، وقالت الحكومة في رسالتها إن لديها معلومات تؤكد أن العراق لا يزال يحتفظ بتلك الأسلحة على الرغم من أنه كان أعلن قبل ذلك أنه دمر آخر ترسانته منها.
وذكرت المصادر البريطانية اليوم أن رئيس الوزراء أصر على رفض الكشف عن نصيحة النائب العام التي استندت أيضا في بعض مبرراتها بعدم خوض الحرب إلا بعد قرار دولي جديد على نتائج تقرير هانز بليكس رئيس الفريق الدولي ومحمد البرادعي المدير العام لوكالة الطاقة الدولية خلال زيارتهما للعراق قبل نشوب الحرب بعد أيام، حيث أكدا في تقريرهما أن العراق "تخلص من تلك الأسلحة".
يذكر أن النصيحة القانونية قدمت في 7 مارس 2003 ، وفي ذات اليوم أعلن بليكس أن العراق عبر عن تعاونه التام مع فريق المفتشين الدوليين، وفي 17 مارس سلم اللورد غولدسميث نصيحته إلى مجلس الوزراء رسميا، حيث كشفت حكومة بلير تفاصيلها أمام مجلس العموم ومن بعد ذلك بثلاثة أيام اشتعلت الحرب من دون الأخذ بتك النصيحة.
وإليه، فإن الصحف البريطانية واصلت حملتها اليوم ضد رئيس الوزراء، حيث اتهمته مقالات عديدة بأنه "مجرم حرب"، وقالت صحيفة (إندبندنت) تحت عنوان "الجدل الجديد بشأن العراق يجذب بلير بعيدا عن أرض المعارك التي اختارها" إن خطط حزب العمال في التركيز على قضايا الاقتصاد والتعليم في الاسبوع الاخير من الحملة الانتخابية قد اضطربت كثيرا عندما واجه بلير أسئلة صعبة بشأن الشكوك الجديدة حول مشروعية الحرب على العراق.
وأوضحت أن حزبي المحافظين والليبراليين سعيا إلى جعل مسألة الثقة في بلير في قلب الحملة الانتخابية مما دفع الاخير إلى اتهامهما بإثارة قضية العراق فقط "لانهما ليس لديهما شيء مهم يقولانه عن القضايا التي تواجه بلادنا في المستقبل".
أما صحيفة (التايمز) فقد نشرت مقالا تحت عنوان "غضب الاسر التي فقدت أبناء في العراق سيطارد بلير حتى صناديق الاقتراع". وأصر كاتب التقرير برهان وزير على وضع تقريره في إطار الصورة الادبية التي يوحي بها العنوان حول وجود أشباح أو أرواح هائمة تطلب القصاص. قال الكاتب إن ضحايا الحرب على العراق في بعض الدوائر الانتخابية الهامة في أنحاء بريطانيا سيعملون جاهدين على إسماع أصواتهم خلال الانتخابات المقبلة.
وكتب ريتشارد غوت مقالا في صفحة التعليق والتحليل في صحيفة (الغارديان) هاجم فيه بلير تحت عنوان "رئيس الوزراء مجرم حرب"، وقال إن توني بلير هو أسوأ رئيس وزراء بريطاني حكم البلاد منذ نيفيل تشامبرلين الذي قال إنه يتشابه معه في سمات هامة. وقال إن تشامبرلين كان سياسيا متغطرسا لديه ثقة زائدة بالنفس، ومتحدثا بارعا وشخصا شديد التدين والورع يربطه بالرب خط ساخن، وصاحب أغلبية في البرلمان لا يمكن هزيمتها. وتابع الكاتب قوله إن بلير سار على خطى تشامبرلين، فهو متغطرس وحليف مسترض لدولة جامحة تمثل تهديدا عالميا يشبه التهديد الذي كانت تمثله ألمانيا في الثلاثينات من القرن الماضي "فبدلا من تشكيل تحالف لمواجهة هذا الخطر الجديد يضم الاوروبيين والروس والصينيين، انحاز بلير إلى إمبراطورية الشر"، حسب الكاتب ريتشارد غوت. .
وختامًا، رأى غوت أن بلير مجرم حرب يجب أن يوضع خلف القضبان لا أن يترك لينافس في الانتخابات. ولم يستثن الكاتب حزب المحافظين من سهام نقده حيث قال إنه ليس أفضل حالا.
