|
قادة يأتون من أمكنة وحسابات سياسية متناقضة إيلي الحاج - بيروت: أثبت قادة الطوائف اللبنانية أنهم قادرون على الإلتقاء والتحاور، إلا أن الاتفاق في ما بينهم يبقى شأنا آخر، مستبعداً. لا يمنع ذلك أن يحقق
كرسي رئاسة حركة quot;أملquot; بين كراسي الزعماء أهم لنبيه بري من الكرسي رقم 2 في دولة لبنان، لذلك يجلس إلى طاولة الحوار طرفاً محاوراً باسم الشق الذي يواليه من طائفة الشيعة المتوجسة من ضمور نفوذها بعد خروج القوات السورية من البلاد. طوال عقود كانت حركة المحرومين سابقاً وخلفها جمهورها المدللة والمميزة لدى نظام quot;البعثquot; الذي حكم لبنان، فحكّمها في الوظائف والخدمات والانتفاعات كافة لتغرف من الخزينة العامة ما استطاعت باعتبار وجوب تعويض غبن مزمن تحت شعار عن حق أو خطأ quot;حَكَم الموارنة خمسين عاماً وجاء دورناquot;. لكن الحركة التي كانت في كل مواقفها السياسية الماضية سورية جداً لم تبنِ على صخر، فاضطر رئيسها عند أول ريح إلى الالتحاف والالتحاق بعباءة قائد التنظيم الآخر للطائفة الأمين العام ل quot;حزب اللهquot; السيد حسن نصرالله ليتبادلا الحماية. وعندما ضجت البلاد بأزمة رئاسة الجمهورية أعلن بري أنه يقف خلف نصرالله الآخر ( البطريرك الماروني نصرالله صفير). يجيد رئيس quot;أملquot; ومجلس النواب دور الثاني الواقف خلف، فيما هو الأول في الدولة بحكم الوضع الحالي لرئاسة الجمهورية مع شاغلها إميل لحود، وفي جلسات الحوار عرض آنفاً ألا يترأس ولا يدير فلم يقبلوا معه : أنت الرئيس والمدير والمتحدث الوحيد.
رجل دولة من طراز رفيع، اكتشفه اللبنانيون بعد الرحيل الفاجع لصديقه منذ المدرسة رفيق الحريري الذي كان يتقدمه ولم يكُ بين فريقه أنسب من فؤاد السنيورة ليحمل بعده شعلة رئاسة الحكومة. لبق، لا يقطع الشعرة بينه وبين الآخرين ويجيد اختراع المخارج من المآزق التي يفتعلونها في وجهه لتعويق سيره وحكومته وإن على حساب لبنان ومصالح شعبه. لا يترك رئيس الحكومة خياراً لمن يتعاملون معه إلا أن يحترموه، حتى الرئيس السوري بشار الأسد الذي أطلق عليه في لحظة نزق أوصافاً خارجة عن التهذيب تراجع وطلب نسيان الإساءة ولم يخرج السنيورة عن هدوئه. يعبر بالشعر في الظروف الصعبة ولا سيما عندما ينزل به ظلم، وبأمثال رقيقة. السياسي الوحيد في لبنان الذي يعزف العود ويغني. يعرف أن يلاقي من يعادونه في منتصف الطريق من غير أن يتنازل عن الجوهر. لمس ذلك منه مراراً كل الجالسين معه إلى طاولة الحوار.
الرئيس السابق للجمهورية الذي صار الرئيس الأعلى للكتائب محنك مجرب خبير في جلسات المناقشات، فهو آتٍ من تراث حزب، رغم ماضي عسكريته أسهل ما يكون عليه تنظيم الجدل السياسي، المهرجانات والاحتفالات الشعبية أيضاً. من تركيبة الشيخ أمين الطبيعية ألا يصرم خيوطاً يحرص أن تربطه دوماً بمن يظهرون أو يضمرون له العداء لا فرق. بهذا يمكن القول أن الرئيس الأعلى، والرئيس في الكتائب كريم بقرادوني يتكاملان رغم ما يظهر بينهما من اختلاف في الطبيعة، فحزبهما الضامر والمشترك تميز خطابه صلابة وليونة، وما بينهما في آن واحد. هكذا يكون الجميّل الدمث الحديث في الحوار مع quot;قوى 14 آذار/ مارسquot; طبعاً، والأكثر انفتاحاً ربما على المختلفين معها. بينه وبين الجميع، إلا من استجد منهم في العمل السياسي، تاريخ من المواجهات السياسية والعسكرية والمفاوضات في ولايته الرئاسية الماضية التي لم يقدر لها أن تكون طبيعية بسبب الحرب. هو اليوم صاحب المقام الأول بين الزعماء الموارنة رتبة وثالثهم قوة. وحتى لو بدت الظروف غير متوافرة كفاية للعودة إلى بعبدا، فلا بأس بتقديم نموذج لما يكون عليه تصرف الرؤساء، خصوصاً أن خلف فخامة الرئيس نجله الشيخ بيار يساعده، وقد صار وزيراً يمثل له المستقبل بالتحالف مع quot;المستقبلquot;.
لعله أمضي الوقت في اليوم الأول والأخير من الحوار الذي شارك فيه يتساءل لماذا هذا الحوار؟ في أي حال قطع الزعيم الدرزي الشك باليقين وبطاقات السفر إلى الولايات المتحدة قبل وقت، فلم يمهل دعاة الكلام الكلام الكلام كثيراً. سيلتقي هناك كبار القوم في الأدارة الأميركية وأولاهم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ثم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان بصفته الملازمة له منذ اغتيال الرئيس الحريري زعيم قوى الغالبية في البرلمان والحكومة والميدان. ليست جلسات الحوار جديدة عليه لكنه يملّ فهذه طبيعته لذلك يسأل: لماذا هذا الحوار؟ وعندما صافح نصرالله بعد طول جفاء عرّف عن نفسه قائلاً: quot;أنا رمز الغدرquot;. فأجابه : quot;وأنا سلاح الغدرquot;، وكان لقاء طريفاً.. في جلسات جنيف لوزان لإنهاء الحرب ( 1983 و 1984) كان يمضي بعض الوقت في التقاط صور تذكارية للجالسين إلى الطاولة كي لا ينسى. وفي دمشق (1985) قال بعد توقيعه quot;الاتفاق الثلاثيquot; مع حليفه اللدود السابق نبيه بري والراحل إيلي حبيقة إن ابنه تيمور سينفذ ذلك الاتفاق، وكان طفلاً. كبر تيمور وحواس والده السياسية باتت أقوى بكثير وأدق. حسن نصرالله
يتسلح بعناد يتشارك فيه مع الرئيس الجنرال إميل لحود ويجعل مسألة إسقاط الرئيس المقيم في بعبدا أصعب ربما مما اعتقد خصومه إذا ما أصروا على رفضهم الجنرال عون خليفة له. يتسلح أيضاً بأنه نال أصوات 72 في المئة من المقترعين المسيحيين في الانتخابات النيابية الصيف الماضي، علماً أن بعض من يرفضونه ومن quot;ينقزونquot; منه على السواء يقولون إن الظروف اختلفت، وإن الجنرال عون نفسه اختلف. ويتسلح أيضاً بورقة التفاهم مع quot;حزب اللهquot; التي يفترض أن تجعله المرشح التلقائي للجمهور الشيعي، وكذلك برضا علني من النظام السوري لم يظهر بعد ما إذا كان حقيقياً أم لا. قيل إنه وافق على أن يسمي بطريرك الموارنة رئيساً جديداً، ربما لتأكده أن البطريرك يستحيل أن يقبل. ويعجب الجنرال لاستمرار الأزمة ما دام الجميع يدرك أن مفتاح حلها عنده، فلماذا لا يطلبون المفتاح لينفرج الجميع؟
يحمل زعيم quot;تيار المستقبلquot; على منكبيه إرثاً سياسياً ثقيلاً خلفه وراءه والده الشهيد، وأمانة أن يكمل ما كان قد بدأ به، لذا لا مهادنة معه في إيصال التحقيق الدولي إلى خواتيمه أيا يكن الجناة، وأمانة تخليص لبنان من الفريق الأمني الذي ناصب والده العداء وحرض عليه وسامه ألوان الاضطهاد حتى الرمق الأخير. ولا مهادنة عنده أيضاً في السير باتفاق الطائف الذي كان في جزء كبير منه ثمرة تعب رفيق الحريري طوال سنوات تأسيساً لسلم يتيح بناء وطن آمن. فوق ذلك كله يحمل سعد الحريري زعامة شعبية سيكون عليه على مر التحديات أن يثبت قدرته على حملها رغم المطبات والأخطار. وأن يبقى في الوقت نفسه صلة الوصل بين الطوائف والأحزاب الحليفة والمتخاصمة على السواء، مدعوماً بسند عربي ودولي من الرياض إلى القاهرة وباريس وواشنطن قل نظيره لمثله بين القادة. سمير جعجع
عميد الصحافة اللبنانية خاض الكثير في الحوارات، وحضوره يضفي على المناقشات نكهة فكرية وقيمة وبعداً مختلفين. يجيئه المتحاورون للنصح فيعطيهم السابقات والمخارج والاجتهادات، وكما دعا في وداع ابنه الشهيد النائب جبران إلى دفن الأحقاد يحضهم على فتح صفحة جديدة يقدرون عليها. لا نطلب ثأراً قال بل عدالة. غسان تويني أرثوذكسي درزي ماروني مسلم مسيحي فهو علماني، خبير في تدوير الزوايا لا تفوته شاردة ولا واردة فيما ينظر إلى المتحاورين بعيني السياسي والدبلوماسي والأب الذي هو، ملتزماً وهو الصحافي مع الآخرين ألا يسرّب مضمون المناقشات لتنحصر المعلومات في بيان رسمي يدلي به الرئيس بري، وكذلك التسريبات لاحقاً. فلا شيء يجب أن يبقى سراً في لبنان أكثر من ساعات وهذه ميزته. |
||||||||||||||
فرسان الطاولة المستديرة في لبنان
هذا المقال يحتوي على 1542 كلمة ويستغرق 8 دقائق للقراءة
