بعد أن كان الفارق في لبنان قد رسي على يوم واحد
ثلاثة أعياد في أضحى واحد.. بلا بهجة

عماد الدين رائف من بيروت: يبدو أن الخلاف السياسي الحاد بين السياسيين اللبنانيين أخذ طريقه إلى مواطنين كانوا متعطشين إلى فرحة العيد الذي تحول إلى عيدين فثلاثة، في ظل انقسام في تحديد أول أيامه أتى من رجال الدين الذين غاروا، ربما، من سياسيي هذا البلد. فبعد أن كان الفارق في التوقيت المذهبي في لبنان قد رسي على يوم واحد في المناسبات الدينية الاسلامية بين السنة والشيعة، ها هو اليوم يمتد لثلاثة أيام. كالعادة أتى العيد مبكراً عند الطائفة السنية، ذات الأجندة السعودية في أفراحها وأتراحها، فأتى العيد يوم الأربعاء الماضي مصطحباً معه العطلة الرسمية التي حددت بيومين. أما الطائفة الشيعية فقد انقسمت بين مقلدي المرجع محمد حسين فضل الله من جهة، وبين أتباع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الإمام عبد الأمير قبلان، وأتباع حزب الله من مقلدي السيد الخامنئي في إيران، وأتباع حركة أمل من مقلدي السيد السيستاني في العراق، وبعض العلماء الآخرين. فكما في السياسة، ينقسم اللبنانيون في الدين عبر اتباعهم لمرجعيات متعددة لم تتفق على آلية واحدة في تحديد يوم البهجة، فالرئيس العتيد لم يأت عيدية مصطحباً استقراراً ما، وها هو العيد يأتي بثلاثة رؤوس مفرغاً من فرحته.

اختلاف في الآلية

يرد رجال الدين، وما أكثرهم، من المتصدين للإجابة على أسئلة واستفسارات المواطنين على الهواء مباشرة عبر الأثير والشاشات، اختلاف العلماء في تحديد أول أيام العيد إلى الاختلاف في الآلية المتبعة لدى هذا المرجع أو ذاك. فالمواطن، المكلف يريد إبراء ذمته تجاه التكليف، خاصة أنه يحرم لدى المسلمين صوم أول أيام العيد، ويستحب صوم اليوم الذي يسبقه، والذي يسمى بيوم الوقفة.

فدار الفتوى السنية التي تعتمد آلية الرؤية، ولا شيء غير الرؤية، يطلب من المواطنين والخبراء والعلماء التماس الهلال مطلع الشهر القمري، كما مع هلال شوال في أواخر رمضان لتحديد عيد الفطر، ولا سيما أن الشهر القمري يتراوح بين 29 و 30 يوماً، كذلك الأمر مع هلال شهر ذي الحجة أواخر ذي القعدة لتحديد رأس الشهر، وبالتالي يتم احتساب عشرة أيام لتحديد عيد الأضحى. ويرد خالد مدرك حجية هذه الآلية quot;إلى القرآن والسنة النبوية، وقد كانت هذه الآلية هي الآلية الوحيدة المتبعة في القدم. فإن اتصل عدد من المواطنين أو العلماء المعتد بشهاداتهم، يعلن الدار عبر رسالة متلفزة يظهر فيها المفتي عن يوم العيد، الذي يأتي متوافقاً دائماً مع الإعلان في العربية السعوديةquot;. أما المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهو الجهة الرسمية المعترف بها من قبل الدولة لتمثيل الطائفة الشيعية، فهو quot;كذلك يعتمد آلية الرؤية مع اختلاف بسيط، يتمثل في مرور جزء معتد به من الليل على ولادة الهلال بحيث يلحظ في بلدان متحدة في الأفق. وربما يشكل هذا الاختلاف البسيط السبب الرئيس في تأخر أعياد ومناسبات الطائفة الشيعية يوماً واحداً في الغالب، ويرتبط تحديد المناسبات لدى هذه الطائفة في لبنان بالمراجع في إيران والعراق المتبعين للآلية ذاتها، خاصة أن هذين البلدين يتحدان في الأفق القمري مع لبنانquot;، كما يقول زكريا.

في المقابل ولدت آلية حديثة لدى المرجع فضل الله، يقول علي، أحد المقلدين: quot;الذي يعتمد الحسابات الفلكية المبتنية على العلم والأجهزة الفلكية المتطورة في تحديد هذه المناسبات، حيث تعتبر هذه الحسابات دليلا لا يمكن أن يرقى إليه الشك في تحديد ولادة الهلال مطلع شوال، ذي الحجة، ومحرم، ذي الأهمية الخاصة لدى هذه الطائفةquot;، وتتوافق الحسابات الفلكية عادة مع الرؤية في العربية السعودية.. لكنها لم تتوافق هذا العام، ما جعل أول أيام العيد فيها الأربعاء، ولدى مقلدي السيد فضل الله الخميس، وعند الشيعة في إيران والعراق ولبنان الجمعة. فهذه الآلية المبتنية على العلوم الحديثة لم توحد شتات الآراء، وإن أتت محايدة.

في النتيجة يدعو رجال الدين عبر برامج الفتوى المسموعة والمتلفزة المكلفين، من أتباع مراجعهم، إلى احترام تكليفات غيرهم من المواطنين الذين يتبعون مراجع قد تخالفهم الرأي. ويشرحون شرحاً موجزاً لأسباب الاختلاف في تحديد أول أيام العيد، ويفتون وفق ما رأوه مناسباً في تحديد يوم الوقفة واستحباب صومه، وتحديد يوم العيد وتحريم صومه، وهكذا. لكن النتيجة كانت غريبة نوعاً ما. فالمواطن العادي، المقلد أو المتبع لهذا العالم أو ذاك من رجال الدين يرزح تحت هموم معيشية تفوق قدرته مع جنون في الأسعار يجتاح الوطن الصغير، وكأنه لا ينقصه إلا هذا الخلاف الديني في تحديد يوم العيد، والذي quot;لا مبرر له إطلاقاquot;، فعلى الرغم من الاختلاف في الآليات المتبعة فلبنان quot;كله على بعضه ليس بمساحة مدينة واحدة في بلدان العالمquot;، على حد تعبير عبد العزيز.

الفرحة المفقودة

تسمع كيفما اتجهت في بيروت عبارات التذمر من تناحر السياسيين الظاهري على المنابر والشاشات، وقد أتى العيد المنقسم ليعزز هذا التذمر ليترجم من خلال النكات الحاملة لكل معاني الاستهجان من رجال الدين الذين يحذون حذو سياسيي هذا البلد. فالعيد quot;في الأصل هو مناسبة لإظهار الفرحة وإشاعة الأمل خاصة لدى الأطفال والشبابquot;، وفق سامر وهو أب لخمسة أطفال قرر ألا يزور الأقارب في ظل اختلاف عائلي بين مرجعه ومرجع أهله، وقد اصطحب عائلته إلى الملاهي quot;هربا من القال والقيلquot;. أما أسامة فيرى أن العيد مناسبة اجتماعية لترسيخ الترابط في الوعي الجماعي، ونقل التقاليد عبر الأجيال، وهو يحمل بشدة على الخلاف في الفتوى، كونه لا يشعر بالعيد فهو من quot;عائلة نصفها سني ونصفها شيعيquot;.

شوارع بيروت الخالية من الحركة الاقتصادية، والهموم المعيشية لدى الشرائح الفقيرة، والأشد فقراً وتهميشاً، في ظل عدم استقرار أمني ndash; سياسي رافق الاغتيال الأخير، جعلت المواطنين غير آبهين بالعيد، إذ إن السنوات القليلة الماضية جعلت العلاقات الاجتماعية بين الناس تكاد تكون معدومة، حتى بين الأقارب والأرحام، يقول أبو أحمد: quot;نحمد الله على نعمة الخليوي الذي يصلنا بالناس، أنا أكتفي بإرسال الرسائل القصيرة عبره والرد عليهاquot;. اما العيديات التي كان ينتظرها الأطفال المستيقظون من الصباح الباكر فكانت قليلة جداً quot;على قد الحالquot;، كما عبر ياسر، وكان للطقس الذي شهد انخفاضاً ملحوظاً في درجات الحرارة دور في إلغاء كثير من المشاريع العائلية لقضاء أيام العيد في زيارات متبادلة.

هكذا، على الرغم من تحول العيد إلى أعياد، والتدارك المتأخر للحكومة في اتخاذ قرار بالإقفال يوم الجمعة، واعتباره عطلة رسمية كونه يصادف أول أيام عيد الطائفة الشيعية، بدت بيروت وضواحيها حزينة. وصلها ثلاثة أعياد بدل العيد ولم يصلها من البهجة شيء.