لم يشعر أحد بأن عباءة الإتحاد التي لبسها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان عند وفاة والده الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان قبل ست سنوات، كانت عباءة فضفاضة، بل إنها بدت بعد أيام قليلة من توليه رئاسة الدولة الاتحادية على قياسه تمامًا . فالشيخ خليفة على الرغم من المدة التي قضاها متفرغًا للشأن المحلي في إمارة ابوظبي.
أبو ظبي:لم يكن بعيدًا في الواقع عن الشأن الاتحادي، فصلته اليومية المباشرة بوالده المرحوم الشيخ زايد جعلته على إطلاع مستمر بكل صغيرة وكبيرة من مجريات العمل الاتحادي . كما ان منصبه كنائب للقائد الاعلى للقوات المسلحة في ذلك الوقت ، أبقاه على مقربة من كل التطورات المحلية والاقليمية والدولية . إضافة الى ذلك، فإن موقع إمارة ابوظبي في تركيبة الكيان الاتحادي وضعه أمام مسؤوليات اتحادية غير مباشرة . فجزء لا بأس به من الميزانية الاتحادية يتم تمويله مباشرة من ابوظبي . كما ان إمارة ابوظبي بحكم المساحة وعدد السكان والامكانيات المادية كانت خلال تفرغ الشيخ خليفة النسبي لشؤونها، تتحمل اعباء على صعيد الأمن والدفاع، بشكل يجعل نوعًا من التداخل في بعض الاحيان بين المسؤوليات المحلية والاتحادية.
إلى ذلك، فإن المكانة النفطية العالمية التي تحتلها إمارة ابوظبي فرضت على الاجهزة المحلية في الامارة نوعًا من المسؤوليات الخارجية على هذا الصعيد. وهو ما كان يجعل الشيخ خليفة على صلة بالشأن النفطي الاتحادي إن لم يكن هو الذي يدير هذا الشأن بشكل مباشر.
كل هذه العوامل هيّأت المسرح الاتحادي أمام الشيخ خليفة بن زايد للانتقال سريعًا وبشكل سلس الى مرحلة جديدة من مراحل قيادته للشأن العام.
وكان الشيخ خليفة يدرك وهو يتسلم مسؤولياته الاتحادية أن لكل مرحلة مفرداتها وخصوصيتها، وأن الوفاء والعرفان لما قام به الآباء ، لا يعني الجمود وإجترار ما تم إنجازه. وإن أفضل ما يمكن القيام به لترجمة العرفان والوفاء لإنجازات الماضي هو البناء عليها والاستفادة من معطياتها.
لم يحاول الشيخ خليفة وهو يبدأ مهماته الدستورية كرئيس للدولة الاتحادية إختراع العجلة من جديد، بل كان ببساطة يريد إستخدام هذه العجلة للوصول الى مناطق أبعد وبشكل أسرع. لم يكن الشيخ خليفة الذي يعرفه الناس لين المعشر هادئ الطبع من النوع الانقلابي في قراراته، أو الذي يسعى إلى كسبٍ إعلامي سريع. ولذلك فإنه وضع شعارًا بسيطًا إستهل فيه رئاسته للدولة هو (التمكين). ولم يقل التغيير كما إعتادت بعض القيادات السياسية أن تعلن عندما تتبوأ سلطة أو مركزًا، ولم يقل التصحيح الذي يعطي إيحاء إنقلابيًا. قال ببساطة التمكين وهو ما يعني الاستمرارية دون جمود والبناء على ما تم وتعزيزه وتثبيت أركانه.
تعزيز المشاركة
وضمن فلسفة التمكين التي أطلقها الشيخ خليفة يمكن التوقف عند عدد من المحطات البارزة. وأبرز هذه المحطات مبادرته لتطوير المشاركة البرلمانية الاماراتية وتحويلها من تجربة قائمة على إختيار أعضاء السلطة التشريعية والمتمثلة في المجلس الوطني الاتحادي عبر التعيين الذي يتولاه حكام الامارات المكونة للاتحاد، إلى تجربة فريدة تجمع بين التعيين والانتخاب.
في هذه المبادرة لم يتنكر الشيخ خليفة لمزايا التعيين الذي يترك فرصة أمام الاستفادة من تجارب أهل الرأي والخبرة ، ولم يتجاهل المحيط الاقليمي والدولي الذي يتطور بإتجاة مشاركة أوسع.
ولم يجد الشيخ خليفة صعوبة في المزج بين الأمرين لا على المستوى الشعبي الذي جاءت استجابتة كبيرة للمبادرة وعبّر عن ذلك من خلال مشاركته في الانتخابات، لا على المستوى التنظيمي والقانوني حيث ظهر نوع من التعايش الناضج بين أولئك الذي دخلوا المجلس الوطني عبر الانتخابات واولئك الذي تم إختيارهم من قبل الحكام.
ولم يكن من السهل خلال مناقشات ومداولات المجلس الوطني الفصل بين من كان منتخبًا ومن كان معينًا، فالجميع كان يتحدث بدافع واحد هو مصلحة الوطن والمواطنين. والأمر المهمّ الآخر الذي أفرزته هذه التجربة المشاركة الواسعة للمرأة في الحياة البرلمانية وهي المشاركة الأوسع للمرأة العربية بالمعايير النسبية. فمن بين 40 عضوًا هم عدد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي هناك تسع نساء أي ما يصل الى 30 % تقريبا من إجمالي عدد الاعضاء. ولم يكن تأثير الظاهرة محصورًا في الحياة البرلمانية إذ كانت له توابع تمثلت في إزدياد عدد الحقائب الوزارية التي تتولاها النساء لتصل الى أربع حقائب بالاضافة الى إزدياد أعداد العاملات في مختلف أجهزة الدولة خاصة في مواقع مسؤولة. وقد نتج عن ذلك كله إزدياد الوعي الشعبي بأهمية دور المرأة وتقليص القيود الاجتماعية على عملها وإزدياد الاحترام لخياراتها.
على أن التجربة البرلمانية التي بدأ الشيخ خليفة مشواره الرئاسي بها والتي شكلت أحد أبرز ملامح الرئاسة الثانية في الامارات، لم تكن صيغة نهائية. فقد أعلن الشيخ خليفة بن زايد منذ البدء ان هذه التجربة قابلة للتطور والتعديل حسب احتاجاتنا وبما يتفق مع خصوصية تجربتنا الاتحادية.
العلاقات المباشرة
وإذا كانت مبادرة تطوير التجربة البرلمانية هي أحد محاور التواصل مع آمال المواطنين وتطلعاتهم ، فإنها لم تكن بديلاً عن الاتصال المباشر الذي ظل ركنا اساسيا من اركان المرحلة الرئاسية للشيخ خليفة .
وتشكل لقاءات الشيخ خليفة بمواطنيه أحد ابرز آليات عمله اليومي . وقد اكتسب الشيخ خليفة هذه العادة من والده الشيخ زايد رحمه الله. حيث تتيح هذه اللقاءات فرصة حقيقية ومباشرة للتفاعل مع قضايا الناس والوقوف على أحوالهم .
وتأخذ لقاءات الشيخ خليفة بالمواطنين شكلين : الاول الاستقبالات في مجلسه المفتوح أمام عشرات من المواطنين والمقيمين من شتى شرائح المجتمع . والثاني الجولات الميدانية التي إعتاد عليها منذ أن كان وليا للعهد وتواصلت مع رئاسته للدولة .
وتعكس لغة التخاطب بين الشيخ خليفة ومواطنيه مستوى الحرارة والحميمة . ويندهش الكثيرون من سعة صدره وطول باله وهو يستمع للمواطنين خاصة اولئك الذين ياتون من مناطق بعيدة والذين لا يقدرون انشغالات رئيسهم ولا إعتبارات البرتوكول التي يضعها من يعمل في ديوانه . وكثيرًا ما ينهي الشيخ خليفة مساعديه عن التدخل لمنع مواطن من الاسترسال في الحديث أو إختصاره ، إذ يجد في هذه الاحاديث جسرًا يقربه من المواطنين .
وينظر الشيخ خليفة الى أن العلاقة بالمواطنين تأخذ بعدان : الاول هو انهم هم هدف التنمية، والثاني أنهم هدفها . ومن خلال هذين البعدين فإنه يرى أن التفاعل المباشر أو عبر المؤسسات الدستورية بين القاعدة العريضة ورأس السلطة ليست إختيارًا بل ضرورة .
ويجد كثيرون أن إختيارات الشيخ خليفة في إبراز تفاعله مع المواطنين ، هي إختيارات مدروسة . فعلى الرغم منالتواصل اليومي بينه وبين مواطنيه فإن ما يصل منه عبر الاعلام لا يعكس حجم هذا التواصل . لكن الشيخ خليفة بالرغم من عزوفه عن الظهور الاعلامي اليومي، يجد في هذا الظهور ضرورة في بعض الاحيان مثل الجولة الواسعة التي قام بها غداة استلامة رئاسة الدولة والتي شملت مناطق عديدة في الدولة والتي شكلت وقفة ميدانية له على احتياجات المواطنين التي سرعان ما تحولت الى مشاريع وبرامج تم تنفيذها أو هي قيد التنفيذ . وقد تجاوزت التوظيفات المالية في المشاريع المشار إليها قرابة ملياري درهم غير قيمة المشروعات التي تم تنفيذها في ابوظبي والتي يتم الصرف عليها من ميزانية الحكومة المحلية للامارة .
ومن الجولات البارزة زيارته لإمارة دبي في خضم الازمة الاقتصادية التي عانت منها كثيرًا من دول العالم، والتي تركت الخيال واسعًا أمام بعض المحللين الذين شككوا في مدى التضامن بين المستوى الاتحادي والمستوى المحلي وما إذا كان الاتحاد سيمد يد المساعدة للامارات التي تواجه صعوبات للوفاء ببعض التزاماتها أم لا .
وقد كانت وقفة الشيخ خليفة الى جانب الشيخ محمد بن راشد المكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تحت علم الاتحاد أمام ديوان حاكم دبي بمثابة إحياء لنفس الصورة التي جمعت مؤسسي الاتحاد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله والشيخ راشد بن سعيد آلمكتوم رحمه الله عشية قيام الدولة الاتحادية قبل 38 سنة كما انها كانت تأكيدًا عمليًّا على أن الاتحاد هو المظلة الواقية والدرع الذي يحافظ على استقرار الامارات وإستمرار إزدهارها .
وقد عكست هذه المعاني في أحاديث صحافيةعدّةادلى بها الشيخ خليفة منذ تسلمه مهامه الدستورية، وأكد في تلك الاحاديث ، الابعاد المختلفة لسياسته المحلية والتي شكلت في مجملها التأكيد على الثوابت التي تجعل من الاتحاد الخيار الاخير الذي لا تنازل عنه من قبل ابناء الامارات.
السياسات الخارجية
قد تكون السياسة الخارجية للامارات من ابرز مظاهر قوتها . فالعلاقات الاقليمة والدولية للامارات بلا عداوات أوخلافات تقريبًا. وهي حتى وإن إختلفت في وجهات نظرها مع الاخرين لاتنتهج نهجا صداميا بل تحتكم في هذه الخلافات للمباديء التي إعتمدتها الامارات منذ قيامها والقائمة على حسن الجوار والاحتكام للقانون والشرعية الدولية وإنتهاج الحوار كاساس لحل الخلافات .
وضمن هذه الثوابت ظلت السياسة الخارجية لدولة الامارات في عهد الشيخ خليفة حاضرة ومحترمة، على أن هذا الحضور والاحترام تعزّزا بالدور الفاعل الذي أخذت تقوم به السياسة الخارجية في السنوات الاخيرة على أكثر من صعيد .
وابرز هذه الاصعدة العمل على إعطاء الامارات المكانة التي تستحقها وتتناسب مع مكانتها، وأن يترجم هذا الاحترام والحضور الذي تحظى به حول العالم الى واقع عملي . وكانت الخطوة الابرز على هذا الصعيد نجاح الامارات في إستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة( الايرينا ) بعد عمل دبلوماسي مكثف قام به الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية بتعليمات وتوجيهات مباشرة من الشيخ خليفة . وكانت الجولات المكوكية لوزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد قد نقلت الدبلوماسية الاماراتية الى الميدان مباشرة بعد أن ظلت لفترة طويلة معتمدة على القنوات الدبلوماسية التقليدية .
أما التطور الآخر الذي خطته السياسة الخارجية في عهد خليفة فيتمثل في توظيف العلاقات السياسية لدفع التعاون الاقتصادي والتنموي والذي تجسد في مشاريع استثمارية مشتركة مع العديد من الدول بمن فيها دول لا تشكل تقليديًا مناطق جذب استثماري ، حيث كان للامارات فضل ارتيادها والتعرف إلى الامكانيات الاستثمارية الكامنة فيها .
ولعل توجه الامارات حاليًا للاستثمار في مشاريع زراعية في بعض الدول الآسيوية التي تتوفر فيها مزايا استثمارية على هذا الصعيد هو تجسيد عملي لرغبة الدولة في تحويل الاحترام الذي تحظى به سياستها الخارجية الى برامج للتعاون الذي يرسخ علاقات الامارات الخارجية ويفتح أمامها آفاقًا جديدة .
