جدل التكفير يعود إلى تونس عبر البيانات الافتراضية
إقبال الغربي لإيلاف: الفتاوى تهدف إلى تصفية المثقف رمزيا وجسديّا
إسماعيل دبارة من تونس: شهدت الساحة الثقافية والسياسية التونسية خلال الأسابيع القليلة الماضية جدلا كبيرا حول ما اعتبره البعض quot;عودة ظاهرة التكفير وإهدار دماء الكتاب و المثقفينquot; ، وذلك اثر صدور بيانين يتضمنان مواقف متطرفة لجماعات أصوليّة مزعومة لم تكن معروفة سابقا على الساحة التونسية. و على الرغم من أنّ عددا كبيرا من المتابعين رجّح عدم مصداقية البيانات المنشورة و المواقف التي تضمنتها ، إلا أنّ النخب التونسية شهدت quot; استنفاراquot; غير مسبوق و هلعا أصاب بعضها حدّ المطالبة بتوفير الحماية من جهازي الأمن و القضاء. البداية كانت مع نشر احد مواقع الانترنت بيانا لجماعة سلفية جهادية سمّت نفسهاquot; الجماعة السلفية الجهادية بتونسquot; موقعة من طرف مجهول يدعى quot;أبو عكرمة السلفيquot;.
البيان بادر بتكفير الحكومة التونسية و المجتمع ووصف الأولى بـquot;العلمانية الكافرة عبيد الاستعمارquot; وطالب بـquot;تطبيق الشريعة الإسلامية وإلغاء القوانين الوضعية ومنع شرب الخمر و تشكيل هيئة أمر بالمعروف و النهي عن المنكر و السماح للناس بلبس النقاب و الحجاب و السماح للرجال بإعفاء اللحية ومحاسبة و ضرب من يحلقها و إلزام الجميع بالصلاةquot;. و لئن تناول عدد من المتابعين البيان بالتحليل و بشيء من الريبة، إلاّ أن وقعه لم يكن كوقع البيان الثاني الذي نشره موقع quot;الأوانquot; الالكترونيّ الذي ينشر مقالات فكريّة تروّج لثقافة علمانية تنويرية كما يعرفه المُشرفون عليه.
وصدر البيان عن جماعة مزعومة غير معروفة سابقا على الساحة التونسية، اختارت لنفسها اسم quot;ديوان لجنة تقصي زنادقة العصرquot;.و تضمن البيان quot; فتوىquot; تطالب بإهدار دم عدد من الكتاب و الكاتبات التونسيين ممن عرفوا بآرائهم و اجتهاداتهم في موضوع الدين و الإسلام ، وعلى رأسهم الوزير السابق عبد المجيد الشرفي و الباحثة الجامعية آمال القرامي و غيرهم.
و نوّه بيان quot;التقصّيquot; إلى أنّ quot;من تاب وأعلن رجوعه عن أفكاره السوداء فليرسل اعتذاراً ، وسيمحى اسمه من بين زنادقة العصر المطلوبينquot;.
تقول الدكتورة إقبال الغربي أستاذة علم النفس بجامعة الزيتونة والباحثة في مجال أنتروبولوجيا الأديان معلقة عبر quot;إيلافquot;على البيان :quot; بعد قراءة تحليليّة لهذه الوثيقة التي تحوم حولها العديد من التساؤلات ،أستبعد شخصيا مصداقيتها لأنها غريبة عن التقاليد التونسية من جهة و لأنها لم تعكس و لم تكن وفية للهيكلة اللغوية السلفية المعتادة من جهة أخرى كما بين ذالك سامي براهم خبير الجماعات الإسلامية الذي شكك في نسبتها للمرجعيّة التي نُسبت لها فقد لاحظ مثلا استعمال مصطلح الزّندقة الذي هو مصطلح كلاميّ و ليس مصطلحا شرعيّا باعتبار انّه لم يرد في القرآن و السنّة و أيضا غياب حكم الاستتابة و ضوابطها أي طلب إعلان التّوبة أمام الملإ من طرف المتّهمين بالكفرquot;.
و تتابع الغربي:quot; تونس معروفة بأرضية فكرية معتدلة متسامحة وعلماء الزيتونة لم يكفروا أحدا لكننا في محيط تنهال فيه فتاوى التكفير مدرارا وهي تشحذ همم quot;المجاهدينquot; حتى يمارسوا القتل أوعمليات الترهيب والتوعّد بالاغتيال. هذه الفتاوى تهدف إلى تصفية المثقف رمزيا و جسديا و إلى إجباره على الهجرة وفراره وإذلاله واضطراره إلى الاستقرار خارج وطنه مثلما حدث ذلك مع الانتلجنسيا الجزائرية و مع الكثير من المثقفين في مصر و في العديد من البلدان الأخرى ، و الملفت للانتباه أن هذه الظاهرة تندرج ضمن آليات التهديد و تصميت الآخرين ووأد الكلمة و استشراء ظاهرة انتهاك حقّ التعبير وحقّ التفكير.
وبحسب الدكتورة اقبال الغربي فإنه و بمثل هذه البلاغات و السلوكات ، يلتقي رجل الدين مع السياسي ليتبنّى نفس الأسلوب: حجة القوة بدل قوة الحجة القتل بدل الحوار، العنف بدل المناظرة، الانغلاق بدل الانفتاح ٬التكفير بدل التفكير، ولا بد من التأكيد أن quot;لجنة تقصي زنادقة العصرquot;، معادية للإسلام و لقيمه السّمحاء التي لا تؤسس لمحاكم التفتيش البغيضة بل بالعكس تؤمن حرية الفكر لجميع الملل و النحلquot;.
مثقفو تونس ممن يعربون باستمرار عن سخطهم على quot;التضييق على أطر وفضاءات الحوار و المناظرة والتعبير الذي أدّى بدوره إلى الانغلاق والتعصّب والدعوة للعنف والارهاب الفكري quot;، سارعوا إلى الفضاء الافتراضيّ ليتجادلوا فيما بينهم حول هذا quot;المدّ التكفيريّ المفاجئquot; الذي يعود إلى عقود القرن الماضي.
وطرح الدكتور عدنان المنصر أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية بلاغ quot;التقصيّquot; على صفحته عبر شبكة quot;فايسبوكquot; للنقاش و تساءل :quot; هل مازال من يفكر بهذه الطريقة؟ ماهي الزندقة؟ من يحق له أن يحكم على الناس بالزندقة أو الكفر أو النفاق؟ من يعود إليه تنفيذ الأحكام المتعلقة بهذه الحالات بافتراض أنها صحيحة وتعبر عن الشرع؟ هل القتل أو حتى مجرد التهديد به يمكن أن يكون الحل لمواجهة quot;الزنادقة والكفار والمنافقينquot;؟
ولكن، ماهي ضمانات أن يكون النص صحيحا؟ ومالذي يجمع بين الأسماء الواردة خاصة وأن منهم من هو ذو خلفية إسلامية واضحة؟ ماهي علاقة هذا النص، في توقيته، بالسجال الدائر في تونس منذ مدة؟ ما هي علاقته بتلذذ البعض البقاء في مكانة الضحية؟ مالذي يفسر الخلاصات السريعة التي انتهى إليها مشرفو موقع quot;الأوانquot;، فعمموا دون دليل ولا حجة، وانطلقوا من قراءة تجعل الخصم الإيديولوجي لونا واحدا؟
أما الباحث الإسلامي سامي براهم فقال عبر ذات النقاش:quot; إمّا أن تكون لجنة تقصّي الحقائق المزعومة لم تتقصّى الحقائق لأنّ ما نشر في سياق هذا المشروع صيغ بمنهج أكاديميّ بعيد عن المهاترات و ليس فيه ما يثير الغرائز الايديولوجيّة بل شارك فيه من يصدر عن مرجعيّة اسلاميّة نقديّة hellip; أو أن تكون مدبّرة مع سابقيّة الاضمار و الترصّد بقصد التّشويش على السّاحة الثّقافيّة والجامعيّة التّونسيّة و إدخالها في مهاترات سخيفة تبعدها عن الحوار و الجدل الحقيقي hellip; أشكّك في صدقيّة هذه الوثيقة و في وجود هذا الدّيوان المزعوم hellip; لو كان ذلك صحيحا لماذا استثنى من قائمته الأستاذة ألفة يوسف والأستاذة سلوى الشّرفي اللتين ثار حولهما الجدل و التّحامل في الأيّام الأخيرة hellip; لقد قمت ببحث معمّق عن خطاب التّكفير و عن العنف السّياسي للسّلفيّة الجهاديّة و نشرت بحثا عن الكفر و الإيمان و عن السّلفيّة التّونسيّة نشرا موقع الأوان نفسه hellip; و من خلالي تواصلي البحثي مع الخطاب السّلفي و بعد قراءة تحليليّة لهذه الوثيقة أستبعد بل أكاد أنفي أن يكون وراء هذه الوثيقة طرف أو أفراد ينتمون إلى السّاحة التّونسيّةquot;.
و بالرغم أنّ معظم المقالات التي نشرت في هذا السياق اعتبرت البلاغات الافتراضية التي تنشر بين الفينة و الأخرى تهدف إلى quot;وأد النقاشات التي أثيرت مؤخرا عبر الانترنت بين مختلف الألوان الإيديولوجية في تونسquot; ، إلا أنّ علمانيين متطرفين كما يحلو للبعض تسميتهم صبّوا جام غضبهم على التيار الإسلامي و صنفوه في خانة واحدة ليخلص بعضهم إلى القول إنّ quot;تونس في خطر كبير فالردة التي تشهدها المكتسبات الحداثية باتت على أشدها وأوضح من الشمس و على الحكومة و المثقفين الحداثيين التدخل و بصرامة لحماية البلاد من خطر الأصوليين وعدم إفساح المجال أمامهم أكثرquot;.
و ترى الدكتورة إقبال الغربي أنّ السجال و الجدل على الفايسبوك التونسي ظاهرة طريفة تثير الانتباه فقد جسّدت هذه الشبكة الاجتماعية ٬ و بامتياز ٬مفهوم الفضاء العام للتواصل الذي افتقدناه .
وتتابع :quot; إيمانا منا بان العقل هو اعدل الأشياء قسمة بين البشر فسوف يخلق هذا الفعل التواصلي بفضل التعلم و التدرب على الجدل مساحة حوار ديمقراطي بين جميع أطياف المجتمع وسوف يؤمّن تداول الأفكار والحجج المنطقية بهدوء وروية واحترام بينها للوقوف على أرضية واحدة و من الاتفاق على قيم دائمة و من الارتقاء إلى المشترك الإنساني ،عودة السجال و الجدل يجب أن يكون طبعا على خلفية المواطنة الحديثة بما هي مساواة تامة في الحقوق والواجبات كافة بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم، وبين أبناء الأقليات وأبناء الأغلبية. هذه المواطنة المنشودة تترجم نفسها في المساواة أمام القانون والمساواة في الفرص حسب المبدأ الوحيد: الكفاءات و ليس الو لاءات
وردا على سؤال quot;إيلافquot; حول الطريقة الأنسب التي وجب على الجميع انتهاجها إنّ صحّ فعلا وجود تيار سلفيّ تكفيريّ يتبنى هذه المقاربة تجاه أهل العلم و الفكر الحرّ ، تردّ الدكتورة الغربي:quot; الايدولوجيا السلفية التكفيرية لها دلالاتها و مؤشراتها فهي تعكس مشروع المجتمع الذي تصبو إليه و بالتالي فهي تنطوي بالقوة انطواء البذرة على النبتة على نمط حكم وتسيير المجتمعات الشمولية.
تؤجج هذه التيارات هاجس الهوية بمفهومها السطحي والبدائي أي الهوية المنغلقة على ذاتها والمتناقضة مع الآخر. لذلك نراها تطالب بوحدانية الدين -بوحدانية اللغة المقدسة بوحدانية الأمة و نقائها وهو ما يجسده شعار التوتالتاري quot;الوطن لله و الدين للجميع quot;
ويؤدي هاجس الوحدة والتوحد إلى معاداة و نفي و إبادة كل ما ومن يهدد وهم التوحد والذوبان ويكذب هذه الادعاءات الهلوسية. لماﺬا ؟ لأن النقد أو التفرد أو حق الاختلاف يعرض المجموعة إلى الخطر- خطر الشك و التشكيك - خطر زعزعة اليقينيات - خطر الانقسام والتجزؤ - خطر التلوث.
و استنادا إلى الدكتورة الغربي فإنّ مقاربة هذا الخطر الداهم يجب أن تكون مقاربة متعددة الأبعاد ،اقتصادية و اجتماعيّة تضمن الإدماج و تؤسس العقد الاجتماعي الحديث و سياسيّة تؤمن المناخ الديمقراطي الذي هو ترياق العنف و بلسمه الشافي، و نفسية دينية تنمّي الحس الإنساني و تدعم الضمير الأخلاقي وتحقق الإشباع الروحي.
|
صور لأحد البلاغات المنشورة عبر الانترنت |

