يعتبر عيد الفطر السعيد في مدينة نابلس الفلسطينية مختلفًا عنه في باقي مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، فنابلس التي عانت الاحتلال الاسرائيلي والحصار واطلاق الرصاص لسنوات عدة، تملأ شوارعها اليوم حركة تسوق واكتظاظ شعبي غير مسبوق في سوق المدينة الرئيسي وفي مطاعمها ومنتجعاتها. كما أن أسعارها الاستهلاكية المقبولة والجهد الذي يقوم به رجال الشرطة الفلسطينية في سبيل حفظ الأمن وتسهيل حركة التسوق وتنظيم حركة المركبات أدى الى موسم مختلف ومميز عن باقي مواسم الأعياد السابقة في المدينة وفي الضفة. وما يميز سوق نابلس وجود الألاف من عرب الـ 48 الذين سمحت لهم السلطات الاسرائيلية بدخول المناطق الفلسطينية.

نابلس: من يدخل مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية في هذه الأيام لا يصدق أنها ذاتها التي زارها قبل تسع سنوات، حين كانت معظم الأيام محلاتها مغلقة وجنود الجيش الإسرائيلي يجوبون أسواقها المغلقة وهم يطلقون الرصاص في كل اتجاه، وجنائز أبنائها الذين يقتلون بالرصاص الإسرائيلي تملأ المدينة بجميع أحيائها. اليوم، وبعد مرور حوالي عام على تسلم حكومة الدكتور سلام فياص مهامها، في أعقاب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، والانفصام ما بين الأخيرة والضفة، تشهد مدينة نابلس التي تعتبر من أهم مدن الضفة الغربية، حركة تسوق غير مسبوقة، وبحسب مشاهدات quot;ايلافquot; فعلى الرغم من أن الشرطة الفلسطينية قامت بإغلاق معظم الشوارع الداخلية أمام المركبات حتى تسهل على المواطنين التسوق، إلا أن الاكتظاظ داخل السوق هو سيد الموقف.

ويقول المواطن عزات درويش 50 عامًا وهو صاحب بسطة وسط مدينة نابلس، لـquot;ايلافquot; بأنه لم يشهد مثل هذه الحركة النشطة لسوق المدينة منذ نهايات عام 1999، وهو التاريخ الذي سبق انطلاقة انتفاضة الأقصى ببضعة أسابيع، ويؤكد درويش بأنه يشعر براحة نفسية كبيرة وهو يشاهد الفلسطينيين يتسوقون حين يشاؤون بأمن وأمان، معربا عن شكره لأجهزة الأمن الفلسطينية وخاصة جهاز الشرطة على ما يبذلونه من جهود لانجاح هذا الموسم.

ويوضح التاجر حسيب عواد بأن غالبية البضائع الموجودة بالسوق على اختلاف أنواعها، تتميز بأسعار مقبولة، مؤكدًا أنه لا يوجد أي غلاء في الأسعار، وأيد التاجر عواد المتسوق سعدي المصري الذي قال لـquot;ايلافquot; بأنه لم يسمع بحالة واحدة تشتكي من رفع الأسعار. وأضاف بأنه اذا أراد انتقاد شيء ما فهي حالة الاكتظاظ الشديد، موضحا بأنه لم يتمكن حتى اليوم من الدخول إلى المدينة مع زوجته وأطفاله لشراء حاجيات عيد الفطر بسبب الازدحام الذي وصفه بأنه quot;غير مسبوقquot;.

عرب الـ48 مشتاقون لنابلس

وما يميز سوق نابلس عشية العيد، كثرة الحافلات والمركبات التي تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، وهذا يعني وجود آلاف الفلسطينيين من أبناء الداخل الفلسطيني أو ما يعرفوا بـquot;عرب48quot;، الذين تسمح لهم السلطات الإسرائيلية بدخول المناطق الفلسطينية وخاصة مدينة نابلس، ويقول أحدهم ويدعى حسين عيادة 47 عامًا من مدينة يافا داخل الخط الأخضر، يقول لـquot;ايلافquot; بأنه يدخل مدينة نابلس للمرة الأولى منذ غياب قسري زاد عن التسع سنوات، موضحا بأنه أحضر معه زوجته ووالدته وأبنائه وثلاث من شقيقاته بهدف زيارة المدينة التي طالما أحبوها إلى جانب التسوق، مؤكدًا أن نابلس تتميز بأسعارها المقبولة وبضائعها ذات الجودة العالية، وأضاف قائلاً: quot; يكفي أن تزور نابلس حتى تتذوق أفضل أنواع الحلويات في العالم وهي الكنافة النابلسيةquot;. ويؤكد أنه والعديد من أصدقائه أمضوا خلال شهر رمضان عدة أمسيات رمضانية في المدينة، موضحًا أن مناخ المدينة جميل جدًا خاصة في بعض منتجعاتها السياحية التي تتموضع على قمتي جبلي جرزيم وعيبال اللذان يحيطان المدينة من الجهتان الجنوبية والشمالية، وغيرها من المنشآت السياحية في الداخل.

وبحسب رئيس ملتقى رجال الأعمال في نابلس علي برهم، فإن العشرات من الحافلات والمركبات الخاصة تقل حوالى سبعة آلاف شخصًا من عرب الـ48 فقط، يدخلون المدينة يوميًا منذ بضعة أيام، ويقول برهم لـquot;ايلافquot; بأن المتسوقين لا يقتصرون على أبناء الـ48 ، بل أصبح الكثير من أبناء قرى نابلس وبعض المدن المحيطة وخاصة مدينة رام الله، يدخلون المدينة خاصة بعد التسهيلات الإسرائيلية على الحواجز المقامة على المداخل، إلى جانب قناعات هؤلاء المتسوقين بأن الأسعار في المدينة أقل من بعض المناطق الفلسطينية الأخرى. وقال برهم بأن المتسوّقين لاحظوا الكثير من المنشآت التجارية والسياحية الضخمة التي أنشأت حديثًا، مما شجعهم على تكرار قدومهم إلى نابلس للتسوق والسهر.

الى جانب ذلك، تقوم شرطة المدينة بتخصيص المئات من عناصرها لتسهيل مرورهم إلى جانب تنظيم حركة المرور والتي تشمل إغلاق العديد من الشوارع الداخلية، بهدف التخفيف من الاكتظاظ، إلى جانب قيام الدفاع المدني بإنشاء خيمة خاصة في مركز المدينة مزودة بكافة اللوازم تحسبا لأي طارئ.

السينما... ملجأ مهم للترويح عن النفس

وفيما يتسوق آلاف الفلسطينيين داخل المدينة، يلجأ المئات من الشباب والشابات وأرباب العائلات إلى السهر مساء في العديد من المواقع والمنتجعات، ومن أهمها quot;سينما سيتيquot; التي أنشأت حديثا في المدينة وبتكلفة زادت عن مليون دولار، ويقول المدير التنفيذي للسينما بشير الشكعة لـquot;ايلافquot; بأنها باتت من أهم المواقع التي يرتادها الباحثون عن الترويح عن أنفسهم، وأعرب الشكعة عن اعتقاده بأن نسبة كبيرة من أهالي مدينة نابلس لديهم تذوق كبير للفن والثقافة عمومًا والسينما خصوصًا، مستذكرًا أن نابلس بلد الشعراء والمثقفين ولديهم دراية كبيرة في شتى المجالات، وتساءل الشكعة قائلاً: quot;ما المانع أن نخفف عن الناس في ظل هذا الكم الهائل وعلى مدار سنوات طويلة من الضغط الذي نتج عن ممارسات الجيش الإسرائيلي بحق المدينة وأهلها؟quot;، وأضاف بأن quot;سينما سيتيquot; تعرض ما تعرضه أكبر وأشهر دور السينما العالمية ولكن في حدود أعراف شعبنا وأخلاقه، وبما يخدم بعض القضايا المجتمعية إلى جانب الترفيه عن الناس. وقال بأن وجود quot;الاحتلال الإسرائيليquot; لا يعني أبدًا أن نحرم المواطنين من فسحة راحة وأمل وفي الوقت ذاته أخذ العبرة من مادة الأفلام التي يتم عرضها.

وفي ما يتعلق بإقبال المواطنين على السينما خلال شهر رمضان، قال بأن نسبة الرواد مقبولة في شهر رمضان، مضيفًا بأن الإدارة عمدت من اليوم الأول للشهر الفضيل إلى جعل موعد العرض يبدأ بعد صلاة التراويح، مؤكدا بأنه يحرص على عدم المس بالشعائر الدينية مطلقًا.

رئيس البلدية .. آخر من يغادر دار البلدية

رئيس بلدية نابلس المهندس عدلي يعيش الذي تقع على كاهل مؤسسته الكثير من المسؤوليات يؤكد لـquot;ايلافquot; بأنه وجميع مدراء الأقسام الى جانب موظفي البلدية يعملون ليل نهار في سبيل توفير أفضل الخدمات لسكان المدينة، موضحًا بأنه يعترف أن هذا الموسم من أصعب المواسم خاصة بعد قيام السلطات الإسرائيلية بتسهيل عملية مرور المواطنين عبر الحواجز المقامة حول المدينة، وقال بأنه شخصيًا آخر من يغادر دار البلدية بهدف الوقوف أولاً بأول على كل مجريات الأمور والطوارئ التي قد تحصل في كافة المجالات المتعلقة بعمل البلدية وخاصة الكهرباء والمياه والبنية التحتية للمدينة.

ويشيد يعيش بطريقة وآلية التعاون بين كافة مؤسسات المدينة سواء المحافظة أو الأجهزة الأمنية أو غيرها من المؤسسات التي تقف جنبًا الى جنب في سبيل الرقي بالمدينة وتخفيف الاكتظاظ الناتج عن السيل الهائل من المتسوقين. معربًا عن تمنياته أن تستمر هذه الحركة النشطة إلى ما بعد شهر رمضان خاصة بعد الضغط الهائل الذي وقع على كاهل أبناء المدينة بسبب الحصار وما رافقه من اجتياحات واعتقالات من جانب الجيش الإسرائيلي.

الصور تم التقاطها بعدسة ايلاف