&
كتب غسان تويني في النهار فقال :" لماذا هي قضية الحرية، ومصير الأحرار في سوريا قضية لبنانية؟
لأن الحوار مع "الشقيقة الكبرى" يصعب، وقد يستحيل السير فيه والوصول به الى نتيجة ايجابية في غياب مناخ حريات مشترك ينم عن الايمان بها... وذلك كائناً ما كان تفاؤل كبير الوسطاء، الاستاذ فؤاد بطرس، وكائنة ما كانت نيات "المتحاورين" اللبنانيين.
ليس لأن لبنان يطمح الى أن يفرض على سوريا مفاهيمه هو للحرية - وثمة من يقول ان سوريا هي التي باركت الغضبة السلطوية اللبنانية على الحريات، التي بالكاد تجاوزنا مأساتها والزلزال!...
بل لأن لا حوار حقيقي، لا في المطلق ولا في الواقع، الا بين المتساوين في حرية المشاركة في الحوار، من حيث هو بحث جدلي - كياني في قواعد تعامل يذهب الى حد العيش المشترك والسعي المشترك الى مصير نكون فيه معاً أحسن ما يمكن ان نكون، حكماً وازدهاراً وحقوقاً وتقدماً في كل علم وكل اختراع وكل انتاج وكل فن.
***
من هنا انه يصعب على اي عقل (بما في ذلك العقل اللبناني المنوَّم الآن بشيء من المغناطيس السوري) ان يتصوّر ان الحكم الذي يُسقط الحصانة اعتباطياً عن نواب يعارضونه، ويعيد الى الزنزانة أحد أكبر رموز حقوق الانسان، وكان قد قضى في الزنزانة اياها سبعة عشر عاماً من دون حكم ولا محاكمة...
ان حكماً في سوريا هذا شأنه يصعب ان نظن انه سيطلق الحكم اللبناني من عقاله، ويحترم حرية تقرير لبنان مصيره، ولو بالمشاركة، انما الحرة، مع سوريا... نكرر: تقرير مصيره بحرية في المشاركة المصيرية المتوحّدة مع سوريا. مفهوم؟
***
هذا في المطلق، أي في المنطق الصافي وقواعد العقلانية الحرة التي لا نزال ننعم بها، ولن يغتالها فينا - ولو اغتالونا - أي تنويم ولو "ممغنطاً"!!!
أما عملياً، فماذا؟
نجنّ مع الجنرال عون والعونيين ونكرر خوض الحرب المستحيلة على سوريا، وبالذات في الزمن الذي هي فيه هذه الحرب خيانة مزدوجة نظرا الى الخطر الاسرائيلي الشاروني على سوريا ولبنان معاً؟...
خيانة مزدوجة نقول لأنها، هذه الحرب المجنونة (فضلاً عن كونها مستحيلة)، ستؤدي الى تفجير لبنان (وهذا ما يشتهي اعداؤه) كما تؤدي الى الهاء سوريا عن مسؤولياتها الاستراتيجية العربية، وبالذات في زمن تقاربها مع القيادة الفلسطينية التي تضع اسرائيل، كمجتمع سياسي، امام مأزق البقاء والزوال.
لا، كلا... لا نجنّ. ونستمر، بالحواريّة، في منع أيٍّ كان في لبنان، ومهما علا كعبه، من أي نوع من الجنون... بما في ذلك جنون العظمة او جنون السلطة. مفهوم؟
***
ما هو الطريق اذاً، وكيف؟
الطريق "العملي"، وليس الطريق "الادبي - الخطابي"... أي الإكتفاء بما قلنا ورددنا من حيث "الثوابت" وما إليها، ونقل الحوار الى الخطوات "العملانية". ولكن مع تحصين موقفنا التحرري بتأكيد كون "جزئية" الخطوات العملانية لا تعني التخلّي عن "كليّة" الموقف المبدئي. فنسير اذذاك من معالجة التفاصيل ولو جزئية، وصولاً الى المبادئ العامة، بدل المباشرة بمحاولة الاتفاق على المبادئ، فتتفركش وتتعثر وتتوقف المسيرة.
أية خطوات عملانية؟
هذه بعض الأمثال والنماذج:
1& يطلب الوسيط فؤاد بطرس عربوناً ودليلاً متواضعاً على "مصداقية" الحوار: اعلاناً سورياً لاحترام اتفاق الطائف بدل تجاهله، ومباشرة لاعادة الانتشار تعلنها دمشق، من غير ان يصفّق لها الغلاة في لبنان كانتصار على دمشق.
2& يقترح فؤاد بطرس، كي لا تستمر وساطته كمجرد تبادل اطراف حديث (وهو، والرئيس بشار الأسد، أبعد ما يكونان عن ذلك)... نقول: يقترح "ورقة عمل" عملية، أي رؤوس أقلام خطوات ممكنة ومعقولة، لِمَ لا؟ ولا يعلنها، ولا يعلن حتى "اقدامه" على ذلك، انما يسير هكذا، بتحفظه المعهود وديبلوماسيته الهادئة الصافية، وتظل الورقة "لا - ورقة"، بالتعابير الديبلوماسية المعهودة... الا انه يوضح انه ليس وسيطاً بين الدولة السورية والطوائف المسيحية - وهذا، نعرف، مرفوض شرعياً (حتى لا نقول عقائدياً) في سوريا - ولا هو بالطبع وسيط بين الدولتين، بل "ساعي خير" بالمعنى المتعارف عليه في التعامل الدولي. وابهام المهمة يزيد عادة حظوظها في النجاح، والأمثلة المعاصرة كثيرة.
3& ينتقل "المعارضون" من مهرجانية اصدار البيانات التأكيدية لما صار معلوماً ومكرساً الى حيّز التنظيم المعارض، انما من غير قطع الوصال الحواري الذي اقيم مع رئيس الجمهورية. واول هذا التنظيم تأليف جبهة برلمانية معارضة موسعة، فلا يستمر التقوقع الطائفي في "قرنة" ما، ولا "المنبرية" الديمقراطية في موقع آخر... وتعمل الجبهة العتيدة على وضع برنامج حكم مفصّل، لأن الشعب لن يشبع من أي "لسان خشبي" ولو كان معارضاً، بل ينتظر خططاً وخطوات عملية.
4& يشمل البرنامج الاصلاحي الجبهوي، على سبيل المثال - نكرر - العلاجات المطلوبة، والمطلوب استعجالها لدى وزير الدولة للاصلاح الاداري لأن اداة الحكم، واداة "دولة المؤسسات" هي... المؤسسة الادارية بالذات، فلا يستمر القلق سيّد الاحكام في الادارات العامة والفساد جوهرها... والطموح الى شمولية الاصلاح مبرِّراً وعذراً لعدم مباشرته، وكذلك "القانونيات" و"القضائيات" البيروقراطية التي صارت الطريق المألوف الى القبور المكلّسة ندفن فيها كل محاولة تطهير وتطوير!
وكذلك في الاقتصاد. فالشعب الفقير الجائع البائس اليائس لا يفهم ان تفرقع في سماواته كل ليلة الاسهم النارية الفاجرة، بينما يقال له ان "البلد مفلس". فمن أين أموال الأسهم هذه، لماذا لا "يعطّر" الأثرياء أعراسهم بالتوظيف المالي الرعائي في فتح المدارس مثلاً وتوزيع المنح الدراسية؟ لا يفهم الشعب ذلك بل يثور. والأهم انه لا يفهم ان يكون في صفوف المحتفلين بالاسهم النارية ليلاً بعض من الزعماء المطالبين نهاراً بالتقشف والصمود!!!
5 يتناول البرنامج الاصلاحي، بصورة عاجلة ومن دون انتظار "الشمولية الافلاطونية" (!!!) اقتراحات خطوات عاجلة جداً لقضايا التربية الوطنية الملحّة، ومشاكل الاقساط المدرسية، وتحويل طوابير "التخصص" في آداب وعلوم ادبية لا آفاق عملية لها ولا حاجة اليها، صوب المهنيات التي ترفع مستوى انتاجية صناعاتنا والحرف، وصوب التخصص العلمي النظري البحثي الذي يخرجنا من حال "العالم - ثالثية" التي لا يمكن ان نسلّم بها ولا ان نستسلم اليها، ولو كرّس انتسابنا التعيس اليها كلام رفيع من هنا، وتصرّف استسلامي من هناك.
6 تدخل الجبهة البرلمانية المعارضة، لمناسبة درس الموازنة، طرفاً شريكاً في المسؤولية، مع الحكومة، في التأكد من الوصول الى الحلول العملية، بدل ان تكون مناقشة الموازنة في المجلس مناسبة للمبارزة الخطابية في مَن يُفحم مَن بتنظيراته ومَن يَعرف ماذا اكثر من الآخر... لأننا، ولبنان والناس اللبنانيين "في الهوى سوا"، فاذا أفلستنا الموازنة نفلس كلنا، أياً كان المسؤول، ويفلس الذين كانوا "على حق" قبل الذين أخطأوا.
7 تتوقف "الاجهزة" المعلومة عن "الشبه ملاحقات" لشباب كل ذنبهم هو الظن بنواياهم... والاحرى، في زمن التقشف، ان نقلّص ميزانيات الاجهزة التي تحاول تبرير امتيازاتها وميزانياتها بابتكار الخيانات لاضطهاد الحريات... فننفق هذه الاموال على ابتكار اسواق تشغيل الطلاب عند تخرجهم كي لا يهاجروا... مثلاً، مثلاً!!!
***
هذه كلها فقط نماذج لخطوات متواضعة قياساً بعظيم المبادئ التي قلنا كلنا عنها كل ما يقال، و - صدِّقونا - بدأ الناس يسأمون سماع الخطابات الرتيبة في شأنها.
أما على صعيد أرفع، فثمة اقتراحان في الأساس.
واحد اعاد تذكيرنا به نائب (موالٍ؟ لمن؟) هو الاستاذ ناصر قنديل (المقال في "النهار"، عدد الخميس 6 ايلول) ونعود نتبناه مثنى وثلاث ورباع: بعث المجلس الاعلى للمصالح المشتركة الذي كان قائماً بين لبنان وسوريا، والغي زمن "القطيعة" الاقتصادية في الخمسينات.
انما لنا في هذا الصدد التحفظ الآتي: ان يتمتع المفاوض اللبناني بحرية كلية في المفاوضة والتقرير، فلا يأتي الاتفاق، كما الاتفاقات السابقة في معظم الشؤون الاقتصادية، بما فيها توزيع المياه والكهرباء والنقل: "صُنِعَ في سوريا"، و"يبصم" المفاوض اللبناني.
نقول هذا بهذه الصراحة الفجة، لأننا نعرف ان سوريا، والنائب قنديل وسواه يعرفون، اين هي مواقع الانين اللبناني، بدءاً بالعمال السوريين، وسائقي التاكسي و"الميني بوسطات" و"المبسّطين" على طرقات الجبال والاوتوسترادات، وصولاً الى الشركات "المحمية" وعمولات الحماة، فضلا عن المشاركة في المناقصات والالتزامات ... والمستفيدون من ذلك كله، على مختلف المراتب هم ممن ليس له مصلحة في "استقامة العلاقات اللبنانية السورية"، فهل يسمحون بالرجوع الى مجلس مشترك ذي صلاحيات يمارسها الاعضاء اللبنانيون متمتّعين بحرية قرار لا تفرضه اجهزة أشباح منبثقة من اجهزة اقل سرية في الممارسة، بل، ولنقلها، أكثر وقاحة في ممارسة التسلط؟؟؟
***
الاقتراح الثاني هو المجلس الوطني لالغاء الطائفية السياسية المنصوص عليه في "الطائف"، وقد سايَرنا في شأنه النائب المحترم في حين وجم حياله المتخوّفون من ان يصبح الاقتراح فخاً لتغييرٍ عضوي في الحكم اللبناني...
فللخائفين المتحفظين كما للمؤيدين (ولا نقاش منا لـ"النيات" في نفوسهم)... لهؤلاء واولئك نقول ان انشاء هذا المجلس الذي سيكون (نعم، نعرف) الاطار الدستوري الوحيد المشروع لاجتماع "الترويكا" الرئاسية، سيكون التكريس النظامي لرعاية رئيس الجمهورية بالذات لموضوع الحوار.
وخاتمة المصارحة: أوَنريد ان نخفي كون الحوار يجري بين ممثلين للطوائف، متفاوتي المشروعية، لكن& كذلك هي حالهم، وكذلك كانت المصالحة الكبرى في الشوف؟
الجوهر بالطبع، جوهر الحوار، هو حريات نطالب بها، وبالمساواة في ممارستها، للجميع وليس لفئة دون الاخرى، بمن فيهم الذين يؤثرون الصمت على ممارسة حرية القول!... لكن طريق المساواة هي الضمان الذي يتطلع اليه "الأقل مساواة" مع "الأكثر مساواة"، اذا جاز التعبير الساخر في مظهره، انما المقلق في حقيقته، فلماذا التكاذب؟
وهنا الحاجة الماسّة أكثر من أي حاجة...
الحاجة الى أن تثبت سوريا بشار الأسد انها معنا في المساواة في الحقوق والحريات بيننا، تماماً كما قال الرئيس بشار اخيراً للاحزاب المنتسبة الى سورياه وسائر زواره اللبنانيين حتى يوم امس... ونرجو ان يكون قد ادرك هؤلاء ان الكلام الحق اريد به حقاً: ان دمشق لا تميّز بين اللبنانيين، ولا تفرّق.
ولتصدّقنا سوريا: الاجماع اللبناني على الثقة بها والارتياح اليها هو الاضمن لها والأبقى، في هذا الزمن العصيب عليها، عسكريا واقتصادياً كذلك. وهو، في النهاية، الطريق الأسهل.
وهذا ما يسوقنا الى السؤال عن المجلس الاهم من المجلسين المقترحين: لماذا، يا تُرى، لا يجتمع الرئيسان في المجلس الرئاسي الذي تنص عليه معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، من غير ان يكون احد الرئيسين رئيس الرئيسين؟...
ولا تبقى حاجة بعد ذلك الى رسائل الاشباح ولا الى الممثلين الاطياف!
كتب غسان تويني في النهار فقال :" لماذا هي قضية الحرية، ومصير الأحرار في سوريا قضية لبنانية؟
لأن الحوار مع "الشقيقة الكبرى" يصعب، وقد يستحيل السير فيه والوصول به الى نتيجة ايجابية في غياب مناخ حريات مشترك ينم عن الايمان بها... وذلك كائناً ما كان تفاؤل كبير الوسطاء، الاستاذ فؤاد بطرس، وكائنة ما كانت نيات "المتحاورين" اللبنانيين.
ليس لأن لبنان يطمح الى أن يفرض على سوريا مفاهيمه هو للحرية - وثمة من يقول ان سوريا هي التي باركت الغضبة السلطوية اللبنانية على الحريات، التي بالكاد تجاوزنا مأساتها والزلزال!...
بل لأن لا حوار حقيقي، لا في المطلق ولا في الواقع، الا بين المتساوين في حرية المشاركة في الحوار، من حيث هو بحث جدلي - كياني في قواعد تعامل يذهب الى حد العيش المشترك والسعي المشترك الى مصير نكون فيه معاً أحسن ما يمكن ان نكون، حكماً وازدهاراً وحقوقاً وتقدماً في كل علم وكل اختراع وكل انتاج وكل فن.
***
من هنا انه يصعب على اي عقل (بما في ذلك العقل اللبناني المنوَّم الآن بشيء من المغناطيس السوري) ان يتصوّر ان الحكم الذي يُسقط الحصانة اعتباطياً عن نواب يعارضونه، ويعيد الى الزنزانة أحد أكبر رموز حقوق الانسان، وكان قد قضى في الزنزانة اياها سبعة عشر عاماً من دون حكم ولا محاكمة...
ان حكماً في سوريا هذا شأنه يصعب ان نظن انه سيطلق الحكم اللبناني من عقاله، ويحترم حرية تقرير لبنان مصيره، ولو بالمشاركة، انما الحرة، مع سوريا... نكرر: تقرير مصيره بحرية في المشاركة المصيرية المتوحّدة مع سوريا. مفهوم؟
***
هذا في المطلق، أي في المنطق الصافي وقواعد العقلانية الحرة التي لا نزال ننعم بها، ولن يغتالها فينا - ولو اغتالونا - أي تنويم ولو "ممغنطاً"!!!
أما عملياً، فماذا؟
نجنّ مع الجنرال عون والعونيين ونكرر خوض الحرب المستحيلة على سوريا، وبالذات في الزمن الذي هي فيه هذه الحرب خيانة مزدوجة نظرا الى الخطر الاسرائيلي الشاروني على سوريا ولبنان معاً؟...
خيانة مزدوجة نقول لأنها، هذه الحرب المجنونة (فضلاً عن كونها مستحيلة)، ستؤدي الى تفجير لبنان (وهذا ما يشتهي اعداؤه) كما تؤدي الى الهاء سوريا عن مسؤولياتها الاستراتيجية العربية، وبالذات في زمن تقاربها مع القيادة الفلسطينية التي تضع اسرائيل، كمجتمع سياسي، امام مأزق البقاء والزوال.
لا، كلا... لا نجنّ. ونستمر، بالحواريّة، في منع أيٍّ كان في لبنان، ومهما علا كعبه، من أي نوع من الجنون... بما في ذلك جنون العظمة او جنون السلطة. مفهوم؟
***
ما هو الطريق اذاً، وكيف؟
الطريق "العملي"، وليس الطريق "الادبي - الخطابي"... أي الإكتفاء بما قلنا ورددنا من حيث "الثوابت" وما إليها، ونقل الحوار الى الخطوات "العملانية". ولكن مع تحصين موقفنا التحرري بتأكيد كون "جزئية" الخطوات العملانية لا تعني التخلّي عن "كليّة" الموقف المبدئي. فنسير اذذاك من معالجة التفاصيل ولو جزئية، وصولاً الى المبادئ العامة، بدل المباشرة بمحاولة الاتفاق على المبادئ، فتتفركش وتتعثر وتتوقف المسيرة.
أية خطوات عملانية؟
هذه بعض الأمثال والنماذج:
1& يطلب الوسيط فؤاد بطرس عربوناً ودليلاً متواضعاً على "مصداقية" الحوار: اعلاناً سورياً لاحترام اتفاق الطائف بدل تجاهله، ومباشرة لاعادة الانتشار تعلنها دمشق، من غير ان يصفّق لها الغلاة في لبنان كانتصار على دمشق.
2& يقترح فؤاد بطرس، كي لا تستمر وساطته كمجرد تبادل اطراف حديث (وهو، والرئيس بشار الأسد، أبعد ما يكونان عن ذلك)... نقول: يقترح "ورقة عمل" عملية، أي رؤوس أقلام خطوات ممكنة ومعقولة، لِمَ لا؟ ولا يعلنها، ولا يعلن حتى "اقدامه" على ذلك، انما يسير هكذا، بتحفظه المعهود وديبلوماسيته الهادئة الصافية، وتظل الورقة "لا - ورقة"، بالتعابير الديبلوماسية المعهودة... الا انه يوضح انه ليس وسيطاً بين الدولة السورية والطوائف المسيحية - وهذا، نعرف، مرفوض شرعياً (حتى لا نقول عقائدياً) في سوريا - ولا هو بالطبع وسيط بين الدولتين، بل "ساعي خير" بالمعنى المتعارف عليه في التعامل الدولي. وابهام المهمة يزيد عادة حظوظها في النجاح، والأمثلة المعاصرة كثيرة.
3& ينتقل "المعارضون" من مهرجانية اصدار البيانات التأكيدية لما صار معلوماً ومكرساً الى حيّز التنظيم المعارض، انما من غير قطع الوصال الحواري الذي اقيم مع رئيس الجمهورية. واول هذا التنظيم تأليف جبهة برلمانية معارضة موسعة، فلا يستمر التقوقع الطائفي في "قرنة" ما، ولا "المنبرية" الديمقراطية في موقع آخر... وتعمل الجبهة العتيدة على وضع برنامج حكم مفصّل، لأن الشعب لن يشبع من أي "لسان خشبي" ولو كان معارضاً، بل ينتظر خططاً وخطوات عملية.
4& يشمل البرنامج الاصلاحي الجبهوي، على سبيل المثال - نكرر - العلاجات المطلوبة، والمطلوب استعجالها لدى وزير الدولة للاصلاح الاداري لأن اداة الحكم، واداة "دولة المؤسسات" هي... المؤسسة الادارية بالذات، فلا يستمر القلق سيّد الاحكام في الادارات العامة والفساد جوهرها... والطموح الى شمولية الاصلاح مبرِّراً وعذراً لعدم مباشرته، وكذلك "القانونيات" و"القضائيات" البيروقراطية التي صارت الطريق المألوف الى القبور المكلّسة ندفن فيها كل محاولة تطهير وتطوير!
وكذلك في الاقتصاد. فالشعب الفقير الجائع البائس اليائس لا يفهم ان تفرقع في سماواته كل ليلة الاسهم النارية الفاجرة، بينما يقال له ان "البلد مفلس". فمن أين أموال الأسهم هذه، لماذا لا "يعطّر" الأثرياء أعراسهم بالتوظيف المالي الرعائي في فتح المدارس مثلاً وتوزيع المنح الدراسية؟ لا يفهم الشعب ذلك بل يثور. والأهم انه لا يفهم ان يكون في صفوف المحتفلين بالاسهم النارية ليلاً بعض من الزعماء المطالبين نهاراً بالتقشف والصمود!!!
5 يتناول البرنامج الاصلاحي، بصورة عاجلة ومن دون انتظار "الشمولية الافلاطونية" (!!!) اقتراحات خطوات عاجلة جداً لقضايا التربية الوطنية الملحّة، ومشاكل الاقساط المدرسية، وتحويل طوابير "التخصص" في آداب وعلوم ادبية لا آفاق عملية لها ولا حاجة اليها، صوب المهنيات التي ترفع مستوى انتاجية صناعاتنا والحرف، وصوب التخصص العلمي النظري البحثي الذي يخرجنا من حال "العالم - ثالثية" التي لا يمكن ان نسلّم بها ولا ان نستسلم اليها، ولو كرّس انتسابنا التعيس اليها كلام رفيع من هنا، وتصرّف استسلامي من هناك.
6 تدخل الجبهة البرلمانية المعارضة، لمناسبة درس الموازنة، طرفاً شريكاً في المسؤولية، مع الحكومة، في التأكد من الوصول الى الحلول العملية، بدل ان تكون مناقشة الموازنة في المجلس مناسبة للمبارزة الخطابية في مَن يُفحم مَن بتنظيراته ومَن يَعرف ماذا اكثر من الآخر... لأننا، ولبنان والناس اللبنانيين "في الهوى سوا"، فاذا أفلستنا الموازنة نفلس كلنا، أياً كان المسؤول، ويفلس الذين كانوا "على حق" قبل الذين أخطأوا.
7 تتوقف "الاجهزة" المعلومة عن "الشبه ملاحقات" لشباب كل ذنبهم هو الظن بنواياهم... والاحرى، في زمن التقشف، ان نقلّص ميزانيات الاجهزة التي تحاول تبرير امتيازاتها وميزانياتها بابتكار الخيانات لاضطهاد الحريات... فننفق هذه الاموال على ابتكار اسواق تشغيل الطلاب عند تخرجهم كي لا يهاجروا... مثلاً، مثلاً!!!
***
هذه كلها فقط نماذج لخطوات متواضعة قياساً بعظيم المبادئ التي قلنا كلنا عنها كل ما يقال، و - صدِّقونا - بدأ الناس يسأمون سماع الخطابات الرتيبة في شأنها.
أما على صعيد أرفع، فثمة اقتراحان في الأساس.
واحد اعاد تذكيرنا به نائب (موالٍ؟ لمن؟) هو الاستاذ ناصر قنديل (المقال في "النهار"، عدد الخميس 6 ايلول) ونعود نتبناه مثنى وثلاث ورباع: بعث المجلس الاعلى للمصالح المشتركة الذي كان قائماً بين لبنان وسوريا، والغي زمن "القطيعة" الاقتصادية في الخمسينات.
انما لنا في هذا الصدد التحفظ الآتي: ان يتمتع المفاوض اللبناني بحرية كلية في المفاوضة والتقرير، فلا يأتي الاتفاق، كما الاتفاقات السابقة في معظم الشؤون الاقتصادية، بما فيها توزيع المياه والكهرباء والنقل: "صُنِعَ في سوريا"، و"يبصم" المفاوض اللبناني.
نقول هذا بهذه الصراحة الفجة، لأننا نعرف ان سوريا، والنائب قنديل وسواه يعرفون، اين هي مواقع الانين اللبناني، بدءاً بالعمال السوريين، وسائقي التاكسي و"الميني بوسطات" و"المبسّطين" على طرقات الجبال والاوتوسترادات، وصولاً الى الشركات "المحمية" وعمولات الحماة، فضلا عن المشاركة في المناقصات والالتزامات ... والمستفيدون من ذلك كله، على مختلف المراتب هم ممن ليس له مصلحة في "استقامة العلاقات اللبنانية السورية"، فهل يسمحون بالرجوع الى مجلس مشترك ذي صلاحيات يمارسها الاعضاء اللبنانيون متمتّعين بحرية قرار لا تفرضه اجهزة أشباح منبثقة من اجهزة اقل سرية في الممارسة، بل، ولنقلها، أكثر وقاحة في ممارسة التسلط؟؟؟
***
الاقتراح الثاني هو المجلس الوطني لالغاء الطائفية السياسية المنصوص عليه في "الطائف"، وقد سايَرنا في شأنه النائب المحترم في حين وجم حياله المتخوّفون من ان يصبح الاقتراح فخاً لتغييرٍ عضوي في الحكم اللبناني...
فللخائفين المتحفظين كما للمؤيدين (ولا نقاش منا لـ"النيات" في نفوسهم)... لهؤلاء واولئك نقول ان انشاء هذا المجلس الذي سيكون (نعم، نعرف) الاطار الدستوري الوحيد المشروع لاجتماع "الترويكا" الرئاسية، سيكون التكريس النظامي لرعاية رئيس الجمهورية بالذات لموضوع الحوار.
وخاتمة المصارحة: أوَنريد ان نخفي كون الحوار يجري بين ممثلين للطوائف، متفاوتي المشروعية، لكن& كذلك هي حالهم، وكذلك كانت المصالحة الكبرى في الشوف؟
الجوهر بالطبع، جوهر الحوار، هو حريات نطالب بها، وبالمساواة في ممارستها، للجميع وليس لفئة دون الاخرى، بمن فيهم الذين يؤثرون الصمت على ممارسة حرية القول!... لكن طريق المساواة هي الضمان الذي يتطلع اليه "الأقل مساواة" مع "الأكثر مساواة"، اذا جاز التعبير الساخر في مظهره، انما المقلق في حقيقته، فلماذا التكاذب؟
وهنا الحاجة الماسّة أكثر من أي حاجة...
الحاجة الى أن تثبت سوريا بشار الأسد انها معنا في المساواة في الحقوق والحريات بيننا، تماماً كما قال الرئيس بشار اخيراً للاحزاب المنتسبة الى سورياه وسائر زواره اللبنانيين حتى يوم امس... ونرجو ان يكون قد ادرك هؤلاء ان الكلام الحق اريد به حقاً: ان دمشق لا تميّز بين اللبنانيين، ولا تفرّق.
ولتصدّقنا سوريا: الاجماع اللبناني على الثقة بها والارتياح اليها هو الاضمن لها والأبقى، في هذا الزمن العصيب عليها، عسكريا واقتصادياً كذلك. وهو، في النهاية، الطريق الأسهل.
وهذا ما يسوقنا الى السؤال عن المجلس الاهم من المجلسين المقترحين: لماذا، يا تُرى، لا يجتمع الرئيسان في المجلس الرئاسي الذي تنص عليه معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، من غير ان يكون احد الرئيسين رئيس الرئيسين؟...
ولا تبقى حاجة بعد ذلك الى رسائل الاشباح ولا الى الممثلين الاطياف!
&
