&&&&&&&&&&& ليس لدينا خبز لنأكله ... ولكن لدينا الشرف
ديانا مقلد: قد لا يلحظ العابر في شارع صدر في بيشاور اي شيء غير عادي في مبني خليل هاوس ، فهو مبني شاحب وقديم كأي مبني آخر في الحي لكنه مغطي بلوحات كثيرة تعلن عن مطربين وفرق موسيقية أفغانية. ومع أول درجات السلم الي المبني ذي المدخل المظلم تبدأ عوالم ومشاهد أخري بالانكشاف. الطوابق مربعة داخل المبني، وترتبط الشقق والمكاتب بردهات طويلة. ضجيج في الردهات والالفة البادية علي الداخلين تشعر الزائر انه يزور وحدة متكاملة ولا مكاتب متفرقة. في هذه الطوابق تتداخل أصوات العزف علي آلات موسيقية تقليدية افغانية مع أصوات مزاح الزائرين وقرقعة فناجين الشاي التي يشربونها وهم يستمعون الي الموسيقي، وتصل من خارج المبني أصوات باعة أطفال جذبتهم الأنغام الأفغانية.
هذه المكاتب هي لأكثر من ستة عشر فرقة ومطرباً أفغانياً، وهم يعملون فيها منذ أكثر من عشر سنوات وتضاعفت أعدادهم بعد أن حرّمت حركة طالبان الموسيقي منذ توليها السلطة عام 1969. ومكاتب المطربين الشعبيين هذه ليست بالمكاتب التقليدية، بل هي غرف بسيطة فيها مقاعد أرضية بحسب النموذج الأفغاني وتحوي مجموعات من المطربين والموسيقيين الأفغان الشباب والمخضرمين. منذ بدء العمليات العسكرية علي أفغانستان تراجعت أعمال هؤلاء الفنانين، فلم يعد هناك الكثير من الافراح والحفلات، لذلك بات هؤلاء يتكدسون في مكاتبهم يتدربون ويدندنون برباباتهم وطبلاتهم الأفغانية، وحولهم متفرجون محليون وأطفال يستريحون قليلاً من عناء تجوالهم إما للتسول أو للبيع.
في واحد من هذه المكاتب كانت تتعالي أصوات لا تشبه الموسيقي التقليدية، انه محمد جواد الذي كان يعزف علي آلة الساكسوفون. محمد لا يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وقد شغف منذ طفولته بالموسيقي وتعلم علي آلة الساكسوفون التي يعشقها هنا في بيشاور. يعزف متربعاً علي الكرسي بزيه الأفغاني، حليق الرأس والذقن. جلس وبدأ يتمرن علي العزف. وهو يأمل أن تتحسن ظروف العمل ليعود ويعزف في الحفلات والأعراس. يقول محمد: من الصعب جداً علي الأفغاني ان يصبح موسيقياً، فنحن بداية عانينا من الحرب ثم أتت حركة طالبان وحرّمتها . محمد يحب الموسيقي الأفغانية وهو يعزف علي الساكسوفون الحاناً غربية وأفغانية. والموسيقي هي شأن عائلي، فشقيقه الأكبر وأقرباؤه كانوا مطربين وموسيقيين، بالنسبة اليه فإن أي حكومة تأتي الي أفغانستان وتجلب السلم وتسمح بالموسيقي سيواليها: أنا أحب الموسيقي وهي أيضاً مصدر عيش ومن سيسمح بها سأحبه . وحين نسأل محمد هل سيتوجه الي الجهاد ضد الأميركيين؟ يقول: ضد من سأجاهد؟؟ انا أفكر فقط بالسلام ، ثم يعود للعزف مرة أخري ويبدو ان عزفه علي رغم اتقانه له لا يجذب الكثير من الزوار، فهو يجلس وحيداً في مكتبه بينما يتحلق الزوار حول مكاتب أخري تعزف الموسيقي الشعبية الأفغانية.
وعلي غرار محمد فإن معظم العازفين والمغنين هم دون العشرين من عمرهم، وهناك عدد لا بأس به من الضاربين علي الطبلة الذين لم يتجاوزوا سن الخامسة عشرة.
وفي مبني خليل هاوس ايضاً مطرب افغاني قديم، جعل مكتبه صالة جلوس بسيطة، مزينة بآلات موسيقية قديمة وتحلق حوله عازفون شبان، هذا المطرب هو شير محمد غزنوي. وهو يغني منذ أكثر من خمسين عاماً وما زال لصوته نبرة أليفة محببة، خصوصاً انه يرفق أداءه بتمايل لطيف يبدو غير منسجم أحياناً مع لحيته الطويلة وهيئته الأفغانية. منذ انطلاقته يغني غزنوي للحب وللوطن، وهو حين يغني الحب يتأوه ويطرب لنفسه وحين يغني لأفغانستان يبدو أكثر حماسة.
يقول غزنوي: حياتنا كانت الموسيقي، لكن لا موسيقي اليوم في أفغانستان، فقد غادرها كل الموسيقيين، لقد امضيت عمري في الموسيقي والغناء. غنيت في راديو افغانستان باللهجات البشتونية والفارسية أما اليوم فلا شيء!! أفغانستان كلها مدمّرة، وهي نفسها باتت أغنية حزينة. كثيراً ما أفكر بأفغانستان وأحلم أن يعود بلدي جميلاً فالأفغان يحبون الموسيقي لكنهم الآن لا يستطيعون، فإذا ألقت طالبان القبض علي أحد يحمل كاسيت يكسرونه ويضربون حامله .
يتحدث غزنوي بحسرة عن أثر الحرب علي الأفغان وعلي حياتهم وعلي الموسيقي أيضاً. فمع ندرة الافراح في هذه الأزمة يجمع كل يوم عدداً من الشباب حوله ويتدربون علي الأغاني الأفغانية الشعبية، وتدريبه هذا لعفويته يبدو وكأنه حفلة حقيقية يغني فيها غزنوي ويخاطب حضوره بغنائه.
حين يغني غزنوي يتحلق حوله كثير من الشباب الأفغان ويجلس بينهم دائماً المولي غازي سيد أحمد شاه، أستاذ القرآن الكريم في مدرسة مجاورة في الحي. وحين ينهي تدريسه يأتي الي بناية خليل هاوس ليجلس مع أصدقائه وليستمع الي بعض من الغناء، وهو لا يعتبر ان حضوره الي هذا المبني مشيناً أو نافراً ويستغرب من يقول ان الموسيقي محرجة.
حين يجلس غزنوي يغني ترتسم ابتسامة خفيفة وتسرح نظرات علي وجوه الجالسين حوله، لكن الموسيقي والغناء ليسا دليل فرح دائماً، ففي أحيان كثيرة كهذه لا تتعدي الموسيقي ان تكون سوي واحدة من صور المأساة الأفغانية الدائمة. (عن "الحياة" اللندنية)
هذه المكاتب هي لأكثر من ستة عشر فرقة ومطرباً أفغانياً، وهم يعملون فيها منذ أكثر من عشر سنوات وتضاعفت أعدادهم بعد أن حرّمت حركة طالبان الموسيقي منذ توليها السلطة عام 1969. ومكاتب المطربين الشعبيين هذه ليست بالمكاتب التقليدية، بل هي غرف بسيطة فيها مقاعد أرضية بحسب النموذج الأفغاني وتحوي مجموعات من المطربين والموسيقيين الأفغان الشباب والمخضرمين. منذ بدء العمليات العسكرية علي أفغانستان تراجعت أعمال هؤلاء الفنانين، فلم يعد هناك الكثير من الافراح والحفلات، لذلك بات هؤلاء يتكدسون في مكاتبهم يتدربون ويدندنون برباباتهم وطبلاتهم الأفغانية، وحولهم متفرجون محليون وأطفال يستريحون قليلاً من عناء تجوالهم إما للتسول أو للبيع.
في واحد من هذه المكاتب كانت تتعالي أصوات لا تشبه الموسيقي التقليدية، انه محمد جواد الذي كان يعزف علي آلة الساكسوفون. محمد لا يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وقد شغف منذ طفولته بالموسيقي وتعلم علي آلة الساكسوفون التي يعشقها هنا في بيشاور. يعزف متربعاً علي الكرسي بزيه الأفغاني، حليق الرأس والذقن. جلس وبدأ يتمرن علي العزف. وهو يأمل أن تتحسن ظروف العمل ليعود ويعزف في الحفلات والأعراس. يقول محمد: من الصعب جداً علي الأفغاني ان يصبح موسيقياً، فنحن بداية عانينا من الحرب ثم أتت حركة طالبان وحرّمتها . محمد يحب الموسيقي الأفغانية وهو يعزف علي الساكسوفون الحاناً غربية وأفغانية. والموسيقي هي شأن عائلي، فشقيقه الأكبر وأقرباؤه كانوا مطربين وموسيقيين، بالنسبة اليه فإن أي حكومة تأتي الي أفغانستان وتجلب السلم وتسمح بالموسيقي سيواليها: أنا أحب الموسيقي وهي أيضاً مصدر عيش ومن سيسمح بها سأحبه . وحين نسأل محمد هل سيتوجه الي الجهاد ضد الأميركيين؟ يقول: ضد من سأجاهد؟؟ انا أفكر فقط بالسلام ، ثم يعود للعزف مرة أخري ويبدو ان عزفه علي رغم اتقانه له لا يجذب الكثير من الزوار، فهو يجلس وحيداً في مكتبه بينما يتحلق الزوار حول مكاتب أخري تعزف الموسيقي الشعبية الأفغانية.
وعلي غرار محمد فإن معظم العازفين والمغنين هم دون العشرين من عمرهم، وهناك عدد لا بأس به من الضاربين علي الطبلة الذين لم يتجاوزوا سن الخامسة عشرة.
وفي مبني خليل هاوس ايضاً مطرب افغاني قديم، جعل مكتبه صالة جلوس بسيطة، مزينة بآلات موسيقية قديمة وتحلق حوله عازفون شبان، هذا المطرب هو شير محمد غزنوي. وهو يغني منذ أكثر من خمسين عاماً وما زال لصوته نبرة أليفة محببة، خصوصاً انه يرفق أداءه بتمايل لطيف يبدو غير منسجم أحياناً مع لحيته الطويلة وهيئته الأفغانية. منذ انطلاقته يغني غزنوي للحب وللوطن، وهو حين يغني الحب يتأوه ويطرب لنفسه وحين يغني لأفغانستان يبدو أكثر حماسة.
يقول غزنوي: حياتنا كانت الموسيقي، لكن لا موسيقي اليوم في أفغانستان، فقد غادرها كل الموسيقيين، لقد امضيت عمري في الموسيقي والغناء. غنيت في راديو افغانستان باللهجات البشتونية والفارسية أما اليوم فلا شيء!! أفغانستان كلها مدمّرة، وهي نفسها باتت أغنية حزينة. كثيراً ما أفكر بأفغانستان وأحلم أن يعود بلدي جميلاً فالأفغان يحبون الموسيقي لكنهم الآن لا يستطيعون، فإذا ألقت طالبان القبض علي أحد يحمل كاسيت يكسرونه ويضربون حامله .
يتحدث غزنوي بحسرة عن أثر الحرب علي الأفغان وعلي حياتهم وعلي الموسيقي أيضاً. فمع ندرة الافراح في هذه الأزمة يجمع كل يوم عدداً من الشباب حوله ويتدربون علي الأغاني الأفغانية الشعبية، وتدريبه هذا لعفويته يبدو وكأنه حفلة حقيقية يغني فيها غزنوي ويخاطب حضوره بغنائه.
حين يغني غزنوي يتحلق حوله كثير من الشباب الأفغان ويجلس بينهم دائماً المولي غازي سيد أحمد شاه، أستاذ القرآن الكريم في مدرسة مجاورة في الحي. وحين ينهي تدريسه يأتي الي بناية خليل هاوس ليجلس مع أصدقائه وليستمع الي بعض من الغناء، وهو لا يعتبر ان حضوره الي هذا المبني مشيناً أو نافراً ويستغرب من يقول ان الموسيقي محرجة.
حين يجلس غزنوي يغني ترتسم ابتسامة خفيفة وتسرح نظرات علي وجوه الجالسين حوله، لكن الموسيقي والغناء ليسا دليل فرح دائماً، ففي أحيان كثيرة كهذه لا تتعدي الموسيقي ان تكون سوي واحدة من صور المأساة الأفغانية الدائمة. (عن "الحياة" اللندنية)
&
