القاهرة-ايلاف: مع تصريحات الرئيس الأميركي بوش المتعاقبة ، والإعلان عن وصول وزير خارجيته إلى المنطقة ، وفي معرض التعقيب على إشارات بأن مصر والأردن قد يحلا محل عرفات وجماعته ممن يطلق عليهم "التوانسة" في التفاوض مع إسرائيل ، فقد حذر دبلوماسي مصري كبير سابق من مغبة هذا الأمر ، مذكراً بما قاله ذات يوم للفلسطينيين ، رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عبدالسلام المجالي بعد أن قاد الوفد الأردني الفلسطيني لمفاوضات مدريد : "اطمئنوا لن نفاوض نيابة عنكم ، لأننا ببساطة حتى لو نجحنا في إعادة 98% من الضفة والقطاع لكم ، وضاع 2% سنكون في نظركم خونة، لكنكم إذا استطعتم استعادة أقل من ذلك بتفاوض مباشر سيكون ذلك إنجازا وطنيا وتاريخياً ".
وفي الحقيقة ، وبعيداً عن أية شعارات زاعقة ، فلعل هذا التصوير البليغ للمجالي يهدر أي أمل لمحاولة عقد "لويا جركا" أو "مجلس حكماء" عربي يرضي كافة الأطراف ويلتزم بقراراته الفلسطينيون ، ولا يعارضه الأردنيون ، أو يتحفظ عليه المصريون أو يصفه السوريون بالخيانة ، ويفتح المجال للمزايدات العربية المعهودة في شتى مراحل العمل العربي المشترك وإدارة الصراع ضد إسرائيل .
عرفات وشارون
تقودنا هذه المقدمة إلى التوقف أمام ما يجري على الساحة الآن وما يفكر به الإسرائيليون ، بعيداً عن مناخ الصراخ السائد هنا وهناك ، فمما لا شك فيه أن شارون نجح بدرجة أو أخرى في توجيه ضربة قاسية للبنية التحتية للسلطة الفلسطينية ، وفي مقال له بصحيفة "يديعوت أحرونوت" اختتم المحلل العسكري الإسرائيلي أليكس فيشمان قائلاً : "لقد حققت هذه الحرب أول انجازاتها : فالسلطة الفلسطينية، التي نعرفها، لم تعد تقوم بمهامها، وكما يبدو لم يعد لها وجود ، أما السر الغامض والكبير فهو .. من هو ذلك المخلوق السياسي الذي ستقف أمامه إسرائيل في اليوم التالي للحرب ، آملين أن لا تتحقق النبوءات المتشائمة بشأن حدوث التحول الديني المتعصب" .
وبعيداً عن هذه الرؤية الإسرائيلية التي طرحها المحلل العسكري ، وعلى الجانب الآخر ، فإن رؤية مصرية أردنية مشتركة مفادها أن محاولات إسرائيل استبعاد عرفات ستكون كارثية ، إذ أن البديل هو منظمات أصولية شديدة التطرف ، ولن تكون قاصرة على الداخل الفلسطيني والإسرائيلي ، بل هي بطبيعتها مرتبطة بشكل أو آخر بنظيرات إقليمية ودولية لها ، ولن يكون البديل بالتأكيد على طريقة "كرزاي" ، وبنفس بساطة الحالة الأفغانية فالمشهد الفلسطيني أكثر تعقيداً من الفراغ الأفغاني الذي خلفته حركة "طالبان" التي لم تكن تحظى بقدر كاف من الحرص الشعبي عليها ، وهو ما عبر عنه أحد أبرز المحسوبين على اليسارالإسرائيلي
وهو الكاتب "يوري أفنيري" قائلاً في معاريف يوم 4 نيسان (أبريل) الجاري ، محذراً من التورط في قتل عرفات لأن "بعده لن يأتي ابو فلان أو أبو علان ، فالخلف القادم سيكون الاخ كلاشينكوف " ، وهي إشارة واضحة للتنظيمات الإسلامية المتنفذة في الأوساط الشعبية الفلسطينية ، وأن "عرفات الميت سيكون اخطر ألف مرة من عرفات الحي ، فعرفات الحي يستطيع بل ويريد السلام، أما عرفات الميت فلن يستطيع ذلك ، بل سيخلد الصراع لاجيال قادمة" .
كما يحذر "أفنيري" أيضاً من محاولة التخلص من عرفات ، على أمل العثور على "بديل طيب" يرضى عنه شارون مؤكداً أنه "لن يظهر عميل فلسطيني ، ولو ظهر سيقتل فورا كما حدث مع بشير الجميل ، عميل شارون السابق في لبنان ، فقد عشنا هذه التجربة، والسلطة ستنتقل لعشرات ومئات قادة المنظمات السرية المحلية التي ستشن حملة انتقام تستمر لسنوات طويلة ، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط بل في العالم كله ، وحياة الاسرائيليين ستتحول الى جحيم" .
ثمة رأي آخر يعبر عن الرؤية الأميركية ممثلة في مستشار الأمن القومي الأميركي السابق بريجنسكي ، القائل بضرورة التخلص من عرفات وشارون دفعة واحدة ، فالاول اصبح أسيرا للمنظمات الراديكالية الفلسطينية ، ولم يعد قادراً على التحكم بها ، والثاني سبق له ان رفض اتفاق اوسلو ووطد العزم علي نسفه بعد اغتيال رابين ، والآن يتأهب للتخلص من شريكه في عملية السلام عرفات ، لكن ذلك "المسلك الشاروني" لن يورث إسرائيل أية مكاسب سياسية ، فالاستقرار يقوم على أسس تقاليد والتزامات عالم الحكومات وليست عقلية المنظمات السرية ، فالحكومة مطالبة بفرض سيطرتها علي الموجودين في إطار سلطتها أو تتحمل النتائج .
مصر والأردن وسوريا
وبداية لا مفر من الاعتراف صراحة أن مصر والاردن وكذلك سوريا غير معنيين الآن بحرب اقليمية شاملة ، فمصر والاردن يقيمان سلاما باردا مع اسرائيل ويحصلان على معونات سخية من الولايات المتحدة ، كما يخوض المصريون والاردنيون معركة صعبة من اجل توفير الخبز والزعتر لمواطنيهم ، وبشار الاسد يكاد أن يستقر على مقعده بصعوبة وسط حقل من الألغام ، والخبراء العسكريون يدركون أنه قد لا تكون للجيش الإسرائيلي خبرة كافية في مواجهة "حرب الحجارة" ، لكن ميزان القوى والوسائل القتالية اليوم ، لصالحه في حالة الحرب النظامية ، خاصة مع دعم لوجيستي أميركي لن يتأخر لحظة واحدة.
لهذه الأسباب وغيرها من الأمور المرتبطة بسلوك سلطة عرفات ، فلعلنا لا نذيع سراً حين نزعم أن مصر لم تكن راضية عن طريقة إدارتها للصراع خلال الشهور الأخيرة تحديداً ، ولو لم تعلن الحكومة المصرية ذلك صراحة على لسان أي من مسؤوليها ، غير أن ذلك من الأمور المعروفة لأي مراقب عن كثب لتفاصيل الشأن الإقليمي وتطوراته ، ففي يوم الثلاثاء الموافق 5 فبراير الماضي تلقى ياسر عرفات تحذيراً واضحاً من رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان الذي زاره في رام الله ، ولم يكن هذا بالطبع لقاء ديبلوماسيا أو لتبادل المجاملات ، فمجرد ظهور هذا الرجل ـ المسؤول الأكثر أهمية عن الامن القومي في مصر ـ هو في حد ذاته بمثابة تحذير لعرفات ، وما نقلته حينئذ مصادر إعلامية إسرائيلية ، التي يبدو أنها تلقت تسريبات من جهات تابعت اللقاء عن كثب ، كانت فحواها تقريبا على النحو التالي :
"لا بد أن تدرك أن سياسة مواجهة شارون على هذا النحو عقيمة ، وحين نقرأ الخارطة الاسرائيلية في الداخل ، فإن هذا التصعيد لن يستبدل شارون في تشرين الثاني (نوفمبر) ، بالعكس سيضاعف شعبيته" ، وللمفارقة فإن هذا هو ما نقلته تماماً استطلاعات الرأي حول تنامي شعبية شارون بالفعل أمس .
وتابعت ذات المصادر الصحافية في نقلها للتحذيرات التي تلقاها عرفات من رئيس جهاز المخابرات المصري قائلة : "بالطريقة التي تنتهجها سيفوز شارون ، فالاسلوب لا يجب ان يكون التصعيد على هذا النحو ، بل محاولة ربط شارون بخطوة كارثية كما ارتبط شامير ونتنياهو بخطوات كارثية ، فالاول في مدريد والثاني في واي ريفر ، اذن يجب ان تنسي خطة كلينتون وتفاهمات طابا ، فلا توجد تسوية دائمة ، كذلك الاميركيون والاوروبيون توصلوا الي نفس الاستنتاج وما يمكن ان نطلبه اليوم من الاميركيين هو ان يعطي شارون طرف خيط سياسي ، يمنح الامل السياسي للفلسطينيين بطريقة التسويات المرحلية".وكانت جهود مصر حينئذ قد نجحت في تقليص قائمة المطالب الطويلة التي أقرها الوسيط الأميركي أنطوني زيني ، لتنحصر في ثلاثة مطالب اساسية هي :
* اعتقال قتلة الوزير الإسرائيلي زئيفي .
* اعتقال الاشخاص الموجودين في قائمة الـ 33 الإسرائيلية .
* مكافحة انتاج وتهريب الاسلحة غير القانونية.
وكان للاميركيين طلب رابع منفصل ، وهو ان يعاقب عرفات المسؤولين عن قضية السفينة "كارين" ، وعرفات ارضاهم في هذه النقطة تحديداً في رسالة بعث بها حينئذ لوزير الخارجية باول تحمل فيها مسؤولية ادارية عن الحادث .وتقول مصادر دبلوماسية عربية أن عرفات يؤمن بأنه لن يحقق أي انجاز سياسي حقيقي مع شارون ، كما يعتقد أن شارون هو مرحلة مؤقتة في المشهد الإسرائيلي يجب تجاوزها ، لذلك فهو لم يقدم أي تنازلات ، وشارون بدوره أدرك ذلك فقرر ممارسة أقسى درجات الضغط على عرفات .. الذي سبق أن مارس أقصى درجات الضغط عليه من قبل ليصل الأمر إلى هذه الدرجة من الاحتقان .
وأخيراً .. وقصارى القول في هذا المشهد الإقليمي الشائك ، فإن الفلسطينيين كانوا على مسافة خطوتين من تحقيق حلم الدولة في مناطق واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكانت تقريبا كل دول العالم مستعدة للاعتراف بهذه الدولة المنشودة منذ عقود ، غير أن عرفات بتقدير معظم الأطراف الفاعلة قد بدا "أنه لا يريد ان يظهر في التاريخ ولا في الكتب الفلسطينية كأنه قبل دولة من اليهود ، بل انتزعها وقاتل من اجلها" .. يبقى السؤال .. تراه يستطيع مواصلة هذا المشهد الأكثر ضراوة في دراما الصراع .. وحتى متى .. وما الثمن .. وهل سيتراجع ..تبقى هذه الأسئلة وغيرها في عهدة الأيام القليلة المقبلة .