نبيل عمر
&
ثلاثة أحداث رهيبة طفت على نهر الحياة في القاهرة كما تطفو جثث القتلى الغارقين في النيل، لم يتوقف أمامها أهل المحروسة، بل لم يلتفتوا إليها وربما لم يشعروا بوجودها أو لم يعرفوا بوقوعها، فهم كما خطط لهم يدورون في ساقية السعي إلى لقمة العيش المراوغة بلا توقف، منقطعين عن التفكير العام مستسلمين لهمومهم الخاصة الضيقة، يمشون جنب الحائط أو في داخل الحائط لا فرق، المهم أن يجدوا حلا للغلاء وهوان الجنيه ومصروفات العيال سواء بالحلال أو بغير الحلال،& لعل الأيام تمضي بهم في رتابتها وسخفها وذلها دون أن تقترب منهم "السلطة" لا بالطيب ولا بالخبيث!
ينكب المصريون داخل أنفسهم وهم لا يدركون أن المسافة بين " الأزمة العامة" و"الهم الخاص" وهمية لا وجود لها، وأن ما يحدث في قمة السلطة أو البرلمان أو مجلس الوزراء أو وزارة الداخلية أو التليفزيون أو الصحف اليومية هو الذي يحدد الطريقة التي يعيشون بها وكيف يعملون ويعالجون ويسكنون وينجبون ويتعلمون ويفسدون ويرفهون عن أنفسهم ويحلون مشكلاتهم اليومية!
ثلاثة أحداث قد تبدو متباعدة متنافرة لا رابط بينها، لكن مع قليل من التأمل نجد أنها متسقة، متصلة، تكمل بعضها بعضا مثل حبات في عقد أو ساعات في يوم أو خطوات في مشوار!
والأحداث هي انتحار ابن ماسح أحذية في الثالثة عشرة من عمره، ومظاهرة منكسرة في ميدان السيدة زينب ضد الحرب الأمريكية المتوقعة على العراق لم يخرج لها سوى ألف مواطن، وقمة عربية تعقد في شرم الشيخ قد تكون العشرين أو الثلاثين أو المائة أو الألف..بعد خراب مالطة!
فما هو الرابط بين تلك الأحداث العجيبة؟!
&
-1-
لا أعرف اسم الصبي المنتحر، فالصحيفة التي نشرت خبره لم تذكر اسمه، فمن هو لتذكره؟!، ولولا غرابة الخبر ربما ما نشرته أصلا!
&الصبي في الصف الأول الإعدادي، يسكن جحرا في واحد من أعرق أحياء القاهرة المليء بالمتناقضات السافرة، فيجمع بين الفقر المدقع والثراء الفاحش، فيه من يبيت ليلته على لحم بطنه وفيه من يكسب مليون جنيه في يوم واحد، هذا هو حي بولاق!
كان عيد الأضحى يقترب والمصريون جميعا تغيب عنهم بهجة المناسبة، تكاد تختفي روح المرح من شوارعهم، الدولار الأمريكي ينغص عليهم حياتهم، وقد أطلقت الحكومة سراحه من قفص الترويض الإداري فأخذ يلتهم "خراف " الجنيه المصري الضالة بجنون يشبه جنون الحرب الذي أمسك بأصحابه في واشنطن ويدفعهم دفعا إلى التهام العراق، ووجد المصريون أنفسهم وقد انخفض مستوى معيشتهم ما بين 20 و30 % بين ليلة وضحاها، بعد أن جنت أسعار السلع وتدافعت صعودا، فاكتفي المصريون بالفرجة على المحلات ولم يدخلها إلا المضطرون أو المقترضون أو المغامرون أو القادرون!
في هذه الظروف القاسية أصر الصبي على شراء حذاء جديد، كانت أمه وعدته به عند دخول المدارس في بدء العام الدراسي،& حين قالت له: أذهب بالحذاء القديم..أنا عارفة أنه "مقطع" جدا..وسأشترى لك جديدا في عيد الفطر!
ولم يسعفها الحظ ولا مهنة الأب البسيطة على الوفاء بوعدها..فأجلت الوعد مرة ثالثة أو رابعة قائلة: وحياة النبي لأغيره لك في العيد الكبير!
يغفل عن الفقراء أحيانا أن الوعود المرتبطة بالفلوس مثل التحليق في الهواء بأجنحة من الريش، مجازفة محفوفة بالمخاطر، لكنهم يطلقون تلك الوعود وهم متعلقون بحبال تحسن الأحوال المائلة، متجاهلين أن الأحوال منذ حقبة أو تزيد لا تعرف سكة التحسن وتجافيها واعتادت على سكة التدهور وأدمنتها، وبالرغم من هذا فهم لا يكفون عن التعلق بتلك الحبال الدائبة، وكيف لا يفعلون وهي مطية الصبر التي يركبونها في رحلة الأيام، قد لا تتحرك خطوة واحدة بهم إلى الأمام لكنهم يوهمون أنفسهم أنها تتحرك!
لم يرضخ الصبي هذه المرة للأحول ولم يفهم عجز أمه وأبيه، وربما راح يسأل نفسه: كيف يمسح أبوه أحذية الناس في الطريق وهو لا يجد حذاء ولو نصف عمر "يعيد" به؟!..كم حذاء ينحني أبوه عليه كل يوم أو يمسك به بين يديه يلمعه وهو لا يجد مثله؟..مفارقة مدهشة، فيها من الألم ما يفوق الوصف، من العبث ما لا يستطيع عقل الصبي أن يستوعبه، من الذل ما لا يقدر على احتماله!
ذهب الصبي إلى أمه في محاولة أخيرة ليلة العيد، بكي نهرته، أخذ يصرخ ضربته، فتسلل خارجا ثم عاد صامتا ومعه حبل، لم تكن أمه في البيت، وعلق الحبل في سقف الحجرة وصنع دائرة محكمة كما يري في أفلام الغرب الأمريكي في التليفزيون وأدخل رقبته فتأرجح جسده حتى سكن!
انتحر أبن ماسح الأحذية، لأن أسرته لم تقدر على شراء حذاء رخيص له من سوق العتبة بعشرة جنيهات، ما يعادل دولارا ونصف الدولار، ولا أعرف بالضبط كم يساوي هذا المبلغ بالنسبة لمليارات الجنيهات المنهوبة من البنوك، هل هو أكثر من الصفر قليلا أك كثيرا؟!
ما أرخص الحياة في بلادنا..
ما أتعس البشر في تلك المنطقة من العالم..
ما أكذب الذين يحدثوننا عن التنمية..
ما أفسد القائمون على أمور الحياة فيها..
هل يمكن لأي مسئول ولو بنصف ضمير أن يقارن ما حدث لأبن ماسح الأحذية وما تمتع به أبنه في العيد؟!
لن يفكر فيه احد، ولن يبكي مع أسرته البسيطة لا رئيس الوزراء ولا وزيرة الشئون الاجتماعية ولا الحكومة بكامل هيئاتها..فهو لن يمثل لهم تجسيدا هائلا لفشلهم وسوء إدارتهم للحياة على أرض مصر، وسيعتبرون "الحادث" حالة فردية وضع فيها الصبي نهاية تعيسة لحياته في لحظة جنون عابرة!
وعموما لا الصبي ولا نحن لنا قيمة عند الحكومة، نحن مجرد أرقام، تزيد بالتناسل وليتنا لا نزيد، ومن يموت يخفف عن الحكومة مسئوليته!

-2-
منذ أكثر من شهر وأنا أتابع ما يحاول أن تصنعه جماعة مصرية من تشكيل مظاهرة كبيرة بالقاهرة ضد ماكينة الحرب الأمريكية التي تريد أن "تفعص" العراق بين تروسها!
الجماعة المصرية المشكلة من أحزاب وهيئات مختلفة، تظن ظنا حسنا في المصريين وتتصور أنها قادرة على أن تدفعهم ليهبوا من كهف النوم الذي يشبه الموت الاختياري أو "الانتحار بهجرة الحياة العامة"، ويخرجون يعبرون عن الغضب المكتوم في الصدور من السياسة الأمريكية المعادية لهم والمناصرة لأعدائهم!
وظلت هذه الجماعة تكتب رسائل إلكترونية للناس، وتعلن عن مظاهرة حاشدة في ميدان السيدة زينب، وتحث الناس بكل الوسائل والأساليب، ليشاركوا أكثر من ستة ملايين إنسان في أنحاء المعمورة من سان فرانسيسكو إلى سيدني هرعوا في نظام بديع إلى الشوارع، ليرفضوا الحرب وغرور القوة الأمريكية!
لكن الجماعة المصرية الحالمة لم تجمع أكثر من ألف مصري، نصفهم من المنظمين، فكان شكل الشارع في القاهرة مخزيا!
الأجانب في بلاد الفرنجة يتظاهرون من أجل إطفاء نيران الحرب التي تكاد تمسك بثياب كل ما هو عربي، والعرب في بلادهم ساهون لاهون مغيبون!
أليست هذه أمة منتحرة؟!
وأسباب انتحارها لا تختلف عن انتحار ابن ماسح الأحذية، وهي خليط من اليأس والإحباط والعجز عن تجاوز الأزمات التي حاقت بها ومازالت!
والمجتمع المصري تحديدا تعرض لعملية تجريف سياسي مكثفة، تفككت خلالها كل مفاصله القوية من أحزاب ونقابات واتحادات طلاب ومؤسسات أهلية وتنظيمات جامعية، وحل محلها بدائل منها تابعة للدولة خاضعة للنظام والسلطة خضوع العبيد والأسرى، فتقطعت خطوط الاتصال بين المصريين كجماعات منظمة فاعلة تمثل مراكز حيوية فكرية وسياسية، وسمح لهم فقط بالاتصالات الفردية، على المقهى، في ملاعب الكرة، في أندية اللونز، في القرى السياحية، في فنادق الخمس نجوم، فبات المصريون جزرا منعزلة سياسيا وفكريا، كل جماعة في جزيرة منقطعة عن بقية الجزر، وكل فرد ملتف حول ذاته من أسرة وعمل وصداقة لا يخرج عنها إلى عوالم أخرى إلا نادرا!
ولم تلجأ الدولة في تفكيك الجماعات المصرية إلى وسائل ناعمة، بل إلى وسائل شديدة العنف والعسف والبطش..فزرعت قدرا هائلا من الفزع بين جوانح الناس ، ليفكروا ألف مرة قبل أن يعودوا إلى الحياة العامة!
ومن هنا أبتكر المصريون شعارا انتحاريا والتزموا به كلما دعاهم داع إلى نشاط جماعي:& يا عم أحنا مالنا هم أصحاب البلد وأحرار فيها؟!
والمقصود بـ"هم" هو التحالف المكون من أصحاب السلطة ورجال أعمال ومثقفين"!
ومع تفاقم المشكلات من أسعار وتعليم وصحة وإسكان وتلوث وفوضى في الشوارع، مصحوبة بقضايا فساد من العيار الثقيل..ابتعد المصريون أكثر وأكثر عن الحياة العامة حتى تخلوا عنها تماما "لأصحاب البلد"، وتعبير أصحاب البلد مقصود به أيضا هؤلاء الذين "يأخذون" خير البلد ولا يتركون إلا الفتات لأغلبية الناس!
ودخل المصريون كهف النوم الذي يشبه الموت أو كهف الانتحار بالصمت، ولا تختلف أسبابهم عن أسباب أبن صاحب الأحذية!

-3-
الصبي وهو المستقبل انتحر بطريقته، والمجتمع وهو الحاضر أنتحر بطريقة أخرى، والأسباب واحدة..ولم يبق إلا شهادة وفاة رسمية، تنعي العرب جميعا إلى العالم!
قد يفيد مكتب الصحة في استخراج شهادة وفاة طبيعية لفرد، لكن إذا كانت الوفاة جنائية، فلابد من رأي "الطب الشرعي"، و انتحار الصبي..جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد، وكان هو مجرد أداة القتل التي زهقت روحه، لكن المحرض والجاني نحن جميعا، فكيف نحاسب مجتمعا بأسره، بشقيه من "أصحاب البلد" ومن "أصحاب الكهف"؟!، بل كيف يكون الحال لو أن المجتمع الجاني هو نفسه ضحية تمارس نوعا من الانتحار شبه الدائم؟!
مجتمع يحيا أكلينكيا لا فعليا، مثل مريض الغيبوبة الذي تقتصر علاقته بالحياة على علامات بيولوجية فقط من أكل وتنفس وإخراج، بينما هو ميت عقليا ونفسيا وروحيا..من يستخرج له شهادة الوفاة ومن يحاسب الجناة؟!
فهل يمكن أن تعقد القمة العربية وتصدر لنا شهادات وفاة جماعية؟!
لو فعلت..لكان هذا أعظم انجازاتها!
لعلنا نفيق من غيبوبتنا..
لعلنا نضيء مصباح العقل..
لعلنا نفكر في الخروج من الكهف..
لعلنا نكسر طوق العبودية..
لعلنا نثبت أننا لم نمت بعد..