نصـر المجالي
&
حين حققت السيدة مارغريت ثاتشر امرأة بريطانيا الحديد انتصاراتها اياها في الفوكلاند وحشد الرئيس الاميركي الاب جورج بوش في غضون عشرة اعوام بين الثمانينيات والتسعينيات فإنها لم تستطع الحفاظ على هذا العز فاندثرت في اول حملة انتخابية داخل حزبها اولا امام الرجل الرمادي جون ميجور الذي قاد البلاد الى النصر ضد العراق ثم قاد المحافظين وهم قلعة الارستقراطية في بلاد آل وندسور الى هزيمة ماحقة ساحقة امام اشبال حزب العمال الجديد.
هذه الانتصارات وهذه الهزائم المؤقتة كانت نمرا من ورق من الداخل والخارج حرقت انيابه كل ما هو باق للامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ولذلك غربت الى ما وراء الاطلسي طالبة العون في ساعة العسرة، فأوروبا الجديدة امامها والبحر من ورائها، فأنا مابين الشوكة والسكين ايها البيت الابيض العظيم.
ست سنوات عجاف تهرس بريطانيا منذ صعود النجم توني بلير الى قمة الرئاسة، فلا حلا للاكتظاظ بالمستشفيات ولا خفض للضرائب ووسائل النقل العامة صداعا دائما والانشقاقات والاستقلالات في ما تبقى من المملكة المتحدة اسكوتلنديا وايرلنديا وويلزيا تنهش الجسد العاري& لعجوز العصر الحديث على حد رأي شارل ديغول مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة في منتصف الستينيات.
وما بين الانتصار المنتظر لسنوات تاتي والهزيمة التاريخية الى ما لا حد من زمن يأتي، يغرب بلير (شبه الماركسي) ويشرق حاشدا كل "لوبيات" الارض دعما& للحليف (الرأسمالي) الكبير في حرب لا خلاق ولا اخلاق ولا مبرر& لها ونحن ندخل عصر العولمة من بوابات القطب الوحد وجيوبه ونهمه.
وبالطبع ليس الحرب ضد العراق هي التي تفتح جراحات الحكم البريطاني النازفة وهي ليست التي تفجر الصراع بين الأعمدة معيدة عقارب الساعة نصف قرن سنين عددا الى الوراء مؤذنة باطاحة سياسية لتوني بلير جريا على سنة سلفه أتلي المتورط في حرب السويس من غير رغبة الشعب.
من هنا وعلى غير موعد يجيىء للحزب الحاكم في عرين الاسد من المفاجئات ما لم يكن في الحسبان، واذ لم يكن احد بمقدوره ان يصدق ان احد اقطابه المشاغبين (الماركسيين) جاك سترو قائد دبلوماسيته ينحاز جهارا نهارا على غير هدى ليصبح اللسان الذرب للجنرال كولن باول، فإن المحتمل تصديقه هو ان سيدة فولاذا تحتل الواجهه وصفحات الجرائد وشاشات الاذاعات المرئية وفضائياتها.
كلير شورت، سيدة لا تتمرد على رجل في بيت الزوجية، ولا تشق عصا الطاعة على الصدر الذي ارضعها ايدولوجيات منهكة منذ رأت نور الحياة في بيرمنغهام او انخرطت في تحصيل العلم في جامعتي كييل وليدز.
انها تتمرد على اللاأخلاقية المتجددة في قرارات صانعي قرار حزبها العمالي الجديد، وهي ان قالت لا فانصتوا جيدا، الم يهزم تشرشل في الانتخابات التشريعية من بعد ان حقق اعظم انتصار في العصر الحديث امام مستضعفي تآلف احزاب بريطانيا؟ اليس قرار الشعب الذي حقق الماغناكرتا هو القول الفصل.
هكذا تقطع جهينة الانجلوسكسونية قول كل خطيب، وحين تهدد هذه السيدة الخمسينية بالاستقالة فإنها عند كلماتها وستستقيل اذا ذهبت حكومتها الى حرب لا معاني لها من دون غطاء دولي اليست هي وزيرة التنمية الدولية؟ او ليست هي البرلمانية والحزبية الآتية من الطبقة المسحوقة في وسط بريطانيا التي تتمزق اشلاء وفقدت بوصلتها في القرار في عهد "من ناضلوا وكافحوا ورفعوا كل شعارات الثورة ضد البغي الارستقراطي الثاتشري"؟ اليس هؤلاء هم انفسهم الذين يمرغون انف امبراطورية الأمس بالوحل الأميركي؟.
كلير شورت صاحبة السلطة الحزبية من وراء ستار في حكومة بلير المنقسمة حزبيا واداريا لا تدافع عن صدام حسين كما سيظن طارق عزيز او عزة ابراهيم الدوري وطه ياسين رمضان الذي يهدد بمليون مقاتل عراقي ومن ورائهم مجمل عصبة الوراقين والكتبة الذين يصفقون لانتصارات وهمية بكت منها عاصمة الرشيد دمعا في زمن مضى وتبكي دما في زمن حاضر وتنتظر المجهول في غد تحمله اليها معركة (السكتة الالكترونية) في حرب محتملة خلال اسبوع او يزيد قليلا.
كلير شورت، ليست نهازة فرص او انتهازية، وهي حين قالت لرئيسها في العمل اذهب الى افريقيا فانه قرر صاغرا، وذهب حاملا ملفات انقاذ القارة السمراء، وهي الآن حين تقول سأستقيل، ستستقيل، انها امرأة عند كلمتها، وما لم يفعله كثير من الرجال ستفعله اخت الرجال في مواجهة ما لا علاقة له بالاخلاق، اليست هي الوريثة الشرعية لتوني بن وريث الاستقراطية الذي صار عملاق الاشتراكية الواقعية في معارضته لستين عاما كل الاغلاط التي قادت بريطانيا الى كل المواجهات الخاسرة والمطبات المحزنة؟.
الذين يعرفون السيرة الذاتية للوزيرة الخمسينية يدركون لماذا هي تصعد التاريخ سريعا وتتسلق المجد حين تقول لا، فهي ليست وزيرة السالمونيلا المحافظة ادوينا كوري التي انهارت من بعد طلاقها امام قدمي رجل الحزب الرمادي جون ميجور حين لوح لها بالحب والمنصب معا فانكشفت الفضيحة وشطبت الانتصارات التي تحققت للحزب المهزوم في حرب الخليج الثانية.
كلير شورت، وانصتوا معي جيدا هي "القدر المتاح وأغلب" لحزب ينهشه سرطان التحاسد من داخله، فهل ستكون هي النطاسي البارع الذي يستأصل آفة الانحياز للغلط الذي يرتكبه سيد 10 داونينغ ستريت توني بلير الذي يفخر كونه صار "جرو الحضن للحزب الجمهوري واليمين المسيحي الاميركي!".
واذا عرف السبب بطل العجب، هذه هي كلير شورت، فانتظروها جيدا.
