د. شاكر النابلسي
&
&
لم نكن بحاجة إلى أن تقوم حرب خليجية ثالثة لكي نكتشف عورة جديدة من عورات الإعلام العربي، والمتركزة هذه المرة بالفضائيات العربية.
في حرب الخليج الأولى، كانت الفضائيات العربية مُفتقدة، فلم يُتح لنا أن نكشف عن عورات الإعلام العربي من خلال هذه الحرب التي امتدت ثماني سنوات، وخسر فيها العراق ومن ورائه العالم العربي من المال والبنين ما لا يُعد ويُحصى، ذهبت كلها هباءً في الهواء، ولوجه الشيطان، وثمناً لجنون العظمة والعنتريات الديكتاتورية، ومُسحت بـ (شحطة) قلم أثناء حرب الخليج الثانية من قبل المُهيب العجيب!
وفي حرب الخليج الثانية، لم يكن هناك هذا الطوفان الأهوج من الفضائيات العربية، وكانت بعض الفضائيات الأمريكية هي الوحيدة التي تنقل صور وتقارير الحرب للمشاهد العربي. وكانت قنوات التلفزيون العربية الأرضية تنقل عنها.
أما في حرب الخليج الثالثة، فقد تدفق هذا العدد من الفضائيات العربية لتغطية حرب الخليج الثالثة بالصوت والصورة، وتدفق المراسلون من ثلاث أو أربع فضائيات عربية لتغطية هذه الحرب. وكلها فضائيات تتبع أنظمة معينة وتغطياتها كما يكتشف المشاهد الذكي الفطن مُسيّرة، وخاضعة للخطاب السياسي الذي تريد أن تقوله وتعرب عنه الجهة الحكومية المالكة لهذه الفضائية.
فواحدة من هذه الفضائيات الأربع وهي الأشهر والأكثر انتشاراً والأعلى صوتاً والأذكى اعلاماً، من الواضح أنها صورة طبق الأصل لاعلام نظام صدام حسين في بغداد. وهي تغالي مغالاة شديدة في تبني وجهة نظر نظام صدام لكي تغطي على نشاط القواعد العسكرية الأمريكية المُقامة على نفس الأرض التي تبث منها هذه الفضائية والتي لا يبعدها عن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج أمريكا غير بضع كيلومترات فقط!
&
فأين الصدقية في هذه الفضائية؟
والفضائية الثانية فضائية مصرية، لا حول لها ولا طول، تأتي باخبار باهتة وصور باهتة، ولا تقول لنا شيئاً بقدر ما يريد النظام الذي يملكها أن تقوله.
فأين الصدقية في هذه الفضائية؟
والفضائية الثالثة فضائية لبنانية. صحيح أن هذه الفضائية شركة خاصة وفي لبنان الديمقراطي الحر النسبي. ولكنها أخيراً تعاقدت مع جريدة "الحياة" المملوكة للسعودية. كما سمعنا مؤخراً، أن آل ابراهيم أصهار الملك فهد بن عبد العزيز قد اشتروا جزءاً كبيراً من أسهم هذه الفضائية. وهم في نفس الوقت مالكو فضائية MBC&& ومن ضمن مالكي الفضائية الجديدة (العربية) التي جاءت لتنافس قناة "الجزيرة" وتحد من انتشارها الكثيف في العالم العربي المحروم من سنتيمتر واحد من حرية الاعلام الذي تتمتع به قناة "الجزيرة".
&من ناحية أخرى، فإن هذه الفضائية تبث من لبنان وإعلام لبنان في ظل الوجود العسكري السوري محكوم إلى حد كبير بالخطاب السياسي السوري. فإذا كانت الرئاسة اللبنانية والخارجية اللبنانية والداخلية واللبنانية والدفاع اللبناني محكومين للخطاب السياسي السوري وموقفه من حرب الخليج الثالثة، فماذا يتوقع المشاهد أن يرى في هذه الفضائية، والتي لا تريد أن يكون مصيرها كمصير محطة& MTVو NTV& اللتين سبقتا واغلقتا على إثر عدم رضى الخطاب السياسي السوري عليهما.
&
فأين الصدقية في هذه الفضائية؟
والفضائية الرابعة وهي الفضائية (العربية) وهذه جديدة على الفضاء العربي، وما زالت تتلمس طريقها، ولكن علينا أن لا ننسى أن مالكي هذه الفضائية هم من يملكوا الفضائية الثالثة، وهؤلاء ليسوا أحراراً في توجيه دفة السياسة الاعلامية لهذه الفضائية. صحيح أنهم مستثمرون، ولكنهم ليسوا مستثمرين في صناعة الصلصة أو تعليب التمور أو بيع البخور، ولكنهم مستثمرون في أقوى وأمضى سلاح يمكن أن تملكه الأنظمة العربية وهو سلاح الإعلام، ولا سلاح لديها تدافع به عن نفسها غير هذا السلاح. ولا بُدَّ لهذا السلاح من أن يوجّه توجيهاًً رسمياً من قبل النظام الذي يملكه، أو من قبل المستثمرين الذين يتبعون دول هذا النظام.
&ففي غياب الديمقراطية وحرية الرأي في العالم العربي، تسود مثل هذه الظواهر الاعلامية.
فأين الصدقية في هذه الفضائية؟
وقس على ذلك باقي الفضائيات العربية الأخرى الأصغر حجماً وانتشاراً.
ولو تركنا الانتماء السياسي لهذه الفضائيات جانباً، والذي يحدّ حداً كبيراً من صدقيتها، وأخذنا الجانب المهني المحض لهذه الفضائيات، ودوره في تغطية حرب الخليج الثالثة، لتبين لنا العيوب والعورات التالية:
&
1-&& على رأس هذه العيوب والعورات اللغة الهابطة والقذرة التي يتحدث بها وزير الإعلام العراقي محمد الصحاف.
صحيح أن وزير الإعلام العراقي جرفته العاطفة كما جرفت الإعلام العربي عموماً المشاهد منه والمسموع على وجه الخصوص، ولكن الأمر يجب أن لا يتعدى إلى تلك اللغة البذيئة التي يتحدث فيها وزير الإعلام العراقي والتي تنم على أن نظام بغداد الذي يمثله هذه الإعلام عبارة عن عصابة ذلك هو قاموسه، وتلك هي لغتها ومفرداتها في التعامل مع الآخر.
&هل استمعتم إلى هذه اللغة ومفرداتها التي يترفع عنها صبية أسواق السمك أو صبية الحواري المشردين في العالم العربي ؟
&لا اريد أن أعيد على مسامعكم تلك المفردات القذرة التي لا تليق حتى بمن هم أقذر من يملكون ألسنة في العالم العربي. فقد فتح الصحاف القاموس القذر لمحاكمات المهداوي الشهيرة في عهد الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم وقرأ منها. والغريب أن بعض المحطات الفضائية المباعة للنظام العراقي لا تتوانى باعادة هذه الشتائم في كل نشرة أخبار لها على مدار الساعة دون تهذيب أو تنقيب. وكأنها تفخر بما يقوله وزير الإعلام العراقي الذي أصبح سُبة، وعلامة سوداء في تاريخ الإعلام العربي المسْوَد أساساً . فزاده وزير الإعلام العراقي سواداً على سواد، وسخاماً على سخام.
2-&& ومن يستمع إلى تقارير "المراسلين" الذين أوفدتهم هذه الفضائيات الى أرض المعركة، يرى أنهم في غالبيتهم مراسلون لا علاقة لهم بالاعلام ولا بصناعته. والفضائيات العربية معذورة في هذا. فنحن لا خبرة لنا لا بالحرب ولا بإعلام الحرب، ولا بهذا الفن من الإعلام.& ونعتبر الهيجاء وإعلامها غزوة من غزوات القبائل العربية التي تشدّ فيها على ظهور الخيول، وتحمل بنادق عثمانية.
&فنرى المراسلين لهذه الفضائيات لا يعلمون شيئاً عن جغرافية العراق، ولا يعلمون شيئاً عن تاريخ العراق، ولا يعلمون شيئاً عن التنظيم العسكري أو الحربي، ولا يفرقون بين الكتيبة والفرقة، ولا بين العصا والرشاش، ولم ينخرطوا في أي دورة من دورات الإعلام العسكري أو الحربي. وكل ما يقولونه لنا هو ما تسجله الكاميرات التلفزيونية فقط. والدليل على ذلك أنهم يجيبون على أسئلة تافهة بأجوبة أكثر تفاهة من الأسئلة نفسه، وهي خالية من أية معلومة يمكن أن تساعد المشاهد على فهم الحقيقة أو ما يدور على أرض المعركة.
3-&&& والفضائيات العربية تعتمد في تغطيتها لحرب الخليج الثالثة على الاثارة بالصور، دون المعلومة الحربية أو السياسية أو التاريخية. فهي تهز مشاعرنا عندما تعرض صور الأطفال العراقيين المشوهين الأبرياء الذين راحوا ضحايا لهذه الحرب المجنونة. ومن يشاهد صور الحرب الأخيرة التي ظهر فيها الأطفال العراقيون المشوهون، يستنكر نشر مثل هذه الصور. وهذا دليل واضح على الافلاس الاعلامي التقني.
&فنحن بالمقابل لم نر صورة واحدة لضحايا واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الإعلام الأمريكي المشاهد أو المقروء التي راح فيها أكثر من ثلاثة آلاف ضحية في نيويورك علماً بأنه من المؤكد أن ضحاياً هذه الواقعة الذين احترقوا في جحيم هذه الواقعة، وكانت صورهم أكثر قسوة وأبشع من هذه الصور. وهذا ان دلَّ على شيء فانما يدل على افلاس الفضائيات العربية في أن تقول الحقيقة عن طريق المعلومة، وليس عن طريق نشر صور غير انسانية، هي نتيجة حتمية لكل حرب.
4-&&& وأخيراً، فإن الإعلام العربي في تحليله وتغطيته لحرب الخليج لم يقل لنا عن المسبب في هذه الكارثة، فيما لو علمنا أن كافة المراسلين في ميادين المعركة هم ما زالوا في قبضة النظام العراقي، وأن أي تغطية لا ترضي غرور النظام العراقي سيكون مصير صاحبها الطرد من العراق. وهذا ما حصل مؤخراً لمراسلي القناة الأمريكية CNN.
&
***
&
ألا يكفي العالم العربي أنه خسر امام أعدائه كل الحروب العسكرية التي خاضها منذ العام 1948 إلى الآن، ويأتي الآن الإعلام العربي المتمثل بالفضائيات ليخسر أمام متلقيه المزيد من المعارك؟
متى نتعلم أن نكسب معركة واحدة فقط بالعلم والمعرفة فقط وفقط؟
معركة واحدة فقط في مجال التعليم أو الاقتصاد أو التنمية أو الصحة أو محاربة الأمية أو مجال الإعلام، هذا السلاح الحاد الذي لا يقل خطورة عن السلاح الفعلي، والذي هو أولاً وأخيراً علم، ثم علم، ثم علم،& وليس تهريج، وصراخ، وصياح، وكوادر اعلامية لا تفقه من لغة الإعلام إلا ما أفقه أنا من اللغة الهيروغليفية!
&
