امير الدراجي
&
&
في عام 1985 سألني الشاعر ستار موزان متى تعود للعراق؟ قلت له إلا إذا كان محتلا من دولة غربية، وفيه قواعد عسكرية عاتية تمنع صعود حاكم مغرور،أريد حاكما لا فضل له علي، حاكما مهانا كي لا يتمكن من إهانتي،حاكما يعرف الخجل بالانتصار وليس الصلف بالهزائم.. هكذا ذكرني اليوم بحوارنا في البقاع اللبناني فيما كنا نهرب من مكان لآخر خوفا من المخابرات وعنصرية حرس الثورة الإيرانية،إلى حد تعلمنا كيف نخفي لهجتنا العراقية،لأنها تعني الموت والقتل على طريقة المليشيات،حتى أن ستّار كان يخاف من سمار وجهه، الشبيه بالفلسطينيين،فكم تعذب وجرى دمه بكعوب الأخامص من قبل مليشيات حركة أمل، لأنها ممارسة عنصرية البشرة وكان كل أسمر هو فلسطيني، حتى أنها اعتقلت سفير دولة بسبب سمرته،وجلبته لعمل شاق على خطوط التماس و هو ملء أكياس الرمل في المتاريس،كما خطفت سودانيين وسائق السفير الكويتي وجعلتهم مثل الحمالين في رأس النبع،وهي منطقة تماس في بيروت.. أجل، بعد هذه المشاهدات قلت لا أعود للعرق إلا مستعمَرا،لأني لا أضمن حياتي في عراق مستقل.
ظاهرة الأستاذ طلال سلمان هي ظاهرة تشكل لسان أو ناطق رسمي باسم ثقافة الموت السياسية، وهي تحتضر وتندب على نهاية سقوط التاريخ الاحتفالي، من جيل فشل حتى على معرفة ذاته أو تعريفها كما قدمها لنا،لاسيما إطلاقه كلمة " رعاع " على مجموعات مكبوتة من العراقيين الذي رد عليه الكويتيون مشكورين!!.. صحيح انه لا يحب صدام،كما أتذكر انه تعرض لمحاولة اغتيال من أجهزته السردابية،لكن هذه حرب أخوة الفكر والمقولة والخطاب ككل حرب أخوة طبيعية،ولعلنا لا نجزيء التخصيص أو نأخذ جزئية الحدث عن كلياته العصماء،كما لا نكون ظالمين إلى حد تسويق ثنائية المؤثم والمحرم،ونطالبه كما يطالبنا،بوضوح تديني إزاء آرائه. أي هنا أو هناك،لكن العذر يأتي من مضمرات ومضمونات فكرة ومصطلحات ليس لها وجود أو معنى وظيفي وعملي إلا ما تطارح كخيال،يتسق في منظومات تهريب الإنسان نحو الفكرة،بعد تجريده من كينونته العاصية والمتناقضة عمليا وواقعيا،اذ عملت منظومة الخيال السياسي والديني ان لا تقبل الإنسان إلا مقياس لفكرة غير موجودة،وتقبله كصلاح جاهز سلفا. من هنا فإن عزاءه عظيم وخسارته - ككل قادة مقولات الوهم- كبيرة وقد تهدمت أوثان مرجعيات ما سمي بقادة الهويات المجوفة ذات النزوع الفراغي. مجموعات من ذوي الخسارة إياها يفكرون انطلاقا من تلك القيم، فتجدهم ينظرون ويكرسون البعد الواحد على مجموعة أحداث لا تقبل التجزيء،ومنها تكريس فكرة الاحتلال على فكرة نهاية أكبر عهود الطاغية،لأنهم أصلا مدماك فكري وسياسي وإعلامي لتلك الفكرة،وغيابها غياب بضاعتهم وغيابهم،بل هم بنية الاستبداد التحتية كثقافة سياسية سادت طويلا ولم تعلن هزيمتها،مع أن هزائمها عديدة وكبيرة،حتى أنها لم تجد لها مكانا محترما في التاريخ بعد أن فات أوان اعترافها واحترام ترجيعها وشيخوختها. وككل الفكر البطولي الباحث عن خصم،والمروج لسلع إعلامية نحو مجموعة مستهلكين،فانهم لا يتراجعون عن ممارسة ذات الدور البطولاني المعهود،الذي نبت في مقولات ومدارات فكرة المنقذ وما تناسله مع قيم مستبدة.
&في سياق آخر كشفت أحداث العراق عن وجود عناصر كاريزمية هائلة عبرت عن حضورها تلك المرارة الجماعية التي يمارسها المثقفون والإعلام العربي، وهذا أمر فاضل وسالب في آن،لأنه في أحد جزئياته يشكل عراقا هم صنعوه لا عراقا صنع ذاته،وهذا مشابه لعمليات الاستشراق التي تصوغ البلاد كما تراها لا كما هي واقع،وخطورة هذا التصور الذي لعبت السلطة العراقية المفترسة في تسويقه،حيث قامت سياستها على أساس جعل الداخل في خدمة تقديم صورة مقبولة للخارج،جعل العرب يفكرون دائما أن العراق بلدا لقرابين حروبهم،ومتنفسا دمويا لخطابهم التحريري والقومي،وهكذا طبلوا لانتصاراته وبكوا لهزائمه وهو يتنقل من حرب لأخرى،فيما هم الآن - وهذا ما يجب أن يتنبه له العراقيون - يدفعونهم لحرب جديدة وانتحار آخر، لتخفيف الضغط الأميركي الكاسح عليهم، وبالتالي إعفاء دكتاتوريتهم من استحقاق نهاية التاريخ ونهاية تركات الحرب الثانية والباردة،ونسيان أن دولهم ووطنياتهم هي صياغات أجنبية ودول وكالات خارجية، لم تتشكل طبقا لرغبتهم أو مؤثثات أفكارهم،لأنها لا تملك غير مقياس نقدي واحد، تنتج عنه معادلة نقد المستقبل بفكر التاريخ،التي من تداعياتها تبجيل فكرة الموت على الحياة، وهكذا سيق خطاب الموت في كل زوايا الحياة، وأصبحت الثقافة والإعلام مجرد حفار قبور!! وهؤلاء القبريون الدفانون الذين أينعوا الحياة تحقيرا وتهميشا لمصلحة الفكرة والتمويت،من مثل أمة وعروبة وقومية وتحرر وصراع مع أجنبية الهويات،،تمكنوا من تكوين تراكما تربويا وفي الوعي العام يقوم على اجتماعية وطنية جوهرها الاستبداد،أو في أرقى الحالات تسويات تاريخ الطائفية. لم تقدم المعرفة أي عملية فكاك وتفكيك للتاريخ،بل جددته مجموعة من القوميين ودعاة التحرر بما يشبه تجديد سلطة القبر وبعث الماضي،وكلمة بعث أكبر اعتراف بأيديولوجيا الموت،كخيار أوحد للنقد والاعتراض،فيما كانت كلمات نمو وتقدم وحرية وديمقراطية مجرد صوتيات تطبيلية طنينة،لا تشكل المنهج المعرفي المحترم والفاعل والعامل،بل تمكنت هذه الكلمات إلباس التاريخ أقنعة،وإدخاله حفلات تنكرية الحداثة. في هذا الجو،وجدت اللغة ملاذها، والشعار المحافظ على قيم التاريخ الموتي،مقولاته وتحديثاته،فكانت نفس السكتة العقلية،تمارس نهوضها من جديد،وذلك بتكريس فكرة الاحتلال على فكرة انتهاء الطاغية وانتهاء الموت،مع بعض التبهير اللغوي الرومانسي،القائل بحرية العراق وانتفاضه من قبل العراقيين أنفسهم كشعار تهريب من استحقاق الممكن إلى المستحيل،فيما كل شعوب المنطقة،وحتى الآن لن تنتخب جلاديها أو تعرف حريتها،فالجلاد والحرية مستعاران،ومن وضع الجلاد يضع الحرية!! وهكذا هي المعادلة في سياق التأجيل المريب الذي يقود لواءه المثقفون والإعلاميون أنفسهم،سواء دافعوا عن وطنية الاستبداد المستعارة أصلا،أم هجموا على وطن الحرية المستعار واقعا. وانهم بذلك بإحدى الخيارين،إما خطاب دولة الاستعمار المنصرم أو دولة الاستعمار اللاحق. لأن فكرة العربية الأولى لعب التبشير والاستعمار في تقديمها كأي طبق مقدم لدور عجزة من قبل الغرب،و ازدادت حدة تجددها خلال الصراع مع الأمميات الشيوعية،وهذا يدل على ان الشيء ونقيضه غير أصيل،مع ما أجري من عمليات خطابية ذرائعية وتعبوية لاستعادت قراءة التاريخ،حتى ليبدو درس التاريخ مثل أي بيان سياسي،أو معلومات تعبوية لا اكثر،إذ لا يملك أي حياد تعليمي،أو معلوماتي.
&التركيز على خطاب التحرير هو استعادة زائفة لخطاب دول الأجسام المريضة،التي عممت إعاقتها لكل مرافق الحياة،فيما بقيت أسيرة الوهج الهتافي،الذي لم ينتقل يوما من المشهد الأول إلى أعماق ومفاعيل ظاهرته اللغوية، لأنه يدرك تماما أن فكرة الاستقلال تبرير لفكرة الاستبداد أمام شعوب لن تمارس الحرية وانضباط الديمقراطية، بحيث تقدم أكبر المبررات لدول الردع والأجهزة الأمنية بفوضاها وقيمها الاحترابية المؤجلة في التاريخ والمستجدة في تاريخ التحزب!!الاستقلال يبرر الاستبداد،والاستعمار يبرر الانتقال الهادئ والمبرمج لقيم دولة الاستعمار، فيما ترك هذه الشعوب،وعلى مدى تجارب مريرة، هو تكريس للفلتان الأمني والقضاء القبلي الثأري والفرهود والفوضى السياسية، وبالتالي فإنها مشروع حروب أهلية كامنة،انبرت أحداثها في شتى الأماكن،ناهيك عن خطورتها على نفسها ومحيطها،فإنها من الوجهة الإنسانية،يعد تركها لحالها أكبر جريمة تقترفها المجموعة الدولية المشرفة،كما هي جريمة على قيم تبادل الواجب الحضاري. ولعل الفوضى تطرح في المقابل مطالب ملحة للأمن،وبالتالي عودة الدولة الأمنية وقيم السراديب والأقبية،ويتصرف الحكام كما لو أنهم طبقة سياسية غازية لأوطانهم،وأن الشعب دائما هو متهم بالفوضى والخروج على القانون!! وهذا أمر يظهر بشكل جلي وحق،وقد عبرت عنه معظم الشعوب إن بفوضى القانون أو بفوضى الشعب. وما التبادل الدموي بين السلطة وحركات الشعب الدموية سواء في سوريا أو لبنان أو الجزائر واليمن وأحداث تموز والأنفال وحلبجة،شعبا وحكومة،أنصار سلام، قطار الموت في الموصل وكركوك وشتى أماكن العراق أو جرائم حلبجة،مذبحة معسكر في سوريا من قبل الإخوان المسلمين أو مجزرة حماه،مجازر الجزائر أو تصفيات بن بله وبو مدين أو السفك الردعي لدولة الجنرالات،إنه نفس الحال بمصر والمغرب وإرتريا وكل العالم الباقي في التاريخ، فيما لبنان الذي تمثل بدولة صبرا وشاتيلا ومدافع أمين الجميل على مناطق الضاحية مقابل حروب المخيمات والسبت الأسود ومجازر الدامور فبشاعات اقتلاع عيون القتلى بين حزب الله وحركة أمل.. كلها تؤكد القصور المريع لجماعات لم تحقق ذاتها التاريخية،فتعيش في مكامن ومقدسات إلغاء بعضها دمويا وغابيا،وبالتالي فإن فكرة الاستقلال لن تقوم إلا على دولة الردع والاستبداد المتوحش،التي تجلت بدولة صدام،وفي النهاية،استدرك المجتمع الدولي مشكورا إبادة الحياة على جزء من هذا العالم، فانتقل الملف من داخليته الوطنية إلى خارجية الأمم. وهذا من الناحية العملية عملا مشكورا على مستوى تأهيل هذه الشعوب على اختيار حريتها من دون حرية فرهود أو حكومة مستبدة، إذا لم يعد بين الخيارين أي فضيلة،كما لم يعد أمامنا إلا اعتراف بجميل استشراق العولمة وما بعد الحداثة!! وهذا على الأقل بين مجموعة عرفانية تقرأ بوضوح وصراحة عملية طبيعة المفاضلات في النتائج الصارمة التي لا تتحمل بلاغة!! في الوقائع ماذا احدث خطاب التحرير في تعريب أسلمته وأسلمة عروبته أو تناص أعجميته؟ ففي لبنان لولا الثقافة المسيحية الكابحة لاستبداد شريعة دول الخلفاء،لما حدثت هذه الديمقراطية،التي حاول الخطاب المذكور تقديم مثال الدولة المستبدة بنماذجها:العراقية والسورية والمصرية الناصرية والليبية اللجانوية!! إلى الإيرانية،وكل هذه النماذج من دول مواجهة الاستعمار التحرري هي ابشع دول الاستبداد حيث كانت لها مليشيات في لبنان،الأمر الذي لا يجعلنا أمام أي عذر لديمقراطية لبنان لولا الثقافة المسيحية،التي هزمها بعض الشيء خطاب الاستبداد المزدوج بعروبته وأسلمته،بيساريته ويمينيته المتباطنة. إذن فان سقوط التمثال الصدامي هو سقوط شامل لذلك الخطاب،المدرك تماما انه سيقيم دولة المزاج القائد والنخب اللامعة المتواطئة التي تغطي القتل بالشرعيات الإعلامية مقابل خطر فوضى الحريات وفرهود قيم الحرية!هل ثمة خيار؟ لا نعتقد وقد أعطيت التجربة ردحا طويلا من الزمن،كما جربت محاسنها!!في كانتونات أمنية مغلقة،كانت ابشع دموية من السلطة المركزية،لاسيما وان النخب المحترمة في لبنان كانت تحلم بدولة الشرطة و"المكتب الثاني"- جهاز مخابرات الدولة اللبنانية الذي أثبت أنه أرحم من المليشيات الفالتة وحريات دموية- أمام مليشيات منفلتة،كلها تحمل شعارات الحرية والانعتاق،وكانت جريدة السفير تؤازر كل القوى بعد هزيمة إدارة الذات الحزبية والثورية،أن تنتصر القوى الحكومية على دول المليشيات المفترسة،والتي دعمتها مجموعات من دول التحرير بنماذجها الشعبية،لأن تلك الدول تتصرف مع شعوبها بعقل المليشيات الفالتة بحماية قانونية،فيما وصلت المليشوية التصفوية حتى داخل جدران جريدة السفير ذاتها،وأصبحت(كما اعترف طلال سلمان ذاته) إحدى ثكنات مليشيا دموية همجية،قامت بأبشع حرب. فإذا اعترفنا بحرية الفرهود وجرمية الاستبداد ودول الردع،فأي شرعية ممكنة تحمي الحرية والقانون والحياة غير قوى محتلة نستعيرها كما نستعير الأدوية والسيارات والحجاب الشرعي والعقال والكوفية؟؟!!
&في الجانب الآخر تقوم مجموعات ربما كان لها مصلحة في القتل اليومي للشعب العراقي،وأخرى مستفيدة من النظام،وثالثة بريئة في انتخاب عبوديتها،وأنظمة رسمية تمارس خوفا مزدوجا على أدوارها الإقليمية واستباق العراق لها،وعلى امتيازاتها في أنظمة الاستبداد.. وهذه القوى كل يحسب سلعية قياس بين غياب النظام وبقائه،مصعدا بلاغته السياسية وخطابه الهتافي،كي يدافع عن مصلحة ما. ولكن هناك مجموعات مثقفة ومحسوبة على الإبداع،تتصرف بعقل شعبي غير معرّف،وتوحي بأنها تتلقى الموروث الشعاري كما تلقته الجماهير والنزعات الشعبية،الأمر الذي يجعلنا لا نصدق ثورتها المعرفية والفكرية الأولى،وهي تكشف عن أنها كانت تتصرف بعقل الموضة والتقليعة،ونحن نتساءل كيف أبدعت في تفاسير الحداثة وتصرفت مع الحدث العراقي بأقصى الرجعية والتعفن الثقافي،أثبتت أنها لا تقل عن الأصوليات الباكية على مجد غابر؟ فالشتائم التي تطلقها ضد صدام وحكومته،تدل على ان مقودها المعرفي غير موجود في هذه المنطقة،وقد أسست كلامها بفيزة شعبية تافهة،توحي بنزعة جماهيرية ميلها إلى مكان ما!! وهذا لا يشابه أسلوبياتها الفكرية السابقة المتينة والمستدلة بأفكار.. إذ ما قيمة أن نقبل من أدونيس مثلا مجرد شتائم ضد صدام ونقبلها بآن من أحد من رجل بسيط خطف أخوه أو امرأة أعدم زوجها ؟،فيما يرتكز التحليل والمتانة على هتافية أخرى حول الاحتلال، مما لا يدع أي تمييز بين مرمم قبور آخر من أكاديميي الفكر القومي أو إنسان شعبي وبين أدونيس،في الوقت الذي عملت نظريات أدونيس على تأسيس الدلالات بخطاب معرفي وليس تشاتمي أو تحريري على طريقة المظاهرات الهادرة!! أين المفرد بصيغة الجمع؟أين المسرح والمرايا،أين انوات أدونيس الشهيرة وهي تنظر للخراب الفاضل؟ أما غير أدونيس فإننا نعذره،لأنه أصلا قاعدة تشريع ومطامح فكر استبداد منقح وليس مسودة!!فمحمود درويش وسعدي يوسف،هما من البنى التحتية الثقافية لمشروع حركات التحرر التي أنجزت دولة الفلتان الردعي أمام الفتان الشعبي ومؤسسات القمع البار وهو يصارع القمع الزنديق!! ولكن أدونيس في آخر عمره يستعيد حقيقته مبينا كم كان مكياجيا،ومتصنعا بكل الأفكار الجريئة التي عرفناها عنه،فيما لحظة المصير كشفت عن ضمير أحق مما قاله. المهرجون الإعلاميون هم يدافعون عن رزقهم الأدبي،ويمارسون حماية السائد،ولكن صاحب مقولة: أنا الخراب.. كان حريا به ان يمارس صمتا عظيما كما يصمت انسي الحاج،الذي عرف نفسه منذ الستينات،وعرف كل الذي يدور منذ ذلك الحين،ولم يقع مرة فريسة الثنائيات المفخخة التي يسوقها عقل الاستبداد،حتى أحيانا تساق بذاتها،أي حرية استبداد،لأنها تتحكم بالقيم الأدبية وتصادرها وتخيرها قسرا،بما يجعل شعار الحرية استبدادا إذا كان يطلق ثنائيته، كما لو أنه مالك للحرية ومالك لإثم الاستبداد!! انسي الصامت الآن هو أجمل كلمات قيلت في الحرب،و أنبل حيرة ترسل ذبذبات أوجاع تكتم على الحقيقة، إذ لديها ما يقال كلما ازدادت صمتا.
الأسئلة التليدة التي يجب أن يعرفها من رسم العراق على مقاسه الإقليمي أو الثقافي من الخارج،ينبغي ان يقوم بعملية بصرية لعينيه،ويرى جيدا كيف ان العراقي كانت رئتيه تخونه حيث تتنفس الهواء كمادة مرعبة وقد اعتبرها أمينة!! كيف يكون الخوف أمانا والأمان خطره؟ مئات الألوف مغيبون،ومثلهم نساء مغتصبات ومقتولات في عمليات سادية مريعة،تفريغ منهجي للسكان،حرمان للماء وبرمجة مفزعة للأوبئة والمواد المشعة،حروب متنقلة،ثقافة متصحرة تسبح بالقائد،تهجير لملايين العراقيين،تدمير شامل للبيئة،تجفيف الحياة من ضروع الأمهات،محارق،أدوات فرم الموتى على نهر دجلة،قبور مجهولة هائلة،تحول الحياة لمدفن وموت وقتل،بذخ وهدر للثروة،وفساد مشين،تحقير للإنسانية يصل إلى حسد الحيوانات السائبة.. أبناء شوارع على دفة الحكم،شقاوات مثال المجتمع.. ملايين القتلى،شعب جائع وهالك،ومثخن بالجراح والمتاعب،اعدامات هائلة بتهمة الصمت،مجانين بالجملة،أمراض عجيبة،ودولة عجزت عن إسقاطها حربين كبيرتين.. أي قوة شعبية ستسقطها؟ وأي استقلال سيأتي بعد تاريخ الكبت وقيادة حتى الأحلام خلال النوم؟ الم تكن هذه الصورة واضحة للمثقفين وقادة الكلمة؟ ألم تشكل هذه الصورة نموذجا لخطاب الاستقلال والتحرر القومي،هل نستقل بالسكين أو نستعمر بالشفاء؟
لندخل أكثر.. الآن ودع العراقيون حياةً أمنية صارمة،هل إنهم نفسيا وفكريا وحضاريا مهيئون للاستقلال الذاتي،وطرد المحتل؟ وأي إدارة ستقود خلافاتهم العميقة والطويلة والمؤجلة في وقت عرفت الحساسية المفرطة،والكبرياء والتصادم والفرق والاكتئاب التاريخي،والنزعة التدميرية التي تركتها عصور طويلة في الشخصية العراقية،المصابة برهافة الخاطر وسرعة الغضب؟ أي فراغ امني سيحدث ان لم يكن البديل دولة قمع؟وبين دولة القمع والحرب الداخلية والاحتلال لا خيار أمامنا إلا الديمقراطية،وهذه طبعا ليست من قاموس البلاغة السياسية،إنما من المفاعلات العملية لذلك،وهي مفاعلات تؤكد ان تاريخ الديمقراطية صفر في حياتنا،فيما تاريخ الاستبداد يفوق الأرقام القياسية!! ما العمل؟هل المطلوب إرضاء العرب بفارس مستبد أم إرضاء العراقيين بحياة كريمة تنعم بمواردها الوطنية ولا تذهب لتغذية الدعاية السياسية والتضامن القومي،وإنعاش الخارج وإفقار الداخل،ناهيك عن أننا شعب من مجموعة قوميات؟ كل الأحزاب التي دخلت إلى العراق،والتي ستنشأ،أو الأحزاب المؤجلة،وقد يصل العدد إلى بضع مئات،ما هي القواسم المعرفية المشتركة ما بينها،وليس القواسم الهتافية والسياسية البلاغية المجوفة؟ هل تعرف نفسها قياسا للوطن المعرف وليس الوطن المجتزأ؟ ما هي مداخلها للحضارة الإنسانية،كيف تفهم الديمقراطية،وما هي الحدود القانونية في عالم كره النظام والقانون ولم يعرف غير قانون القمع والردع المتوحش،إلى حد اصبح أي حد أو قانون يستذكر النظام السابق ويستعيد أنظمة الخوف،كما حدثت فوضى الحوار مؤخرا مع تجمع الضباط مع شخص يعرض أفكار مستقبل الجيش؟ أليس هذه الأحزاب قد تعودت الإلغاء الفلسفي والكوني لغيرها وانطلقت من ملكية الحقيقة وليس الوطن وحسب؟ الإسلاميون اكثر الأحزاب معاداة لبعضهم،وهم يحملون ميلا إقليميا ما وبرانيات متعددة،وآخرون وطنيون يخلطون بين مرجعية التدين ومرجعية السياسة،وهؤلاء مختصمون بشكل عبر عن نفسه في التشنيع المريع بجثة السيد الخوئي؟ الشيوعيون تجمعهم ثارات هائلة،وانشقاقات حميدة وغير حميدة!! القوميون حدث ولا حرج،الباطنيات المذهبية،وخوف الأقليات المهمشة،إلى أحزاب الاستقواء كبعثيين جدد،وبعثيين قدامى يجيدون فن الولاء للجدد وسيحققون مكاسب تعيد مجد استبدادهم.. هذا جزء يسير من الخارطة،التي ان تركت على حالها فهناك فراغ دموي سيحدث ليقضي على الباقي من العراق،مما يفرض الحاجة الملحة لملئ الشاغر الأمني بإشراف أميركي صارم،لان المعطيات العراقية غير مؤهلة،لا لحماية الأمن الجماعي ولا إلى بناء الاستقلال الكريم الذي يضع أولوية الإنسان على أي ما عداه وأولوية الحرية على الاستبداد،فكل له مكان للتهريب الإنساني من هذا الاستحقاق،الكل في الجاهلية الوثنية من نصوص إلى قادة( صدامات جديدة)،إلى قيم إلى أفكار وأيدلوجيات وارتجاعات بافلوفية للتاريخ والهوية.
هكذا تبدو مرارة الحقيقة تخنقنا،اذ أكدنا نحن مستوردي السيارات والأدوية والتكنولوجيا أن علينا استيراد تكنولوجيا الكرامة الإنسانية المهدورة،نحتاج إلى استيراد الأمن والحرية،نحتاج إلى من ينقذنا من سلطة المرافقين، نحتاج إلى من يعلم السجان كيف يحترم السجين لا أن يذله ويخلق منه إدارة جريمة متجولة،نحتاج إلى من يعلم قادتنا عقيدة احترام البشر،كيف يبتسمون ولا يخيفون الناس بوجوههم العابسة والكريهة،نحتاج لقانون نحبه،وحرية تحب القانون،لا حرية الفرهود واستبداد القانون. نحتاج لشعب يسبق الشرطة على حفظ النظام لا شرطة تجعل المواطن يكره النظام،وهذا غير موجود حتى في أرقى دول المشروع الاستقلالي العربي،حيث القانون ملاذ الجريمة والأمن ملاذ الخوف والنظام ملاذ الفوضى. إذن ما العمل،هل نستورد من المريخ وان اكبر دول العالم تقدما تبحث في المريخ عن بقايا حياة ولم تجد؟ وأي ميزانية نمتلكها لنحمي أنفسنا بشرطة ونظام حر من المريخ،هذا إن كان سكانه موجودين وكذلك متطورين اكثر من سكان الأرض!! نعلن هنا هزيمة ذاتنا في إدارة نفسها بطرق كريمة،ونعترف أننا إما شعب وأحزاب فوضوية أو أنظمة مفترسة،وهذا يضطرنا إلى دفع كلفة السيادة علينا لئلا تتمنن علينا الأمم بخدماتها،وبالتالي تأهيلنا وتعقيمنا من شتى الأفكار والمقبلات الإرهابية والانقلابية،وقيم الغدر والانتقام والاحتراب والتصادم،لعلها تجربتنا الأخيرة ونحن ننام في غرفة إنعاش للتمدن من قرية عقودنا الاجتماعية التي أنجزت كل هذا الترويع.
أما الذين يحاولون خداع العراقيين بفكرة التحرير ودفعهم لانتحار جديد كما لعبوا على دفع لبنان وفلسطين نحو ثقافة الموت،ممن عرف شهرته و ولعه بأن تخاض عنه حروب بالنيابة، ومواجهات بالنيابة،هؤلاء النيابيون، الذين يلعبون على السيكولوجيا العراقية التضحوية،لابد أن يعرفوا ان اللعب والبوكر أصبح مكشوفا،لاسيما و أنهم كانوا ولا زالوا أكبر المتعاونين أمنيا مع أميركا،إلى حد منعوا مواطنيهم أنفسهم من دخول بلدانهم بعد إغلاق الحدود والامتثال للأوامر الأميركية عمليا،وتصريف الخطاب البلاغي صوتيا،حول معاداة أميركا أو التحرير،كما عرفنا منهم،ولاسيما القوى الفلسطينية والإقليمية،كيف تتسابق لتزويد الأجهزة الأمنية بالمعلومات،ومنها أحزاب عراقية،كما تتدرب البعض من هذه الأجهزة في أخطر المقرات الأمنية الأميركية،فيما هم أنفسهم من يرفع شعارات طرد الاحتلال!! ولا ندري هل لأنه يريد تحسين شروط قبوله في النادي الأميركي أم أن أميركا استغنت عن خدماته،لأنها تقرأ المناهج ولا تقرأ الولاءات المؤقتة،أم تراه رفضت عمالته فأصبح وطنيا بقدرة قادر،أم ماذا؟ اعتقد من حسن الطالع أن تدير أرقى دول العالم أرقى حضارات التاريخ،فآخر حضارة تستعيد أول الحضارة!!أليس هذا العراق الذي كان المعلم الأول هو ملك البشرية المدانة له بحضارتها؟ إذن كيف تحكمه مجموعات لا تنتسب لألقه حتى قبل عشرة آلاف عام؟ إذن الحضارة ملزمة بحماية معلمها الأول من أن يقوده الجهل والخراب والظلام.
لا أدري كيف سيفسرقادة التحرير الجدد افتتاح مكاتب لأحزابهم الآن في بغداد والمدن،فيما كانوا يقدمون وشايات كبيرة للنظام من أجل خرابة مقر،أو صحيفة يتيمة؟ كيف أن مجرد التعرف على محازب شيوعي أو حزب دعوة أو أي حزب هو جريمة تقود للموت،فيما كل المقرات فتحت الآن؟ من حقق ذلك،وكيف يمكن ضمان استمراره؟ وهل ما بعد التحرير هناك منتصر سيسمح لخصومه،ليس بفتح مكتب فحسب،بل وربما إعدامه بسبب الصلاة أو إعدامه إن كان المنتصر دينيا من أجل قنينة بيرة،أو إعدامه ومرقبته من دون لحية أو لم يذهب للصلاة، وكل حزب له ثيمته المؤثمة،فالكل أذكياء بثقافة الأمن السري والتقاط الفريسة.