د. شاكر النابلسي
&
&
هل جاءت ظاهرة ابن لادن من العدم، ومن الفراغ، وما هي العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت على تكوين ظاهرة التطرف الإرهابي في السعودية؟
نعم، إن ابن لادن نبت شيطاني، ولكنه ليس غريباً عنا، لقد خرج من أصلابنا الاجتماعية والاقتصادية، كما خرج غيره من آلاف المتطرفين الارهابيين.
إن التطور الاجتماعي في أي بلد في العالم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطور الاقتصادي. وأن الأخلاق في المجتمع ليست شيئاً يتكوّن من العدم، ولكنها نتيجة للتطور الاقتصادي في هذا البلد أيضاً. ونحن قرأنا كيف أن مجتمع قريش قبل الإسلام قد انتقل من مرحلة القبلية المشاعية وأخلاقها البدوية الصحراوية إلى المُلكية الفردية ومجتمع المدينة الحضاري وأخلاقه بفضل التجارة الواسعة التي طوّرتها قريش تطويراً كبيراً. وأن الحال الاجتماعي العربي قبل الإسلام قد تأثر كثيراً بمعاهدات الإيلاف التجاري.
فقبل عصر النفط كانت في السعودية - كباقي دول الخليج - مجموعة من السكان تنقسم إلى قطاعات رئيسية خمسة: القطاع الرعوي، وكان يُشكِّل نسبة كبيرة من مساحة السعودية. والقطاع الزراعي، وكان يُشكِّل هو الآخر نسبة صغيرة لعدم وجود سهول خصبة ولقلة الأمطار وعدم وجود إمكانات مالية وتقنية لاستخراج المياه من باطن الأرض. وقطاع صيد الأسماك واللؤلؤ، وكان صغيراً أيضاً ومحصوراً في المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية. والقطاع الحرفي، وقد كان متركزاً في المناطق الحضرية ومحصوراً في عدد معين من السكان معظمهم من شعوب شرق آسيا. وقطاع التجارة الذي كان يعتمد اعتماداً كلياً على المواسم الدينية كالحج والعُمرة والزيارة. ويكاد يكون هذا القطاع من أكبر القطاعات. وكان معظم العاملين فيه من شرق وجنوب آسيا أيضاً، ومن أصول إيرانية وتركية وباكستانية وأفغانية وهندية وصينية وإندونيسية وماليزية، وقد جاءوا إلى الحجاز لزيارة الأماكن المقدسة بقصد الحج أو العُمرة، واستقروا في مكة وجدة والمدينة. وأصبحت عائلات من هؤلاء الآسيويين من أكبر البيوتات التجارية في المملكة كبيت الزاهد، والخاشقجي، والأصفهاني، وبخش، والمُلا، والباروم، وغيرهم. كما كان قسم من العاملين في التجارة قد جاء من اليمن ومن حضرموت على وجه الخصوص، وأصبحوا فيما بعد من أهم البيوتات التجارية والمالية كآل ابن محفوظ، وابن لادن، وباسمح، وبامجلي، وبامعوضة، وبقشان، والعيسائي، وباسهل، والعطَّاس وغيرهم.
وفي السبعينات، وهي بداية عصر النفط الحقيقي الذي قفزت فيه إيرادات الدولة بنسبة ألف بالمائة نسبة إلى ما كانت عليه في نهاية الستينات، حصل تغير نوعي في بُنية المجتمع السعودي نتيجة للظروف الاقتصادية والمالية الجديدة. فاختفى القطاع الرعوي وتحوّل إلى قطاع عسكري من خلال الجيش والحرس الوطني الذي استوعب أعداداً هائلة من البدو والرعاة، ومهد لظهور الطبقة المتوسطة بالمشاركة مع موظفي الدولة وصغار التجار. كما أن القطاع الزراعي اختفى في السبعينات، وعاد للظهور في الثمانينات من جديد مع ما سُمّي بـ"ثورة القمح" التي وضعت السعودية في مصاف الدول المنتجة للقمح في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
كذلك حصلت طفرة مالية في المجتمع السعودي في السبعينات وما بعد ذلك. ولكن السبعينات كانت ذات أثر بارز. فقد قفز دخل المملكة في نهاية السبعينات إلى أكثر من مائة مليار دولار بعد أن كان في نهاية الستينات لا يتجاوز ملياراً واحداً فقط ومائتي مليون دولار. ففي خلال عشر سنوات قفز دخل المملكة بنسبة ألف بالمائة، دون أي جهد يبُذل، وكأنها ثروة هبطت من السماء. وهي معدلات خيالية في كل الموازين والمقاييس، لا يحلم أي شعب على وجه الأرض وعلى مدار التاريخ الإنساني أن يحققها مهما مَلكَ من قوة عسكرية أو علمية أو صناعية أو اقتصادية أو زراعية.
فماذا تفعل السعودية بهذه الثروات التي هبطت عليها فجأة من السماء، أو تدفقت بغتة من باطن الأرض، دون أي جهد يبُذل من الشعب السعودي الذي فوجئ بعد العام 1973 بهذه الثروات الضخمة؟
وماذا يفعل الشعب السعودي بهذه الثروات وأقنية الاستثمار في السعودية محدودة إلى أبعد الحدود؟
وماذا كانت ردود فعل الشعب السعودي تجاه هذه الثروة المفاجئة؟
&
مظاهر الانقلاب الاجتماعي السعودي نتيجة للثروة المفاجئة
&
لقد انقلب المجتمع السعودي رأساً على عقب نتيجة لهذه الثروة المفاجئة، وكانت مظاهر هذا الانقلاب تتجلى فيما يلي:
- استقال عدد من موظفي الدولة وأساتذة الجامعات وبعض التقنيين وأصبحوا تجار عقار وفتحوا مكاتب لبيع وشراء العقار، حيث كان بيع وشراء العقار من أسهل أنواع التجارة وأسرعها ربحاً، وهو الاستثمار الذي يستطيع أن يستوعب أكبر كمية من المال. فالأراضي في السعودية واسعة. وهكذا تمَّ شراء الأراضي الواسعة الصحراوية من البدو، وتنظيمها، وتقسيمها إلى قطع صغيرة، وبيعها أو المضاربة فيها.
- وبما أن سوق الأوراق المالية لم يكن موجوداً في ذلك الوقت إلا بحدود ضيقة جداً، لذا فإن هذه السوق لم تستطع استيعاب هذا الثروات المتدفقة. وبدأت هذه الثروات تتجه إلى المضاربات العقارية. فكان السعر يتضاعف في اليوم الواحد لقطعة الأرض الواحدة. مما أضرَّ ببعض المالكين القدامى للأراضي وأُصيب بعضهم بالسكتة القلبية ونفق من هول الأرقام التي جاءتهم أسعاراً لعقاراتهم التي لم يكونوا يحلمون بمثلها إطلاقاً. وبهذا تحوّل الاقتصاد السعودي في جزء كبير منه إلى "اقتصاد الكازينو" المقامر، كما وصفه كينـز Kenynes&& في كتابه "النظرية العامة في التوظيف".
- ومقابل هذا الدفق المالي بدأت أسواق المملكة تستقبل أحدث طُرز السيارات الفخمة وأحدث أنواع المفروشات الفخمة وأغلى السجاد العجمي. وبدأت السوبرماركات تنتشر في كافة أنحاء المملكة على الطريقة الأمريكية. وكنت تجد في هذه الأسواق التجارية أفخم الأطعمة والأشربة واللحوم والخضراوات والفواكه التي أصبحت متوفرة في هذه الأسواق على مدار العام. كما بُدئ ببناء أحدث الفنادق وأحدث مراكز التسويق على الطراز الأمريكي. وجاءت شركات أجنبية من أوروبا وأمريكا لكي تبني أفخم القصور والبيوت الفخمة وتفرشها بأجود أنواع الأثاث. وغرق المجتمع السعودي في موجة هائلة من السُعار الاستهلاكي المجنون.
- وقاد هذا إلى الاستهلاك الجنوني إلى زيادة حجم الواردات باعتبار أن السعودية لم تكن تنتج غير البترول الذي كان يُشكِّل 9و99 بالمائة من الصادرات السعودية في العام 1977. وزيادة حجم الواردات هذا قاد إلى زيادة التبعية للغرب بحيث لم يكن في العالم العربي أو في العالم الإسلامي ما يسدُّ احتياجات السعودية من المواد الاستهلاكية. وكانت معظم المواد الاستهلاكية تستورد من الغرب واليابان على وجه الخصوص إضافة إلى السلاح ومعدات البُنية التحتية. "فالسوق السعودية كانت سوقاً خيالية، إذ أن حاجات البلاد هي بمثل ضخامة مواردها. من هنا كان التنافس الحاد للدول المُصنِّعة من أجل الحصول على نصيب واسع قدر الإمكان في هذه السوق" كما قال غسان سلامة في كتابه (السياسة الخارجية السعودية، ص 437). وقد ظهرت التبعية& الواضحة لأمريكا خلال هذه الفترة من خلال أرقام الصادرات الأمريكية للسوق السعودية التي بلغت في العام 1977 ما مقداره 3575 مليون دولار وهو أعلى رقم حققته أية دولة أخرى بالنسبة للتصدير للسعودية في سنة واحدة. وقال ولي العهد السعودي وقتها الأمير فهد في جريدة اللوموند في 2/11/1974 "إن أمريكا هي الدولة الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية. والحال أنه من مصلحة البلدان النامية إيجاد العنصر الأكثر قدرة وتقدماً. إن الدول الشيوعية نفسها تسعى إلى عقد اتفاقيات مع أمريكا". أما التبعية الواضحة للغرب عامة فقد ظهرت من خلال أرقام الصادرات الغربية (ماعدا أمريكا واليابان) للسعودية والتي قفزت من 228 مليون دولار في العام 1970 إلى& 5454 مليون دولار في العام 1977.
- ونتيجة لهذا كله فقد فُتحت أبواب العمل للعرب والمسلمين والآسيويين والغربيين على مصراعيها. ودخل المجتمع السعودي ملايين العمال الآسيويين وعشرات الآلاف من الخبراء الغربيين، وبدأت ملامح المجتمع السعودي تتغير. فبعد تلك العلاقات والروابط العائلية المتينة التي كانت سائدة في المجتمع السعودي في الستينات، تفككت عُرى الأسرة السعودية تحت ضربات الريالات السعودية المتدفقة. وأصبح ربُّ الأسرة غارقاً نهاراً في استثماراته وجمع المال، وفي الليل مع الصحاب على عشاء وكأس وشلّة ورق اللعب أو (بشكة البلوت) بلغة أهل الحجاز. أما الأم فقد سلّمت أولادها للخادمات الفلبينيات، وراحت تقيم الحفلات وتحيي المناسبات وتستعرض في هذه المناسبات أرقى وأفخم الأزياء وتتزين بأغلى وأرقى الحُلي والعطور. وحلَّ الثراء والجاه المالي محل الجاه العلمي أو الجاه القبلي. فظهر رجال أعمال جُدد في السوق السعودية واغتنوا فجأة، وأصبحوا هم سادة المجتمع أيضاً - كما قال الكاتب السعودي عبد الله الخشرمي في كتابه (عصاميون.. قصص وتجارب رجال الأعمال)- وليس رجال المؤسسة الدينية فقط، وليس أفراد العائلة المالكة فقط، وليس أصحاب البيوتات التجارية والاجتماعية العريقة القديمة فقط كذلك.
- ونتيجة لكل هذا بدأت الشركات الأجنبية تتنافس على الدخول إلى أسواق المملكة لكي تُنفِّذ المشاريع العمرانية والإنشائية التي كانت المملكة تحلم منذ وقت بعيد في تنفيذها، ولكنها لم تستطع لقلة المال وضيق ذات اليد. ومن هنا بدأ ما يُسمّى بالفساد الإداري والمالي. فكبار رجال الدولة والحكم من داخل الحكم ومن خارجه بدأوا ينشئون شركات ومكاتب تجارية، ساعةً بأسمائهم الصريحة (لمن كان خارج الدولة) وساعةً باسم زوجاتهم أو أولادهم أو أقربائهم (لمن كان داخل سلك الدولة) لتلقي كفالة هؤلاء المستثمرين والعمل معهم تحت مظلة سعودية وطنية قانونية مقابل نسبة معينة من الدخل أو من الأرباح، حيث لا يجوز للمستثمر الأجنبي في ذلك الوقت أن يمارس عملاً وحده دون شريك سعودي أو كفيل سعودي. وكان هؤلاء الشركاء السعوديون من داخل الدولة ومن خارجها هم من يملكون مفاتيح القرار الإنشائي في كافة المجالات المعمارية والصحية والتعليمية والاجتماعية والدينية والاتصالات وصناعة البترول وخلاف ذلك. ويقوم الكفيل بتقديم الغطاء القانوني اللازم لمن يودُّ من غير أهل البلد بالعمل التجاري وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين "ريع الكفالة" كما قال محمود عبد الفضيل في كتابه (التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي، ص 169). وبدأ الاقتصاد السعودي في جانب كبير منه يتحوّل إلى ما أطلق عليه بعض الباحثين "اقتصاد السماسرة" الذين يتوسطون بين الدولة للحصول على عقود المقاولات وتراخيص الاستيراد والبناء من ناحية وبين الشركات ودوائر الأعمال الأجنبية التي تقدم لهم المظلة الواقية في مجال الخبرة الفنية والتنفيذية والتسويق من ناحية أخرى. وبدأت رائحة الرشاوى والعمولات الضخمة تظهر وتفوح وتنتشر خارج المملكة ويتلقفها الإعلام المعادي. وعندما وصل الحال إلى درجة تهدد بالخطر بُدء في مطلع الثمانينات بالكشف عن جانب صغير من هذا الفساد السائر. فكشف وزير الصحة في ذلك الوقت غازي القصيبي عن أنه تلقى عرضاً لمبلغ كبير من العمولات ورفضه وألغى عقود الشركات التي عرضت عليه هذه العمولات. كما بدأ يرصد الجوائز للموظفين الذين يرفضون تقاضي العمولات. وكان من بينهم حادثة محمد القويحص المهندس بوزارة الصحة الذي عُرض عليه مبلغ 620 ألف ريال كرشوة ورفضها. وكانت تلك هي الحادثة الوحيدة التي تمَّ الكشف عنها بالاضافة إلى الحادثة التي تمت مع وزير الصحة آنذاك غازي القصيبي. ولكن قبل هذا التاريخ في السبعينات كان رؤساء البلديات وخاصة المدن الكبيرة يغرقون في بحر لا حدود له من الرشاوى والعمولات وكذلك المسؤولون في وزارة المواصلات عن تنفيذ مشاريع الطرق. وكان معظم المرتشين الكبار من سكان المدن الكبيرة وليسوا من سكان القرى أو الريف السعودي أو الهِجَر. وكان هؤلاء الريفيون ينظرون إلى هؤلاء المرتشين من أهل المدن نظرة احتقار وازدراء ويتلاومون على الدولة التي تقطع يد سارق الريال الواحد، ولا تقطع يد سارق المليون ريال. وكانت الرشاوى التي تمِّ الكشف عنها فيما بعد هي رشاوى صغار الموظفين وبمبالغ ضئيلة في حين أن الهبر الكبير الذي كانت تأكله علية القوم ما كان لأحد أن يجرؤ بالكشف عنه. وهذا الفساد الإداري والمالي جاء في وقت لم تكن فيه المملكة مستعدة لمقاومته بالأنظمة والقوانين والأحكام الرادعة. حيث لم يكن في مخيلة أحد أن تصل الطفرة وأمراضها المختلفة إلى ما وصلت إليه، والتي قلبت المُثل الاجتماعية والأخلاقية رأساً على عقب، ونقلت جانباً كبيراً من المجتمع السعودي من مجتمع بدائي بسيط فطري قانع متقشف إلى مجتمع حضري نهم مُعقَّد مُتصنِّع مبذِّر مُترف مِصراف. وأصبحت أخلاقيات الفساد والرشوة وسوء الذمة المالية من السلوكيات الجديدة في المجتمع المديني السعودي في نهاية السبعينات. "فالغنى سلاح ذو حدين كما قال مرسيل مرل. وتحدثنا عن الخطر الذي يحيق ببلد مفرط الثراء، ضئيل السكان، ضعيف الدفاع. وقد لخص ديفيد هيرست هذا الوضع في صحيفة الغارديان الأسبوعية في 21/1/79 بقوله: إن ما تخاف منه أسرة آل سعود فعلاً هو تضافر الغنى المفرط مع ضعف بنيوي سببه الهزال السكاني والتخلف الاجتماعي. وقال جيمس بدور في مجلة ميدل إيست انترناشونال في يناير 1979: قد لا يكون تاريخ البشر قد سجل مثلاً آخر غير السعودية على سلطة بهذا الحجم استولت عليها نخبة بهذا القدر من التخلف"، كما قال غسان سلامة في كتابه المذكور (ص92، 431).
- وهذا الانقلاب الكبير الذي حدث في المجتمع السعودي، لم يحدث بالشكل المروّع إلا في المدن الرئيسية الكبيرة كالرياض وجدة والخُبر وعلى درجة أقل في مكة والمدينة والدمام. وعلى درجة أقل أكثر في مدن كبريدة وأبها وحائل والدمام وتبوك وغيرها. في حين ظل الريف وظلت القرى والهِجَر السعودية على حالها، لم تتغير فيها البُنية الاجتماعية لأن نار الثروة المالية والثورة الاستهلاكية لم تصل إليها بالقدر الذي وصلت إلى هذه المدن وبدرجات متفاوتة. ونُسيت القرية، وكبرت المدينة على حساب القرية. وأكلت المدينة طبق القرية. وانتفخ بطن المدينة على حساب قوت القرية. وصحّت المدينة على حساب مرض القرية. وتعلّمت المدينة على حساب جهل القرية. وتكلّمت المدينة على حساب خرس القرية. وهكذا أصبحت القرية فداءً للمدينة. وبدا المجتمع السعودي منقسماً إلى قسمين: أهل المدن المتبغددين بالثروة والطفرة، وأهل الريف وخاصة مناطق الجنوب المحرومين من الثروة والطفرة والتي كان جزء من سكانها ما زالوا يعيشون في الكهوف في رؤوس الجبال العسيرية دون أية نوع من خدمات الماء أو الكهرباء أو الاتصال أو التعليم. كذلك كان سوء حال الناس في مدن كنجران وجيزان، وفي القرى المنتشرة بين المدينة وتبوك، وفي القرى المنتشرة في شمال المملكة، وفي شرقها وخاصة في مناطق الشيعة. وبدا المجتمع السعودي مقسوماً إلى طبقات ست مميزة تمييزاً واضحاً: أولها طبقة الأمراء الملكيين من العائلة المالكة ومن صُلب عبد العزيز آل سعود& واخوته. وثانيها طبقة الأمراء غير الملكيين كأنسباء آل سعود من السديريين وآل جلوي وغير الأمراء من آل الشيخ وآل إبراهيم وغيرهم. وهؤلاء لهم امتيازات مالية واجتماعية كبيرة ومتعددة. وثالثها طبقة رجال المؤسسة الدينية الذين لهم حضور اجتماعي مميز، كما لهم امتيازات مالية كثيرة. وهؤلاء من دعائم الحكم الرئيسية في المملكة، ومنهم كبار علماء الدين و"هيئة الإفتاء والدعوة والإرشاد" الذين يسبغون الشرعية الدينية بالفتاوى على كل قرار حكومي في أي مجال من المجالات، عندما يُطلب منهم ذلك. ورابعها طبقة كبار رجال الأعمال من قُدامى وجدد. وخامسها طبقة موظفي الدولة وموظفي القطاع الخاص وأساتذة المعاهـد والجامعات والمدرسين وصغار التجار، وهم لُحمة الطبقة الوسطى. وسادسها طبقة أهل الريف والهِجَر.
&وما يهمنا من هذا التقسيم الاجتهادي هو البون الاجتماعي والمالي الشاسع بين أهل المدن الرئيسية وطريقة حياتهم وبين أهل الريف والقرى والهِجَر وحياتهم. فلقد كان هؤلاء ينظرون إلى أولئك نظرة حسد وغضب وحسرة، وهم يرون الدولة تصبُّ معظم ميزانياتها في هذه المدن. ويرون في هذه المدن الشوارع العريضة والجميلة والحدائق العامة والنُصب التذكارية والعمارات العالية والفنادق الفخمة والمساكن المريحة والخدمات المتوفرة التي لا يملكون منها شيئاً في مناطقهم. وكانوا يعتقدون بأن رجال الأعمال وأنسباء العائلة المالكة هم الذين أكلوا سوية الكعكة الكبيرة والهبرة السمينة، ولم يُبقوا لأهل الريف والقرى والهِجَر غير الفُتات والعظم.
&
الفوارق الاجتماعية بين أهل الريف وأهل المدن
&
&ونتيجة لذلك رأينا الظواهر التالية التي أفرزتها هذه الفوارق بين هاتين الطبقتين الرئيسيتين من أهل المدن ومن أهل الريف والقرى والهِجَر:
- إن معظم المثقفين من ذوي الاتجاهات المعارضة جاءوا من هذه القرى والهِجَر التي أفرزتهم هذه الفترة. ومن كان منهم من أهل المدن فقد كانت له جذور ممتدة في هذه القرى. وأصبح هؤلاء فيما بعد هم طليعة الكتّاب والشعراء والصحافيين. واكتفى المثقفون من سكان المدن الرئيسية ومن الأمراء بكتابة الشعر الغنائي ورعاية فن الغناء على وجه الخصوص وهو من آثار تلك الحقبة أيضاً حيث ظهر فيها معظم المطربين السعوديين الذين أثروا ثراء كبيراً من فن الغناء.
- أن الناقمين الرئيسيين على امتيازات أهل المدن كانوا من شباب هذه القرى والهِجَر. وأن الذين عبروا عن مأساة الطفرة المالية وكوارثها وآثارها السلبية على المجتمع السعودي كانوا شعراء وكتّاب من هؤلاء أيضاً. وقد ظهر من هؤلاء الشعراء المرموقين في الشعر السعودي المعاصر: محمد العلي وعلى الدميني& ومحمد الدميني ومحمد الثبيتي وعبد الله الصيخان وسعد الحميدين وعلي عسيري وأحمد عائل فقيه وغيرهم. وهؤلاء بثوا في أشعارهم كل الأوجاع التي كان المجتمع السعودي يعاني منها. وقال أحدهم في العام 1975(في عزِّ الطفرة) مُعبِّراً عن حياة الوهم التي يعيشها المجتمع السعودي والتي تكشّفت بعد أن زال غبار الطفرة وانقشعت السماء وبانت الرؤيا في العام 1982 وما بعدها أثناء الحرب العراقية الإيرانية.
-&&&&& أن الأصوليين الدينيين المتشددين الذين هم من رجال الدين ولكنهم خارج "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية، عارضوا السلطـة وعارضوا مظاهر الطفرة الحمقاء وطُردوا من وظائفهم ودخلوا السجون أو هربوا من البلاد ومنهم من لجأ إلى الغرب كجبهة للمعارضة، كانوا من أهل الريف والقرى والهِجَر. ولعل أبرزهم كان سفر الحوالي وناصر المعمّر وسلمان العودة وعوض القرني ومحمد المسعري وسعد الفقيه وغيرهم. وهؤلاء وإن كانوا من المؤسسة الدينية السعودية إلا أنهم من يسار هذه المؤسسة، وليسوا من يمينها إن صحَّ القول. بمعنى أنهم ليسوا أعضاء في "هيئة الإفتاء والدعوة والإرشاد" الرسمية الحكومية، وليسوا من علماء الدين الملكيين الذين يُوهبون في كل مناسبة العطايا والهدايا والمطايا، ويجلسون في صدر مجالس السلطة وعلى يمينها. كما أنهم ليسوا من العلماء المؤهلين للفتاوى الشرعية الملكية، ولا يكلّفون بها. وإنما هم دعاة إصلاح ومحاربة للفساد على منابر المساجد حيناً ومن خلال أشرطة التسجيل حيناً آخر. ومنهم من كان يعمل في الجامعات الإسلامية السعودية ويبث أفكاره من خلال ذلك المنبر.
&
الخطاب الديني لليمين المتطرف في المؤسسة الدينية السعودية
&
&كانت مجمل أفكار الخطاب الديني لليمين المتطرف المؤسسة الدينية السعودية التي لم تكن تخرج كثيراً عن الإطار العام لفكر الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأصولية الأخرى التي ظهرت في مصر خاصة في السبعينات، تتلخص فيما يلي:
-& قول النصيحة أو الاعتراض على أعمال الحكومة وتصرفاتها جهراً وعلناً وعلى رؤوس الأشهاد. وهم بذلك على خـلاف كبير مع أعضاء "هيئة كبار العلماء الدينية الملكية" الذين يحبِّذون أن يكون النقد سراً وبالكتمان؛ من فم رجل الدين الناصح إلى أُذن المسؤول أو الحاكم.
-&&&& اعتبار هؤلاء أن الشورى مُلزِمة للحاكم وليست مُعلِّمة له فقط. في حين تعتبر "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية أن الشورى مُعلِّمة للحاكم وليست مُلزِمة، إن شاء أخذ بها وإن شاء تركها جانباً.
-&&&&&&&&&& لجوء هؤلاء إلى العنف في الحوار بل إلى نقل الحوار من اللغة إلى الفعل، ولذا فهم يضيقون بالحوار ولا يرون أنه يحقق لهم مطالبهم، وأن مطالبهم تتحقق بالعنف. في حين يرى أعضاء "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية بأن الحوار الهادئ غير المتوتر هو الذي يمكن أن يقود إلى الإصلاح.
-&&&&&&& التركيز على الإسلام السياسي أكثر من التركيز الإسلام الاجتماعي وعلى إقامة الحدود فقط. وقد كان اعتراض هؤلاء على "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية أنهم يعيدون ويكررون كل يوم شرائع الإسلام الاجتماعي ويهملون الجانب السياسي والقضايا الكبيرة المتعلقـة بمصالح الأمة. وهم يتهمون "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية بإغراق أنفسهم& في أحكام الذبح والصيد والنُسك والحيض والنفاس والوضوء والغُسل والمسح على الخفين، وبابتعادهم عن قضايا الأمة المصيرية والكبيرة خوفاً من إغضاب السلطة.
-&&& القول بأن الفتاوى الدينية لا تتغير بتغير هوى الحكام. بل هي ثابتة وصالحة لكل زمان ومكان وعابرة للتاريخ كما يقول المفكر التونسي العفيف الأخضر. في حين أن "هيئة كبار العلماء" الدينية الملكية تقول أن لا فتوى ثابتة، وأن الفتاوى تتغير بتغير الزمان والمكان والظروف المحيطة بها. وأن ابن القيّم في كتابه "أعلام الموقعين عن رب العالمين" خصص فصلاً كاملاً لهذا.
&
***
&
وبعد، فهذه هي التربة الاقتصادية/الاجتماعية التي أنبتت زرعاً شيطانياً كأسامة بن لادن، وأنبتت زروعاً شيطانية أخرى كثيرة غير ابن لادن، بدأت الآن في الظهور، وطرح ثمارها الارهابية السامة، ولكن هذه التربة الاقتصادية/الاجتماعية لم تكن بالقطع السبب الوحيد الذي أنبت شجراً وأثمر ثمراً كابن لادن وجماعته. فهناك أسباب أخرى سبق أن ذكرناها في مقالات سابقة، وهناك أسباب إضافية سنتطرق اليها في مقالات لاحقة.
&
