علي عيسى
&
&
&
(وتزوج إسماعيل بالجداء بنت سعد العملاقي، و قد كان إبراهيم استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، فوافى مكة و إسماعيل في الصيد و الرعي و معه أمه هاجر، فسلم على الجداء بنت سعد العملاقي زوجة إسماعيل فلم ترد عليه السلام.
فقال: هل من منزل؟
فقالت: لا ها الله "ها : للتنبيه تدخل على اسم الله تعالى في القسم "
قال: فما يفعل رب البيت
قالت: هو غائب
فقال لها: إذا ورد فاخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك و عن أمك: استبدل
بعتبة بيتك غيرها.
و انصرف إبراهيم من فوره نحو الشام، و راح إسماعيل و هاجر فنظرا إلى الوادي قد أشرق و أنار و الأغنام تتنسم الآثار فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر؟
قالت: نعم، شيخ ورد علي، و أخبرته بالقصة
فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، و قد أمرني بتخليتك، فالحقي بأهلك فلا خير فيك.
&و تزوج إسماعيل زوجته الثانية و هي سامة بنت مهلهل الجرهمية و استأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه انه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه. فلما أتى إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية فسلمت عليه و رحبت به و تلقته بأحسن لقاء، و سألها عن إسماعيل و هاجر فأخبرته بخبرهما، و أنهما في رعيهما، و عرضت عليه النزول فأبى، و ألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول فأبى، فقدمت إليه لبنا و شرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة ثم رجلت"1" شعره و دهنته، ثم قال لها : إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلام و يقول لك احتفظ بعتبة بيتك، فنعمت العتبة هي) "2"
فقال: هل من منزل؟
فقالت: لا ها الله "ها : للتنبيه تدخل على اسم الله تعالى في القسم "
قال: فما يفعل رب البيت
قالت: هو غائب
فقال لها: إذا ورد فاخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك و عن أمك: استبدل
بعتبة بيتك غيرها.
و انصرف إبراهيم من فوره نحو الشام، و راح إسماعيل و هاجر فنظرا إلى الوادي قد أشرق و أنار و الأغنام تتنسم الآثار فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر؟
قالت: نعم، شيخ ورد علي، و أخبرته بالقصة
فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، و قد أمرني بتخليتك، فالحقي بأهلك فلا خير فيك.
&و تزوج إسماعيل زوجته الثانية و هي سامة بنت مهلهل الجرهمية و استأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه انه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه. فلما أتى إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية فسلمت عليه و رحبت به و تلقته بأحسن لقاء، و سألها عن إسماعيل و هاجر فأخبرته بخبرهما، و أنهما في رعيهما، و عرضت عليه النزول فأبى، و ألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول فأبى، فقدمت إليه لبنا و شرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة ثم رجلت"1" شعره و دهنته، ثم قال لها : إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلام و يقول لك احتفظ بعتبة بيتك، فنعمت العتبة هي) "2"
&
إن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يعلن عن نفسه لأي من المرأتين، فقد أراد أن يعرف عن كثب أخلاق زوجة ابنه و كيفية تعاملها مع الناس والضيوف وعابري السبيل، فطرق بابها كرجل غريب يحتاج للراحة و الطعام و المساعدة، لكن ( الجداء ) لم تحسن استقبال الضيف و عابر السبيل و إكرامه، بل عاملته بنفور و جفاء فاستحقت ان يأمر ولده بتخليتها، بينما بارك (سامة الجرهمية ) و اعتبرها نعمة و رحمة منحها الله لولده، إذ أحسنت وفادته و إكرامه و سرحت له شعره و دهنته، و هي لا تعرف الرجل من يكون.
إن ما صدر عن المرأتين كان طبعا غالبا، و أخلاقا متأصلة في كل منهما، رفض عليه السلام الأولى و ذمها، وبارك الثانية و مدحها لا بل اعتبرها نعمة إلهية وهبها الله لولده. هذه إذن نظرة أبو الأنبياء ورأيه في النساء، و تلك هي المرأة التي يراها نعمة و بركة، فما بال بعض البشر يريدون ان يجعلوا النساء ( كالجداء ) لا بل يريدونهن أكثر جفاء و نفوراً و سوء تعامل، و يضيِّقون عليهن لأجل ذلك، و يمنعونهن من محادثة أو رؤية أحد و إن اضطررن لحديث أو جواب من خلف باب أو جدار أو حجاب يجبرونهن على تغيير أصواتهن خوفا ان يتعرف عليهن احد من السائلين، او لقناعتهم أن صوت المرأة عورة كما يتوهمون، و يجهدون كي يوهمون الآخرين برأيهم. لقد جاء الإسلام ثورة على الأوضاع الفاسدة و التربية الفاسدة و المعاملة السيئة والسلوكيات القبيحة البشعة التي كانت قائمة و تسود المجتمع الذي كان يحكمه آنذاك المرابون و الطغاة و البغاة و المستكبرون و تجار الرقيق، غايته، إرساء قيم نبيلة جديدة تنقذ المظلومين و المحرومين و المقهورين المستضعفين، و في طليعة هذه الفئات المسحوقة المغلوبة على أمرها التي جاء الإسلام لإنصافها و إنقاذها، هي فئة النساء، فإضافة لكونهن محرومات من الميراث لأنهن لا يشاركن في الغزو، ويخضعن لتعسف الرجال في الطلاق، إذ كان يقول الرجل لزوجته :( أنت عليَّ كظهر أمي ) فتغدو طالقا، و هو ما عرف ( بالظهار ) كما كان بإمكانه أن يطلق زوجته عشرات المرات، و قبل أن تنتهي عدتها يعيدها إليه حتى اشتكت إحدى النساء لعائشة رضي الله عنها، من أن زوجها يطلقها، و كلما اقتربت عدتها يعيدها ولا يأوي إليها ثم يطلقها و هكذا، فأخبرت أم المؤمنين النبي (ص) فأنزل الله ( الطلاق مرتان )، كما كن يجبرن على ممارسة البغاء لصالح أسيادهن، ولأنهن مقهورات مظلومات أيضا بزواجهن من رجال في عمر أجدادهن، إذ كان شائعا أن ُتزوج فتاة في الثامنة أو التاسعة أو العاشرة إلى شيخ طاعن في السن غني ميسور أراد أن يستمتع في آخر أيامه هدّه الهزال، و أقعده المرض عن معاشرة هؤلاء الفتيات الصغيرات اللواتي و إن بلغن جنسيا كما يحدث في كل المناطق الحارة، لكنهن بكل المقاييس الإلهية و البشرية قاصرات غير مدركات، لم تكتمل عقولهن بعد لا يفقهن معنى الزواج على حقيقته و لا يشعرن بالمسؤولية أو يعرفن معنى لها، و لا يدركن أهمية تأسيس أسرة أو إنجاب أطفال، كما لا يستطعن التميز جيدا بين الخير و الشر، و بين الحلال والحرام، و هذا واضح لكل من لديه أبناء و بنات في مثل هذا السن فعلى الرغم من التقدم الشديد لوسائل المعرفة و العلم في هذا العصر و اهتمام الأهل و الدول الكبيرين بالأولاد فان تصرفاتهم و قدراتهم على استيعاب دروس التربية و الأخلاق والتمييز بين الخير و الشر و الحلال و الحرام تظل قاصرة غير مكتملة و يظل شعورنا نحوهم بأنهم أولاد طائشون لا يعرفون ما يفعلون، و نغفر لهم زلاتهم على هذا الأساس، و في بعض البلدان العربية يسمونهم ( العيال ) تعبيراً عن ولدنتهم و طيشهم، و في بلدان أخرى كالعراق مثلا يسمونهم ( الجهّال ) و هو وصف صحيح صادق عن و ضعهم و جهلهم و قلة إدراكهم و خيالهم الواسع و شطحا تهم الكبيرة مما يعني عدم جواز معاملتهم على غير هذا الأساس، كما تعطي هذه التسمية ( الجهّال) الأهل و الآخرين مبررا للمغفرة و التسامح، فكيف إذن كانت حال هؤلاء الصغار المحرومين من كل عطف و عناية و علم و معرفة مع أهل جهلة متخلفين قساة لا يهتمون و لا يبالون؟ لكن هذا لا يمنع أن تكون تلك الفتيات اللواتي بلغن جنسيا على درجة عالية من النشاط و يتفجرن أنوثة و رغبة لا تقوى الشيوخ العاجزة المنهكة من مجاراتهن، وتلبية حاجاتهن الغريزية الطبيعية التي خلقها الله و أقر لهن حقهن فيها، و حرمهن منها أولئك العجائز المتعبين الذي كان واحدهم يجمع أحيانا أربع قاصرات معا يتسرى بهن في بيته.
ان هذا الزواج الغير متكافىء الذي أرادته الشيوخ العاجزة متعة و تعزية عن شبابهم الراحل المفقود لابد ان تصاحبه بعض التصرفات الطائشة بسبب الحاجة الطبيعية و الحرمان و فقدان الحنان و العطف و عدم الانسجام و التوافق بسبب فارق السن الكبير و بسبب نظرة كل طرف للأخر و ما نتج عنها من سوء معاملة و ظلم من جانب و خوف و رهبة من الجانب الآخر، و كل طرف يريد الثاني أن يكون مثله، وقد يتصوره كذلك و يتعامل معه على أساس هذا التصور إن كل هذه الأمور قد أضرمت الغيرة في قلوب أولئك الشيوخ بسبب عجزهم و تقاعسهم،فصار الشك يسري في نفوسهم كالنار في الهشيم مما أثار فيهم الحقد و الغضب و الضغينة، فراحوا يقذفون التهم يمينا و شمالا غير عابئين بسمعة أولئك الفتيات القاصرات المرغمات على الزواج او الغير واعيات له، يطعنونهن في شرفهن و أخلاقهن، خاصة و أن أغلى ما تملكه المرأة العربية - بنظر المجتمع- ليس عقلها أو مالها أو ولدها أو برّها بوالديها و صدقها و أمانتها و حسن معاملتها وإنما شرفها الذي يتمثل بشكل حصري بغشاء بكارتها. إن رمي المحصنة و قذفها مرض نفسي و اجتماعي خطير يعود على الفرد و المجتمع بأبشع العواقب خصوصا عندما يسمع الأولاد الصغار ذكوراً و إناثاً أن آبائهم وأقربائهم قد طلقوا زوجاتهم أو اتهموهن في أخلاقهن و شرفهن فيرسخ في ذاكرتهم و وجدانهم ان العلاقة الزوجية ليست بالقداسة و الطهارة التي كانوا يظنون، مما يسبب لهم الخوف من الزواج و الإقلاع عنه أو أنهم سيحذون حذو أهلهم و أقربائهم في سلوكهم و تصرفاتهم الزوجية مما يؤدي في النهاية إلى تفسخ المجتمع وتحلله و لذلك كان لابد من العلاج الفعّال الذي يوقف المرض و يمنع انتشاره. لقد كانت النساء من أوائل الذين تبعوا النبي و آمنوا بدعوته، بل إن أول شهداء الإسلام كانت امرأة (سمية أم عمار بن ياسر)، كما ان امرأتان أيضا شاركتا في بيعة العقبة (أم عمارة نسيبة بنت كعب. و أسماء بنت عمر) عدا عن أن مواقف النساء البطولية، خاصة في غزوة أحد، تؤكد عمق إيمانهن بالدعوة و تفانيهن في سبيلها. ان النساء الراشدات المدركات استطعن أن يشرحن بشكل مقنع للنبي ( ص) و يعبرن ببلاغة عن حقوقهن على ذلك المجتمع في الميراث و الحقوق الزوجية مثل (أم سلمى، و زوجة سعد بن الربيع، و أم كجة، و كجة هي زوجة أوس بن ثابت وكبيشة بنت معن الانصاري)"3" فهلّت الآيات الكريمات اللواتي أنصفتهن و ثبتت حقوقهن. لقد حزن النبي و اغتم كثيرا من أهل الإفك و أحاديثهم الكاذبة الملفقة المفترية الشائنة التي يرمون بها المحصنات و الحرائر دون وازع أو ضمير،حتى أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها قد طالتها ألسنهم، ولم تسلم من قذفهم الشنيع القبيح فأنزل الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، و أولئك هم الفاسقون النور 4) (والذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6) لكن الشيوخ و السادة المتمتعون بالفتيات الغضات القاصرات، ابتئسوا و كرهوا و انزعجوا واعترضوا على ما أنزل الله من آيات كريمة تصون حقوق المرأة و تحفظها من ألسنتهم الخبيثة و أقاويلهم اللعينة (( قال سعد بن عبادة و هو سيد الأنصار أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص) ألا تسمعون يا معشرالأنصار إلى ما يقول سيدكم؟
قالوا : يا رسول الله، إنه رجل غيور، و الله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، و ما طلق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد : و الله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، و إنها من عند الله، و لكن تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه و لا أحركه حتى أتي بأربعة شهداء، فوالله إني لاآتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه و سمع بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح و غدا على رسول الله ( ص ) فقال يا رسول الله : إني جئت أهلي عشيا فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني و سمعت بأذني، فكره رسول الله (ص) ما جاء به و اشتد عليه، فقال سعد بن عبادة : الآن يضرب رسول الله (ص) هلال بن أمية و يبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجا، و إذا كان رسول الله (ص) يريد ان يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فامسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت " والذين يرمون أزواجهم ـ الآيات كلها "فسري عن رسول الله (ص) فقال : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا و مخرجا)"4" و في مكان آخر أن رجلا ((أتى رسول الله (ص) فسأله فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، لتكلم جلدتموه، او قتل قتلتموه، و إن سكت، سكت عن غيظ فقال "اللهم افتح ""5" و جعل يدعو فنزلت آية اللعان....و الذين يرمون أزواجهم..... الآية )"6 "
لكن أولئك الرجال بدلاً من ان يتعظوا و يمتثلوا لأوامر الله في آياته و يحلون المشكلة و يجتثون المرض من جذوره بألا يتزوجوا بالصغيرات القاصرات الجاهلات، و هم عاجزون عن تلبية و مسايرة حاجاتهن الغريزية الطبيعية فقد احتالوا وما ذاك بخاف عن الله سبحانه و تعالى و سخروا آياته و لووا أعناقها و فسروها لمصلحهتم، ووجدوا لأنفسهم مخرجا بأن ضيقوا على النساء و حبسوهن في بيوتهن لا يبرحنها على حد قول احد المشايخ :لا تخرج المرأة من دارها إلا مرة واحدة في حياتها وهي من دار أهلها إلى دار زوجها، و مرة أخرى في مماتها، من دار زوجها إلى القبر. إن آية الحجاب أنزلها الله لأسباب تتعلق بنساء الرسول (ص) نظرا لمكانتهن العالية و رتبتهن الرفيعة و مقامهن المحمود بين النساء و ما روته السيدة عائشة (رض) حول مسالة الإفك ( فخرجت مع رسول الله و ذلك بعدما نزلت آية الحجاب و أنا أُحمل في هودجي و أنزل فيه... )"7" يدل على أنها وحدها محتجبة في الهودج خلافا لباقي نساء المسلمين المرافقين لأزواجهم كما أن هناك أسبابا أخرى (عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب (رض) قلت : يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فانزل الله تعالى آية الحجاب. رواه البخاري )"8" ثم ( عن ليث عن مجاهد : ان رسول الله ( ص) كان يطعم معه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة و كانت معهم، فكره النبي ( ص) فنزلت آية الحجاب )8 . إذن أم المؤمنين عائشة (رض) كانت تأكل مع الرسول (ص) و أصحابه من طبق واحد و هي بدون حجاب، و إجلالا و إكراما و تمييزا لنساء الرسول عن غيرهم نزلت آية الحجاب و مبرراتها مذكورة في متنها ( ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين الآية ) إن الخوف من أذية المؤمنات المسلمات لم تعد واردة و لا وجود لها في عصرنا و بلادنا التي تحكمها الشريعة الإسلامية او تسن القوانين بالاستناد إلى الشريعة التي هي المصدر الأساسي لكل القوانين و التشريعات في البلاد العربية عدا عن أن القانون يحمي الجميع من خطر المجرمين العابثين فكيف بالأحرى لا يحمي المسلمات المؤمنات إن الذي دفع الفقهاء لجعل آية الحجاب عامة بكل النساء المسلمات نزعتهم الذكورية و غيرتهم و حبهم للتسلط و القمع و كما احتالوا في موضوع آيات سورة النور فأوجدوا فقها جديدا سموه فقه سد الذرائع فكانت النتيجة التضييق على النساء و اضطهادهن و حرمانهن من حقوقهن فتحولن إلى ضحايا لهذا الفقه مدفونات أحياء بين أربع جدران ان مجتمعاتنا الحالية تدفع ثمن أخطاء الأقدمين و تعنتّهم و تحايلهم على ما أنزل الله ليستمر تسلطهم و تمتعهم.
إن ما صدر عن المرأتين كان طبعا غالبا، و أخلاقا متأصلة في كل منهما، رفض عليه السلام الأولى و ذمها، وبارك الثانية و مدحها لا بل اعتبرها نعمة إلهية وهبها الله لولده. هذه إذن نظرة أبو الأنبياء ورأيه في النساء، و تلك هي المرأة التي يراها نعمة و بركة، فما بال بعض البشر يريدون ان يجعلوا النساء ( كالجداء ) لا بل يريدونهن أكثر جفاء و نفوراً و سوء تعامل، و يضيِّقون عليهن لأجل ذلك، و يمنعونهن من محادثة أو رؤية أحد و إن اضطررن لحديث أو جواب من خلف باب أو جدار أو حجاب يجبرونهن على تغيير أصواتهن خوفا ان يتعرف عليهن احد من السائلين، او لقناعتهم أن صوت المرأة عورة كما يتوهمون، و يجهدون كي يوهمون الآخرين برأيهم. لقد جاء الإسلام ثورة على الأوضاع الفاسدة و التربية الفاسدة و المعاملة السيئة والسلوكيات القبيحة البشعة التي كانت قائمة و تسود المجتمع الذي كان يحكمه آنذاك المرابون و الطغاة و البغاة و المستكبرون و تجار الرقيق، غايته، إرساء قيم نبيلة جديدة تنقذ المظلومين و المحرومين و المقهورين المستضعفين، و في طليعة هذه الفئات المسحوقة المغلوبة على أمرها التي جاء الإسلام لإنصافها و إنقاذها، هي فئة النساء، فإضافة لكونهن محرومات من الميراث لأنهن لا يشاركن في الغزو، ويخضعن لتعسف الرجال في الطلاق، إذ كان يقول الرجل لزوجته :( أنت عليَّ كظهر أمي ) فتغدو طالقا، و هو ما عرف ( بالظهار ) كما كان بإمكانه أن يطلق زوجته عشرات المرات، و قبل أن تنتهي عدتها يعيدها إليه حتى اشتكت إحدى النساء لعائشة رضي الله عنها، من أن زوجها يطلقها، و كلما اقتربت عدتها يعيدها ولا يأوي إليها ثم يطلقها و هكذا، فأخبرت أم المؤمنين النبي (ص) فأنزل الله ( الطلاق مرتان )، كما كن يجبرن على ممارسة البغاء لصالح أسيادهن، ولأنهن مقهورات مظلومات أيضا بزواجهن من رجال في عمر أجدادهن، إذ كان شائعا أن ُتزوج فتاة في الثامنة أو التاسعة أو العاشرة إلى شيخ طاعن في السن غني ميسور أراد أن يستمتع في آخر أيامه هدّه الهزال، و أقعده المرض عن معاشرة هؤلاء الفتيات الصغيرات اللواتي و إن بلغن جنسيا كما يحدث في كل المناطق الحارة، لكنهن بكل المقاييس الإلهية و البشرية قاصرات غير مدركات، لم تكتمل عقولهن بعد لا يفقهن معنى الزواج على حقيقته و لا يشعرن بالمسؤولية أو يعرفن معنى لها، و لا يدركن أهمية تأسيس أسرة أو إنجاب أطفال، كما لا يستطعن التميز جيدا بين الخير و الشر، و بين الحلال والحرام، و هذا واضح لكل من لديه أبناء و بنات في مثل هذا السن فعلى الرغم من التقدم الشديد لوسائل المعرفة و العلم في هذا العصر و اهتمام الأهل و الدول الكبيرين بالأولاد فان تصرفاتهم و قدراتهم على استيعاب دروس التربية و الأخلاق والتمييز بين الخير و الشر و الحلال و الحرام تظل قاصرة غير مكتملة و يظل شعورنا نحوهم بأنهم أولاد طائشون لا يعرفون ما يفعلون، و نغفر لهم زلاتهم على هذا الأساس، و في بعض البلدان العربية يسمونهم ( العيال ) تعبيراً عن ولدنتهم و طيشهم، و في بلدان أخرى كالعراق مثلا يسمونهم ( الجهّال ) و هو وصف صحيح صادق عن و ضعهم و جهلهم و قلة إدراكهم و خيالهم الواسع و شطحا تهم الكبيرة مما يعني عدم جواز معاملتهم على غير هذا الأساس، كما تعطي هذه التسمية ( الجهّال) الأهل و الآخرين مبررا للمغفرة و التسامح، فكيف إذن كانت حال هؤلاء الصغار المحرومين من كل عطف و عناية و علم و معرفة مع أهل جهلة متخلفين قساة لا يهتمون و لا يبالون؟ لكن هذا لا يمنع أن تكون تلك الفتيات اللواتي بلغن جنسيا على درجة عالية من النشاط و يتفجرن أنوثة و رغبة لا تقوى الشيوخ العاجزة المنهكة من مجاراتهن، وتلبية حاجاتهن الغريزية الطبيعية التي خلقها الله و أقر لهن حقهن فيها، و حرمهن منها أولئك العجائز المتعبين الذي كان واحدهم يجمع أحيانا أربع قاصرات معا يتسرى بهن في بيته.
ان هذا الزواج الغير متكافىء الذي أرادته الشيوخ العاجزة متعة و تعزية عن شبابهم الراحل المفقود لابد ان تصاحبه بعض التصرفات الطائشة بسبب الحاجة الطبيعية و الحرمان و فقدان الحنان و العطف و عدم الانسجام و التوافق بسبب فارق السن الكبير و بسبب نظرة كل طرف للأخر و ما نتج عنها من سوء معاملة و ظلم من جانب و خوف و رهبة من الجانب الآخر، و كل طرف يريد الثاني أن يكون مثله، وقد يتصوره كذلك و يتعامل معه على أساس هذا التصور إن كل هذه الأمور قد أضرمت الغيرة في قلوب أولئك الشيوخ بسبب عجزهم و تقاعسهم،فصار الشك يسري في نفوسهم كالنار في الهشيم مما أثار فيهم الحقد و الغضب و الضغينة، فراحوا يقذفون التهم يمينا و شمالا غير عابئين بسمعة أولئك الفتيات القاصرات المرغمات على الزواج او الغير واعيات له، يطعنونهن في شرفهن و أخلاقهن، خاصة و أن أغلى ما تملكه المرأة العربية - بنظر المجتمع- ليس عقلها أو مالها أو ولدها أو برّها بوالديها و صدقها و أمانتها و حسن معاملتها وإنما شرفها الذي يتمثل بشكل حصري بغشاء بكارتها. إن رمي المحصنة و قذفها مرض نفسي و اجتماعي خطير يعود على الفرد و المجتمع بأبشع العواقب خصوصا عندما يسمع الأولاد الصغار ذكوراً و إناثاً أن آبائهم وأقربائهم قد طلقوا زوجاتهم أو اتهموهن في أخلاقهن و شرفهن فيرسخ في ذاكرتهم و وجدانهم ان العلاقة الزوجية ليست بالقداسة و الطهارة التي كانوا يظنون، مما يسبب لهم الخوف من الزواج و الإقلاع عنه أو أنهم سيحذون حذو أهلهم و أقربائهم في سلوكهم و تصرفاتهم الزوجية مما يؤدي في النهاية إلى تفسخ المجتمع وتحلله و لذلك كان لابد من العلاج الفعّال الذي يوقف المرض و يمنع انتشاره. لقد كانت النساء من أوائل الذين تبعوا النبي و آمنوا بدعوته، بل إن أول شهداء الإسلام كانت امرأة (سمية أم عمار بن ياسر)، كما ان امرأتان أيضا شاركتا في بيعة العقبة (أم عمارة نسيبة بنت كعب. و أسماء بنت عمر) عدا عن أن مواقف النساء البطولية، خاصة في غزوة أحد، تؤكد عمق إيمانهن بالدعوة و تفانيهن في سبيلها. ان النساء الراشدات المدركات استطعن أن يشرحن بشكل مقنع للنبي ( ص) و يعبرن ببلاغة عن حقوقهن على ذلك المجتمع في الميراث و الحقوق الزوجية مثل (أم سلمى، و زوجة سعد بن الربيع، و أم كجة، و كجة هي زوجة أوس بن ثابت وكبيشة بنت معن الانصاري)"3" فهلّت الآيات الكريمات اللواتي أنصفتهن و ثبتت حقوقهن. لقد حزن النبي و اغتم كثيرا من أهل الإفك و أحاديثهم الكاذبة الملفقة المفترية الشائنة التي يرمون بها المحصنات و الحرائر دون وازع أو ضمير،حتى أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها قد طالتها ألسنهم، ولم تسلم من قذفهم الشنيع القبيح فأنزل الله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، و أولئك هم الفاسقون النور 4) (والذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6) لكن الشيوخ و السادة المتمتعون بالفتيات الغضات القاصرات، ابتئسوا و كرهوا و انزعجوا واعترضوا على ما أنزل الله من آيات كريمة تصون حقوق المرأة و تحفظها من ألسنتهم الخبيثة و أقاويلهم اللعينة (( قال سعد بن عبادة و هو سيد الأنصار أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص) ألا تسمعون يا معشرالأنصار إلى ما يقول سيدكم؟
قالوا : يا رسول الله، إنه رجل غيور، و الله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، و ما طلق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد : و الله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، و إنها من عند الله، و لكن تعجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه و لا أحركه حتى أتي بأربعة شهداء، فوالله إني لاآتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا، فرأى بعينه و سمع بأذنه فلم يهيجه حتى أصبح و غدا على رسول الله ( ص ) فقال يا رسول الله : إني جئت أهلي عشيا فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني و سمعت بأذني، فكره رسول الله (ص) ما جاء به و اشتد عليه، فقال سعد بن عبادة : الآن يضرب رسول الله (ص) هلال بن أمية و يبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجا، و إذا كان رسول الله (ص) يريد ان يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فامسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت " والذين يرمون أزواجهم ـ الآيات كلها "فسري عن رسول الله (ص) فقال : أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا و مخرجا)"4" و في مكان آخر أن رجلا ((أتى رسول الله (ص) فسأله فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، لتكلم جلدتموه، او قتل قتلتموه، و إن سكت، سكت عن غيظ فقال "اللهم افتح ""5" و جعل يدعو فنزلت آية اللعان....و الذين يرمون أزواجهم..... الآية )"6 "
لكن أولئك الرجال بدلاً من ان يتعظوا و يمتثلوا لأوامر الله في آياته و يحلون المشكلة و يجتثون المرض من جذوره بألا يتزوجوا بالصغيرات القاصرات الجاهلات، و هم عاجزون عن تلبية و مسايرة حاجاتهن الغريزية الطبيعية فقد احتالوا وما ذاك بخاف عن الله سبحانه و تعالى و سخروا آياته و لووا أعناقها و فسروها لمصلحهتم، ووجدوا لأنفسهم مخرجا بأن ضيقوا على النساء و حبسوهن في بيوتهن لا يبرحنها على حد قول احد المشايخ :لا تخرج المرأة من دارها إلا مرة واحدة في حياتها وهي من دار أهلها إلى دار زوجها، و مرة أخرى في مماتها، من دار زوجها إلى القبر. إن آية الحجاب أنزلها الله لأسباب تتعلق بنساء الرسول (ص) نظرا لمكانتهن العالية و رتبتهن الرفيعة و مقامهن المحمود بين النساء و ما روته السيدة عائشة (رض) حول مسالة الإفك ( فخرجت مع رسول الله و ذلك بعدما نزلت آية الحجاب و أنا أُحمل في هودجي و أنزل فيه... )"7" يدل على أنها وحدها محتجبة في الهودج خلافا لباقي نساء المسلمين المرافقين لأزواجهم كما أن هناك أسبابا أخرى (عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب (رض) قلت : يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فانزل الله تعالى آية الحجاب. رواه البخاري )"8" ثم ( عن ليث عن مجاهد : ان رسول الله ( ص) كان يطعم معه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة و كانت معهم، فكره النبي ( ص) فنزلت آية الحجاب )8 . إذن أم المؤمنين عائشة (رض) كانت تأكل مع الرسول (ص) و أصحابه من طبق واحد و هي بدون حجاب، و إجلالا و إكراما و تمييزا لنساء الرسول عن غيرهم نزلت آية الحجاب و مبرراتها مذكورة في متنها ( ذلك أدنى ان يعرفن فلا يؤذين الآية ) إن الخوف من أذية المؤمنات المسلمات لم تعد واردة و لا وجود لها في عصرنا و بلادنا التي تحكمها الشريعة الإسلامية او تسن القوانين بالاستناد إلى الشريعة التي هي المصدر الأساسي لكل القوانين و التشريعات في البلاد العربية عدا عن أن القانون يحمي الجميع من خطر المجرمين العابثين فكيف بالأحرى لا يحمي المسلمات المؤمنات إن الذي دفع الفقهاء لجعل آية الحجاب عامة بكل النساء المسلمات نزعتهم الذكورية و غيرتهم و حبهم للتسلط و القمع و كما احتالوا في موضوع آيات سورة النور فأوجدوا فقها جديدا سموه فقه سد الذرائع فكانت النتيجة التضييق على النساء و اضطهادهن و حرمانهن من حقوقهن فتحولن إلى ضحايا لهذا الفقه مدفونات أحياء بين أربع جدران ان مجتمعاتنا الحالية تدفع ثمن أخطاء الأقدمين و تعنتّهم و تحايلهم على ما أنزل الله ليستمر تسلطهم و تمتعهم.
&
هوامش:&
1-رجعت =سرّحت
2-مروج الذهب للمسعودي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد طبعة مصر 1966 ج1 ص32.
3-أسباب النزول الواحدي النيسابوري دار الفكر بيروت 1998 ص8.-83.
4-المصدر السابق سورة النور
5-اللهم افتح =الهم أعدل.
6-أسباب النزول الو احدي النيسابوري سورة النور
7-المصدر السابق - سورة النور
8- المصدر السابق سورة الأحزاب.
1-رجعت =سرّحت
2-مروج الذهب للمسعودي تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد طبعة مصر 1966 ج1 ص32.
3-أسباب النزول الواحدي النيسابوري دار الفكر بيروت 1998 ص8.-83.
4-المصدر السابق سورة النور
5-اللهم افتح =الهم أعدل.
6-أسباب النزول الو احدي النيسابوري سورة النور
7-المصدر السابق - سورة النور
8- المصدر السابق سورة الأحزاب.
