المبروك بن عبد العزيز
&
&
&
تكتسي الغارة الجوية الإسرائيلية الأخيرة على سوريا أهمية خاصة بمجيئها في ظل الظروف الجديدة التي حلت بمنطقة الشرق الأوسط، و بعد أن تغيرت معادلة القوى في المنطقة اثر تنحية النظام العراقي السابق و تعويضه باحتلال أمريكي بريطاني مرابط في العراق. و زادت هذه الغارة من حدة الشعور بالإحباط الذي انتشر لدى الشعوب العربية منذ انهيار الجيش العراقي بطريقة مخزية، حتى تعود المواطن العربي على سماع الأخبار التي لا تبث غير اليأس، فلم تعد تحرك له ساكنا، و هكذا أخبار القتل اليومي والدمار الذي يخلفه الإسرائيليون في الضفة الغربية و قطاع غزة. كان الارتباك السوري واضحا من خلال ردها الكلامي الذي جاء متأخرا.
خسرت سوريا في العراق نظاما يمكن اعتباره حليفا رغم الخلاف الواضح و القديم بين النظامين، و لا شك أن مجيء الأمريكان إلى حد الحدود الشرقية لسوريا شتت استراتيجيتها الدفاعية، مما أدى إلى عدم فاعلية دفاعاتها الجوية في التصدي للضربة الإسرائيلية المباغتة. قد يعود ذلك أيضا لاستخدام إسرائيل لوسائل تكنولوجية حديثة جدا للتمويه على الرادارات السورية، أرادت اختبارها لاستخدامها مستقبلا، ضد سوريا أو إيران. جاءت الغارة التي تم إعلام الأمريكيين بها مسبقا لتحقيق هدف مزدوج، وهو إلهاء سوريا عن التدخل في الشأن العراقي عبر إعادة لفت انتباهها إلى عدوها التقليدي، و ذلك لتخفيف العبء على الأمريكان في العراق الذين يراقبون الحدود السورية خشية هروب المسؤولين العراقيين السابقين أو تسلل الإرهابيين، كما تم إشغال الإيرانيين على الجبهة الغربية للعراق بالأزمة النووية، و الهدف الثاني هو تحذير سوريا من السماح لإيران باستخدام مطاراتها أو أجوائها في هجوم على إسرائيل يمكن أن يأتي كرد فوري على ضربة إسرائيلية وشيكة على أهداف إيرانية. فقد أعلنت إسرائيل أخيرا أن لديها خططا جاهزة لقصف مواقع نووية إيرانية، و السؤال هو هل ستنفذها حتى لو وقعت إيران على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، و هو ما يبدو أقرب للحدوث؟. من الأمور الجديدة الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، نلاحظ كيف أن المملكة العربية السعودية التي لم تنسق كليا لإرادة أمريكا كما لم تقف الى جانب بن لادن، تعرضت هي الأخرى و لأول مرة للتحرشات الإسرائيلية، إذ بعد مغادرة الجيوش الأمريكية عن آخرها لأراضيها، افتعلت إسرائيل قضية الطائرات الحربية، و ادعت أنها تمثل خطرا على أمنها. و السعودية بلد مترامي الأطراف يعاني من قلة الكثافة السكنية، رغم موارده الطبيعية و المالية، إلا أنها لم تطور سابقا إمكانياتها الدفاعية بشكل تام و مستقل، و هذا ما يجعلها تبحث عن حليف جديد، لا بد أن يكون مسلما، تتحالف معه للدفاع عنها عند الحاجة، و خاصة بعد عجز معاهدة الدفاع العربي المشترك عن تامين ذلك. و لذلك لجأت إلى الباكستان البلد المسلم النووي الوحيد، و ربما تجنبت مصر لان هذه الأخيرة تربطها معاهدة سلام مع إسرائيل هي معاهدة كامب دايفد، فهل سينجح هذا الحلف رغم بعد الباكستان النسبي عن السعودية و انشغالها بالعدو الهندي؟
&بعد سوريا و إيران و السعودية و ليبيا يأتي الدور على مصر. فقد اتهمت في الآونة بتكديس السلاح أكثر مما يجب و خاصة مع غياب وجود أعداء لها حسب شارون. و من يدري؟ قد تتهم إسرائيل غدا الجزائر أو اليمن. إذ يبدو أنها تريد استغلال تواجد الأمريكان بالعراق لأبعد حد.
و يريد شارون الآن إتمام عملية تبادل الأسرى مع حزب الله في أسرع وقت قبل البدء في مغامرة جديدة. و أسوء سيناريو يتمثل في قصف إسرائيل لمواقع إيرانية فترد إيران بإطلاق صواريخ شهاب 3 و بإرسال العشرات من الطائرات إلى سوريا للقيام بعمليات استشهادية على أهداف إسرائيلية، و قد تكون تلك هي المفاجأة التي تحدث عنها الإيرانيون أثناء تحذيرهم لإسرائيل من مغبة قصفها. و ستحول القوات الأمريكية بالعراق حتما دون قيام جسر جوي بين إيران و سوريا، مما يجعل التواصل بين الحليفين أمرا صعبا، و ربما سيطول بقاء الولايات المتحدة في العراق لإنجاز هذه المهمة.