&بغداد&من صافي الياسري: لاخوف يا عراق تقفز بنزق مشتهى متأوهة تحت لمسات اصابع نسيمات تشرينية فذة، تتأوه بجذل وتحرك رأسها بأنوثة، فيتطاير شعرها البندقي اراجيح نسبية العطر، على بوابة كليتها في مجمع الجادرية، تقف قليلا ويلحق بها زميل.
ـــ ها... ايمان.. بردانه؟
يتساءل زميلها المتودد، فترد بنعومة ـــ ابدا..
انه اول خريف حر يصافح بغداد وتمتلك روحي بهجته. لم نكن نسترق السمع، فالحوارات على بوابات جامعة بغداد وفي اروقتها لم تعد مهموسة، كنا نبحث عن صدى لمحاولات الخائبين اثارة الخوف بين الطلبة كشريحة واسعة من شرائح الشعب العراقي، نبحث عن ارتعاشة هدب، او نظرة قلق، وغصبا عنا.. كانت الابتسامة.. تترصدنا وتلاحقنا وتطل متحدية.. اكسسوارا مكملا لكرنفال الزي الجامعي والكتب التي ضمتها محافظ زينت بخارطة العراق، وعبارات الحب والقلوب المتضامنة وملائكة الموسيقى وصور محببة وتعليقات طريفة، كان اعذبها ذلك الذي قرأناه مطرزا على قميص ابيض حريري لطالبة من كلية العلوم، استخدمت لتطريزه خيطان الكلبدون الذهبية.
سحر.. ما، اخذني اليها، وحين رفعت رأسها الى عيني المعلقتين بالحروف المنقوشة على قميصها ابتسمت وقبل ان اسألها قالت:
ـــ انا ايمان عبد الله محمد، طالبة في كلية العلوم، قسم البايولوجي، المرحلة الثانية، اسكن المنصور حي المهندسين، هل تريد رقم الدار ايضا ايها الصحفي؟
افلتت مني ضحكة وانا ارقب عينيها تتجولان فوق هويتي المعلقة على عنقي، لتواصل الكلام.
ـــ نحن ثلاث فتيات في العائلة، قررنا ان نرد بطريقتنا الخاصة على اولئك الذين يحاولون اثارة الخوف في نفوس الطلبة، لافشال العام الدراسي فكانت هذه الكلمات التي امضينا يوما كاملا في تطريزها على قمصاننا، اعتقد ان زميلاتي الاخريات فوجئن بها، لكنهن جميعا اتفقن معي على ان نحضر الى الجامعة يوم السبت وقمصاننا مطرزة بخيطان الكلبدون تحمل هذه الكلمات.
لم يعد لدي سؤال، فأيمان المشرقة اجابت عن كل ما يمكن ان يخطر ببالي.
في اروقة مجمع باب المعظم، حيث تقوم بنايات كلية الاداب، اللغات، الصيدلة، الاعلام، تتملى الوجوه الضاحكة للطلبة وحين يتجمعون حولك تتمنى لو عدت طالبا من جديد، غدا الخميس يوم عطلة متفق عليه، ولهذا فان مواعيد الايام التالية تحدد منذ الآن، مجموعة تخطط لسفرة قريبة يوم الجمعة، واخرى تحدد& مكانا للقاء وتحضير مادة دراسية مطلوبة ورابعة تحدد للجميع يوم السبت موعدا لفعالية الحضور المتكامل للتأكيد على انجاح العام الدراسي الحالي.
&الروابط الطلابية تتهيأ لتوفير باصات نقل خاصة تمر خطوطها بأحياة مدينة الشعب والصدر والاعظمية والكاظمية، تنطلق صباح اليوم السبت من نقاط تجمع محددة.
حيدر شاهر الغيظ، مسؤول الرابطة الطلابية في كلية المأمون الاهلية يقول:
ـــ نتهيأ منذ الوم لفعالية الحضور المتكامل بدءا من يوم السبت، وقد اكد لنا جميع الطلبة في هذه الكلية& اصرارهم على الحضور في الموعد المحدد، دون التفكير في اي عذر او عائق، وتنشط رابطة الطلبة في كلية الرافدين الاهلية ايضا على هذا الجانب، وتلقينا انباء مماثلة عن نشاطات روابط وتنظيمات الطلاب في كليات جامعة بغداد، حتى زميلاتنا الطالبات ابدين اصرارهن على الحضور المتكامل وعينا عددا من الطلاب لحراستهن عند الحضور او عند انتهاء الدوام وكذلك اساتذتنا الذين تساءلوا.. هل يفكر احد بالانقطاع خوفا؟
فعالية الحضور المتكامل بدءا من يوم السبت، تأتي ردا على جرائم الارهابيين الوافدين واصحاب السوابق المحليين من بقايا القتلة.
لاخوف يا عراق، ربما ستصبح شعارا لهذه الفعالية، واذا كانت ايمان قد اطلقتها بعفوية ونقشتها بخيطان الذهب على قميصها وقمصان اخواتها.. فان الطلبة في عموم كليات ومدارس بغداد تلقفوها.
عوائل الطلبة هي الاخرى تحض اولادها وترافقهم، معلمات ومدرسات المدارس الابتدائية والمتوسطة اتفقن ومنذ ايام مع عدد من اصحاب الكوسترات على ايصال الطلاب والطالبات من والى بيوتهم مقابل اجر، وضمن خطوط سير محدودة لضمان امن الطلبة وتأمين حضورهم وترافق معلمة او مدرسة كل واحدة من هذه الكوسترات .
الطالبتان فاطمة ياسر وميس شاكر من متوسطة الجوادين للبنات في الكاظمية تقولان: لانريد ان يمنعنا احد من الدراسة، حتى يوما واحدا، ولاتخيفنا هذه الجرائم.
&ياسر محسن طه، والد الطالبة فاطمة من محلة التل في الكاظمية يقول:
ــــ لا الارهاب الدولي، ولا اصحاب الصحائف السود، لا احد على الاطلاق يمكن ان يزرع الخوف في نفوسنا، او يأخذ منا حريتنا وطموحنا حرة اخرى.
شاكر محمود العبسلي، والد الطالبة ميس من محلة الشيوخ في الكاظمية ايضا يقول:
&ــــ مشروع العراق الجديد، لايعطله الخوف، ولن نسمح له ان يتملكنا، نعم نحن نتحسب حرصاً على اولادنا ولكي نطمئن سنرافقهم لحمايتهم، ولكننا لن نخاف، الخوف من جديد، يعني العودة الى زمن الطاغية الذي ولى ولن يعيدنا اليه احد، لا القنابل ولا الارهاب ولا الجرائم، هذه الصفحة انطوت ومن يحاول فتحها الان يائس لم يعد لديه يوى ورقة اخيرة نقول له مقدما انها احترقت يوم هوى الصنم.
في مدينة الشعب، الصدر، الحرية، الشعلة، وفي احياء بغداد الاخرى كالامين، المشتل، بغداد الجديدة، البياع، والاحياء التي لم يتسع لنا الوقت لزيارتها، يستغرب المواطنون سؤالنا ان كان ثمة رغبة في الانقطاع عن العمل.. او الدوام في الدوائر او المدارس والكليات بسبب من ردة فعل قلقة من جريمة جديدة قد يرتكبها الخائبون.
الشيخ طالب الياسري، امام جامع الحسنين في بغداد الجديدة يقول:
ــــ استمع المصلون هذا اليوم (الجمعة) الى خطب الائمة التي ستؤكد ادانة هذه الجرائم، وكونها الرفسات الاخيرة لبغل يحتضر، وانها لن تخيف احدا، لن ينقطع احد عن عمله او دوامه، وسيتضامن الجميع في حماية الجميع، والحياة ستستمر ولن يعطلها شبح الخوف الذي مات بعد ان شطب من اعمارنا 35 عاما .
في نقابة المعلمين، كان الحديث يصب في المجرى ذاته، فالتوجه القائم، هو العمل بكل السبل لانجاح العام الدراسي الحالي وعدم السماح باية ثغرة يتسلل منها الارهاب والجريمة لتعطيله او اعاقته.
المدرسة صباح الاعظمي، عضو الهيئة الادارية لنقابة المعلمين/ الرصافة، تقول:
ــــ جريمة الاثنين القاني لم تفلح في اعاقتنا عن اداء واجباتنا وتوجهنا العام لانجاح العام الدراسي الحالي، ففي اليوم التالي كان الحضور اعتياديا ونسبة الغياب اعتيادية، وتلقينا اشارات من جميع مدارس الرصافة تؤكد ان الحضور كان طبيعيا، واكد زملاؤنا في قاطع الكرخ الامر نفسه.
فعالية الحضور المتكامل ابتداء من اليوم السبت ، تؤكد روح العراق الجديد في مواجهة المشروع المظلم للارهاب والجريمة والردة المستحيلة.
تحطمت قيود الانسان العراقي وسيدرك المصابون بالعمى والمتلفتون الى الخلف هذه الحقيقة شاءوا ام ابوا.. اليوم او غداً.
(تنشر بالاتفاق مع صحيفة "النهضة" البغدادية)
