مازن الراوي


&
هل يمكن أن يُحدث إعتقال دكتاتور كل هذه الضجة؟
ماذا يليق بطاغية لم يترك خلفه إلا المثالب، ولم يحقق لمشايعيه ومؤيديه ما تطلعوا أليه، ومع ذلك يتعلق الكثير في البلدان العربية بالوهم الذي نسجه له ولهم : وهم القوة، وهم الإنتصار، وهم المستقبل، وهم إنتشال الأمة من مأزقها، توحيدها والإعلاء بها الى مرتبة أعلى من مرتبة الشعوب المتقدمة.
أية شعوب هذه وهي لا تستطيع محاكمة الواقع الذي تعيش فيه وتمتثل الى نبرة الخطاب ووقع البلاغة؟.
&
لقد ترك لنا الدكتاتور صدام حسين إرثاً ثقيلا من الآلآم والإنكسارات ومن النكوص الى الخلف. وبقراءة بسيطة للوقائع واستقصاء سريع للواقع يكشف المرء الثمن الفادح الذي دفعه العراق ودفعته "الأمة". هذا القراءة ليست في الواقع إنحيازاً لمناهضي صدام حسين بقدر ما هي حقيقة تتجلى أمام المتابعين والدارسين الجادين لواقع العراق والمنطقة. ولا حاجة لذكر الوقائع والحقائق، فهي جلية مؤلمة إلا لمن لا يريد الإعتراف بها، أو أنه من التحجر العقلي ومن العمى السياسي والإيد يولوجي بحيث يغطي إنحيازه على ما كان يأمل به ويفيده.
لقد حقق بعض الدكتاتوريين، بأسم الأمة والوطن ودرء المخاطر عنها، إنجازات أقنعت الكثير من البسطاء قصيري النظر، كما حقق البعض منهم مكانة لبلدانهم بين البلدان المتقدمة. و البعض الآخر نقل مجتمعه من طور ريفي الى مجتمع صناعي متقدم. و في كل هذا كانت المثلبة والنقد والمناهضة لتلك الدكتاتوريات موجهة الى سياسة البطش والإبادة، سياسة التطوير بالعنف، سياسة منع الشعب من ممارسة حقه في الديمقراطية وبناء مؤسساته المدنية. ولكن دكتاتورنا صدام حسين، بالمقارنة مع الآخرين، لم يقدم للشعب العراقي ولا للشعوب العربية أي ملمح من ملامح التحول الإيجابي. لقد فشل في سياسته الداخلية بتطوير المجتمع، بل على العكس أرسى تقاليد فتتت المجتمع وأذكت فيه التناحر القومي والطائفي والعرقي، فيما ترك البلاد تئن من الجوع والأمية والمرض والتخلف ....الخ . لذلك نرى من الغريب، بل من العجب، أن يحظى الدكتاتور العربي صدام حسين بقبول قطاعات وشرائح من الشعوب العربية، وإن على نحو قليل جداً لدى المجتمع العراقي. و كما أعتقد، يحتاج هذا الأمر الى دراسة البنية الفكرية والإجتماعية للمجتمعات العربية بغية كشف جذور هذا التهافت، وذلك الإغتراب عن النفس وعن الواقع، وعدم القدرة على رؤية الحقائق والتنكر للواقع وحركته.
ومن المؤسف، بل من الفضيحة، أن لا يقتصر الإعجاب والتشيّع للطاغية عند البسطاء و السذج من الناس الذين لم تسعفهم الظروف لتحصيل قسط من المعرفة والرؤية المنظمة والنقدية للحياة، وإنما يتجاوز ذلك الإعجاب والدفاع عن الطاغية ليصل الى المتعلمين والمثقفين والنخب السياسية. وأعتقد بأن دورهم ــ دور السياسيين والنخب الثقافية ــ أكثر أذى للمجتمع، وخاصة إنهم يسيرون الوعي للناس في غياب الشفافية والجدل الديمقراطي الصحي في البلدان العربية.
&
لماذا هذه السطوة لدكتاتور فاشل على عقول بعض الناس؟
ولم هذا التبرير لدوره في الخراب وتحميل جهات أخرى المسؤولية ؟. ولماذا إنكار وقائع الموت والقبور الجماعية، وتبرير التطهير العرقي والتهجير والإبادة الجماعية ؟
يتجلى كل هذا من متابعة بسيطة لوسائل الإعلام، خاصة في كثير من الفضائيات العربية التي تصوغ الأنباء والأحداث وتقدم حلقات النقاش عن العراق . ويبدو أن شخصية الدكتاتور صدام حسين قد حازت في الفترة الأخيرة، ومنذ إعتقاله تحديداً، بالقسط الوافر من الدفاع عنه والدعاية له، بينما انبرى سياسيون ومثقفون، ورجال دين و محامون هذه المرة، للدفاع عنه. ولا يجدي المدافعين عنه تكرار عبارات الإبتعاد كـ "أنا لاأؤيده ولم أؤيد سياسته" لأن ديباجة الدفاع عنه تفصح عن نفسها وتعلن التعاطف معه والدفاع عنه.
&
جدل الإعتقال
منذ إعتقال الدكتاتور صدام حسين لا ينفك يدور جدل طويل، كما قلنا، في الصحف وفي الفضائيات العربية عن الملابسات والظروف التي أحاطت بإعتقاله. وفي إطار ذلك تأتي كثير من الأفكار وتزدحم "البراهين" وينسج الخيال ليؤكد كذب رواية وتصوير قوات التحالف لواقعة إلقاء القبض عليه.
ومن جانب آخر، مع نفي وقائع مشهد الإعتقال، يمضي هؤلاء الى إتخاذ موقف اخلاقي مفاده، إن إظهار الرئيس العراقي، رئيس دولة عربية كان عضواً في نادي الملوك والرؤساء، على الشكل الذي ظهر فيه من بؤس واستسلام هو مناف لقوانين الأمم المتحدة، وإنما هو إهانة مقصودة من قبل التحالف موجه للعراقيين و الى العرب جميعاً أريد به إذلال أمة برمتها !. ومن الملاحظ أن عدداً كبيراً من السياسيين المرموقين ومن المثقفين العرب وقفوا موقفاً واحداً مكذّبين رواية قوات التحالف، وتمسكوا بالأخلاق وبالقيم العربية لإدانة عرض "الرئيس صدام" بالشكل الذي تمّ عرضه فيه.
ربما لم يشكل الأمر داخل العراق ضجة كبيرة، مثلما شكل في الإطار العربي. ولكن في كل الحالات يتلمس المرء تهافت وضحالة العقل السياسي والثقافي للنخبة العربية التي تدافع عن هذه المسألة و تريد تبريراً لسقوط الفأر في الفخ، بينما تنادي للتعاطف مع الدكتاتور. وليس من الصعب أن يتلمس المرء في خطابهم بؤ س الأيديولوجيا المشحونة بالمفاهيم الخاطئة لمشاعر القومية والإسلامية، التي تشكل الأرضية لهذا التعاطف، وهي تستقي من الحقد والغضب ضد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما مشاعرها المتناقضة.
وأعتقد بأن هذا النمط من الفكر القومي الذي يلتصق بالدكتاتور صدام حسين، خاصة لدى قطاع عريض من الجماهير العربية، هو فكر كاريكاتوري لم يرق الى مصاف المعرفة بالمفاهيم وبالشروط القومية نفسها. وهو فكر خطر أثبت التاريخ تحوله السريع الى الفاشية. أما الأسلاموية السياسية التي تلتصق بصدام حسين فهي اسلاموية مستقاة من الجهل بالإسلام، لاتريد معرفة سلوك وسيرة الدكتاتور مع المسلمين في العراق. وهي بالتالي إسلاموية سياسية حاقدة نافية لكل ما هو "غير مسلم" حسب قناعتها، تعتمد على القتل والإغتيالات والتدمير لأي مجتمع آخر و أي تشكل مختلف عما تؤمن به وتعتقد إنه الصواب الكامل في الإسلام.
و يحيلنا هذا الأمر ــ قناعة القوميين والإسلامويين ــ في الواقع، الى معرفة غير صعبة بحقيقة الدكتاتور صدام حسين إذا أردنا وأرادوا ذلك . معرفة تتناقض، في الحقيقة، مع قناعات القوميين. فلم يكن الرجل دكتاتوراً ترك بصمات إيجابية على المجتمع وقام بإنجازات ملموسة تجسد قناعات هؤلاء القوميين. وإذا كانت الوحدة العربية عنوانا رئيسيا لهم فإنه لم ينجز شيئا في هذا المجال، بل على العكس منح جزءاً من الوطن العراقي ــ الوطن العربي الى إيران، كما منح أراض واسعة شمال البلاد للجيش التركي بذريعة مطاردة الأكراد. فضلا عن أنه أهدر القدر اليسير من التنسيق العربي، وجلب بسياساته الجيوش الأجنبية الى المنطقة.
&
دكتاتور أم طاغية
أي دكتاتور بائس هو دكتاتورنا ؟ حقاً إنه يليق بشريحة كبيرة من العرب الذين يؤيدونه ــ مثقفون وسياسيون وناس بسطاء، وهم بتأييدهم له يجهلون آلية القسوة والطغيان. يجهلون التاريخ، مثلما يجهلون المعرفة الجدلية للتطور والإرتقاء. يجهلون معرفة ذواتهم قبل كل شيء. ومن لا يعرف ذاته لايعرف الآخر ولا يستطيع تقييمه، وبالتالي يُسقط عليه آماله وتمنياته كمن يسقط قطرة ماء في الصحراء.
لقد وعى الشعب الألماني ــ على سبيل المثل ــ الذي ابتلى بالدكتاتورية، بعد تحرير بلاده من النازية، حقيقة الكوارث التي جلبتها الهتلرية، وتعلم أن لا يتحدث عن حدود الرايخ الثالث و وحدة الأمة الجرمانية ؛ كان ذلك وهماً وكلف ألمانيا والبشرية قرابة 50 مليون قتيل. . وبنى الألمان، بعيدا عن الأوهام، بلادهم في فترة قياسية لتكون واحدة من اهم الدول الصناعية. ولم يقف مثقفون مع النازية إلاّ بعدد الأصابع لفظهم المجتمع . ونقد هذا البعض نفسه بقسوة شديدة معتذرا أمام الشعب وأمام ضميره. ولعب المثقفون والسياسيون المناهضون للفاشية وللهتلرية دوراً مؤثراً وعميقاً في تعرية النازية وأماطة اللثام عن بربريتها المخربة للفكر وللقيم وللعواطف الإنسانية.
وكذلك الأمر في الإتحاد السوفياتي السابق الذي أنتصر على أفكار ستالين وأدانها في المؤتمر العشرين. و بالرغم من إقتران اسم ستالين بالإنتصار على النازية والمساهمة في تصنيع وتحويل البلاد الى مرحلة متقدمة بين البلدان الصناعية لعب المثقفون والسياسيون الدور الحاسم في تعرية الدكتاتورية وتوعية الناس، و تركوا لنا ثراثاً ثميناً في الثقافة وفي الأدب وفي مناهضة الدكتاتورية.
أما ما يحدث في البلدان العربية، وفي عالم وسلوك المثقفين العرب، فلا يمكن أن يقارن بما حصل ويحصل في العالم. وما زالت الثقافة العربية في أحسن الأحوال بعيدة عنتأدية أول واجباتها وهي الدفاع عن حرية الأنسان العربي أن لم تكن متواطئة مع مراكز القمع الرسمي، والمثقفون العرب في غالبيتهم يجدون الراحة في المؤسسات الرسمية التابعة للحكومات، وهم الضيوف الدائميون للإحتفالات الرسمية لتلك الحكومات غير عابئين بمن في سجونها طالما هم في فنادق الدرجة الأولى.
&
آهرنبورغ وستالين
&
كتب "إيليا آهرنبورغ" في رواية له، هي "سقوط باريس"، أو ربما "العاصفة" عن موت جوزيف ستالين، واصفاً لحظة سماع النبأ، بأنه جاء على الجميع كالصاعقة: وجومٌ وصمتٌ وحزنٌ عميق خيّم على الناس. وشعر الكثير من مواطني الإتحاد السوفياتي باليتم .
عندما أتذكر ذلك الوصف الذي أرّخ له آهرنبيرغ أتذكر أيضاً أن بعض معارضي سياسة ستالين، من النخب ومن الكتاب وقد نسيوا لوهلة تناقضاتهم مع الدكتاتور وشعروا بمثل ما شعر به كثير من الناس وقالوا : ماذا عسانا أن نفعل بدون ستالين، وها هو قد رحل وتركنا وحيدين في هذا الفراغ.
كان ستالين قد نما طاغية ودكتاتورا، كما أرّخ له التاريخ. ووضع، في الواقع، اللبنات الأولى للخراب في المجتمع السوفياتي. إذ أنه حجب وأوقف التحول الديمقراطي في البلاد معززاً مركزية الدولة مانعاً التحول نحو المجتمع الديمقراطي المدني.
إن ديكتاتورية ستالين التي تجسدت في مجتمع ممزق متكون من أعراق وقوميات، أجبره ستالين قسراً أن يتحول من الأوليغارشية والإقطاعية الى مجتمع إشتراكي. هذا المجتمع الجديد لم يبدل كثيراً الإنسان في ذاته، ولم يمنح له إمكانية أن يفكر وأن يجادل نفسه وغيره ليغتني فكراً وعاطفة، ومن ثمّ يتمكن من إتخاذ المواقف وفق وعيه وبإرادته الحرة. هكذا تمّ تحويل مجتمع متخلف لم يعش برهة في التاريخ حياة ديمقراطية وبالقوة الى مجتمع تسوده علاقات أنتاج جديدة مفروضة عليه من فوق. وبسب ذلك تقوت مركزية الدولة وأجهزتها القمعية التي قادت التحولات المطلوبة. وفي خضم فقدان الحزب الشيوعي لجماهيريته إبان الحرب الأهلية والجوع الذي عمّ البلاد طويلاً تضخم الجهاز القمعي وأسندت للجيش الأحمر صلاحيات إستثنائية بحيث قمع مبكراً ما سمي بتمرد كرونشتاد وثورة ماكنو. وقام الجيش الأحمر بأعمال إجرامية باسم صيانة الثورة وإبادة الأعداء. وهكذا أيضاً ومن خلال الآلية نفسها تحولت أجهزة الدولة الى نخبة بيروقراطية معزولة تفرض برامجها.
بهذه البنية الإجتماعية والظروف الإقتصادية والتشكل السياسي قاد ستالين البلاد وقد استلم إرثا ثقيلا. إلا أنه استمر في النهج نفسه، بل عمّق الأزمة مؤمناً بأن "التحول الثوري" لن يتم إلاّ بالقسر وبالإجبار وبالقمع . أراد ستالين ان يستمر بالنهج ذاته في تحويل الفلاحين المعدمين، والذي يشكل الموجيك الأكثرية فيهم، و البروليتاريا الرثة التي لم تشهد علاقات إنتاج متطورة، والقوميات المختلفة والأعراق التي كانت ما تزال تعيش في القرون الوسطى تقريباً، يغطيها الدين والعلاقات الأبوية وروح المجاميع القبلية ... الخ من ملامح التخلف، أراد ان يخلق شعباً أشتراكياً متجانساً في رقعة الإتحاد السوفياتي. بل فرض النظام الإشتراكي في البلدان التي حررها أبان الحرب العالمية الثانية.
لقد حقق ستالين، في الواقع، تحولاً ملموساً. حقق نجاحات في حقل الصناعة وتمركز الانتاج، وأيصال اطراف الإتحاد السوفياتي المترامية ببعضها. وازدات الثروة وزالت ملامح الفقر المدقع، كما "حلّ" ستالين مشكلة القوميات بأقسى أشكال القمع . ولكن هذه التحولات لم تحدث في العمق وفي الجوهر، بل مكثت على السطح ولم تغير البنية العقلية والعاطفية للناس في مجتمع لم يدشن الديمقراطية . ومع ذلك اكتسب احتراما لدى الكثيرين الذين كانوا ينظرون الى روسيا وتطورها ومكانتها من منظور قومي وايديولوجي نظرة اعجاب، ويريدون لها أن تبرز في العالم كدولة عظمى.
وتمكن ستالين، وبفرصة منحها له التاريخ، أن يواجه نازية هتلر الذي أراد أن يفني الإتحاد السوفياتي. وقد قام فعلاً بشن الحرب ضدها وقتل الملايين وحرق القرى والمدن وكان على وشك إسقاط موسكو.
إن نجاح ستالين في رد بربرية هتلر ومن ثم ملاحقة جيوشه والزحف نحو برلين وإحتلالها وإنهاء رمز الرايخ الثالث جعل منه بطلا أمام شعوب الإتحاد السوفياتي الذي دفع قرابه 25 مليون قتيل. لذلك فإن جدل التاريخ بخصوص ستالين كان لدى قطاعات من الجماهير في الإتحاد السوفياتي السابق جدلاّ صعباً، ولكن ما يتبقى من هذا الجدل، إحتكاما للعصر الذي نعيشه بقيمه الإنسانية والأخلاقية، يجسد التاريخ في ستالين القسوة والنزعة الفردية الطاغية، مثلما يجسد فيه الرجل المشكوك في قواه العقلية، و الذي قام بتصفية ما أسماهم بخصومه السياسيين، وأجرى التغييرات في المجتمع السوفياتي ليس بمنطق متطلبات الواقع الموضوعي وبما يخدم التطور الإجتماعي لصالح المجتمع وإنما وفق قناعة أيديولوجية تنطلق من القناعة الذاتية وتضحي بكل من يقف أمامها.
وأعتقد بأن لحظة شعور معظم الروس عند موت ستالين باليتم وبالفراغ وبالإنصعاق من زواله، وكذلك بالفراغ المؤلم ناجم عن تظافر عوامل عدة، على رأسها بنية المجتمع، وعلى انتصار روسيا بقيادته في الحرب الثانية وتخليص البلاد من بربرية النازية.
كانت روسيا المنتصرة، المعززة بالأيديولوجيا الأحادية، ترى في الإمبراطورية القوية مفخرة، تغذيها ماكنة إعلام موجهة مملوكة للدولة، ذلك الإعلام الذي في حقيقته لا يخاطب العقل، بل يطلق شعارات آنية عاطفية معجونة لوعي الجماهير المتدني . لقد دخل الإتحاد السوفياتي مرحلة متقدمة كدولة قوية الى جانب الولايات الأمريكية المتحدة وبريطانيا العظمى وفي هذا المشهد أصبح ستالين آنذاك أحد رموز التاريخ لدى معظم الشعب السوفياتي الذي لم يكن يعرف ما يدور في أروقة المخابرات، وفي ثلوج سيبريا وأرخبيل الكولاك. ولم تكشف لهم النخبة الثقافية حقيقة ما يجري أو تتحدث عن المقصلة المسلطة على رقاب مثقفين آخرين مناهضين لسياسة ستالين.
&
صورة كاريكاتيرية
&بهذا التمهيد المسهب بعض الشيء عن ستالين كمثال للدكتاتور في التاريخ الحديث، أردت أن أقوم بمقارنة صعبة وغير متطابقة البتة، ومختلفة كلياً لكنها ضرورية، بينه وبين الدكتاتور العراقي صدام حسين. الأول دكتاتور بجدارة تنطبق عليه المواصفات العقلية والسلوكية والسيكولوجية التي تنطبق على أمثاله من الدكتاتوريين، مثلما تنطبق سيرته الشخصية وتركته ونمط أفكاره. و لعلنا نجد دوماً مواصفات مشتركة بين ستالين وأدولف هتلر وموسليني والجنرال فرانكو وبينو شيت وبول بوت. ولكننا عندما نقارن صدام حسين بهؤلاء نجده صورة كاريكاتيرية يقف الى جانبهم، يشاركهم في الطغيان فقط. وهو شبيه بأمثاله من الطغاة الذين أغتصبوا السلطة بالإنقلابات العسكرية وبالتآمر. طغاة محدودي الأفق دون تكوين ثقافي أو إرث قيمي وأخلاقي محدد، يفضلون الذات على كل شيء، ويركزون على الملذات ويتظاهرون بالمعرفة الكلية سداً لنقص في المعرفة ودفعاً لتهمة الجهل عنهم . يستعلون على الناس. يحتقرونهم ويصفونهم بالرعاع ويعتقدون بأنهم يقودون هؤلاء الى التقدم والحضارة، وهم أولياء نعمتهم.
لقد أثارني، ليس القبض على الطاغية صدام حسين من قبل قوات التحالف وعلى النحو الذي شاهدناه على شاشات التلفزة من بؤسٍ وذلة وانكسار، بل أثارني موقف أولئك الذين أحالوا واقعة أسره الى دراما بشرية وخاضوا في تحليلات وتفسيرات مسهبة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها تحليلات تصدر من عقل غير سوي يمضي وفق الهوى والعاطفة الشخصية منافيا الواقع. إنها بالتأكيد آراء ساذجة ومغرضة في آن واحد. تحليلات غريبة، ولكنها تبدو طبيعية لدى اولئك الذين اطلقوا العنان لمخيلتهم ولعواطفهم، والذين فسّروا ما فسّروه وفق منطلقاتهم ووفق بنيتهم العقلية.
ولكن قبل كل شيء ينبغي أن نحدد المواقف أزاء إعتقال الدكتاتور صدام حسين. وأظن إنها تتلخص في موقفين تحيط بهما تلوينات كثيرة.
ينظر بعض الناس، وبينهم عدد من المثقفين والسياسيين، وخاصة العرب، الى أن إعتقال صدام حسين لا يعقل أن يكون على النحو الذي عرض على الشاشة : رجلٌ ملتحٍ وسخ، ألقي القبض عليه في حفرة ضيقة في مساحة مهجورة . دكتاتور مخيف يبدو مشدوها " متعاوناً " مع الذين القوا القبض عليه. يفحصه جنديٌ من جنود التحالف. يدير رأسه ذات اليمين وذات اليسار، يعبث بشعره الكث وبلحيته الطويلة، ثمَّ يُدخل آلة فاحصة في فمه، فيما يشير ــ صدام ــ الى فوديه هادئاً مستسلماً، مسلماً رأسه، هكذا ببساطة، ويقبل أن يحلق " المحتل " لحيته الطويلة بموسى حلاق التحالف.
أية إهانة هذه للدكتاتور البطل الذي وعد بقهرهم على أسوار بغداد، وهزم سابقاً جيشهم الثلاثيني؟
هذا البطل القومي العنيد، الذي كان طاغية لا تجرأ الرتب الرفيعة من العقداء النظر مباشرة الى عينيه أو المراتب العليا في الحزب والدولة، يسقط هذا السقوط الشنيع . الرجل الذي بإشارة منه تشن الحرب وبإشارة أخرى تقف. يطلق الرصاص دوما من بندقيته أمام المريدين، يدخن السيكار الكوبي الطويل ....الخ. هو بطل هذا الزمان. بطل مثل الأنبياء يرفع يد البركة على الجميع. الجميع يرتعبون منه.
رجلٌ لم ير التاريخ معتداً بنفسه وطاغية أباد ومثّلَ بالملايين في حروبه وفي سلمه مثله. هو صلاح الدين وحامورابي ونبوخذ نصر. هو منقذ الأمة وبسمارك العرب.
حقاً لا يمكن لهذه السيرة التي أذكت بالقوة الواهمة قطاعا عريضا من الناس وبالأخص العرب المؤمنين بالوحدة وبالتحرير وبإعادة الأمجاد، أن يتصوروا بطلهم مستسلماً خاضعاً متعاوناً مع قوات التحالف وبجانبه فواكه فاسدة وصندوق معدني يحوي على 750 الف دولار أمريكي.
اية دراماً بشرية لمن اعتقد بالقوة اللامتناهية للدكتاتور؟
أي خذلان سيشعر به أولئك الذين عقدوا عليه الآمال بدحرقوات التحالف وبتحقيق آمال الأمة العربية؟
هي صدمة بالتأكيد لمن أعتقد بأن الدكتاتور البطل سوف يستسلم من دون أن يطلق طلقة واحدة ضد مهاجميه، أو أن لا ينتحر بطلقة من مسدسه الذي لا يحتاج إلا الضغط على الزناد، وهو أضعف الإيمان.
المهربون واللصوص يقاومون مطارديهم ويدافعون عن أنفسهم وغنيمتهم من الشرطة، ودكتاتورهم لم يفعل ذلك أي بؤس هذا. كلا لايصح الأمر. لابد من مؤامرة تكمن في المسألة.
&
خيبة أمل
وهكذا فإن خيبة الأمل العميقة لدى أولئك الذين أصيبوا بالإحباط من بطلهم المخلص يجعلهم غير مصدقين الحقيقة. يمسهم السقوط الدراماتيكي شخصياً ويلامس ضعفهم وإنكسارهم، ويجسّد لهم أنفسهم ضحايا ً أمام "العدو". ولأنهم لايصدقون المشهد ولا يريدون الإقرار بالواقع المؤذي لهم، يحاولون التأويل ويفسرون الواقعة بخيال معاكس، يقول صراحة
وجهاراً بأن البطل لم يستسلم وإنما جرى تخديره، ولم يكن بمستطاعه وهو تحت التخدير أن يقاوم، أو أن يطلق النار على نفسه. ولإجل ان تتكامل رؤى المخيلة عندهم يضعون إحتمالات للواقع . مرة تقول الإحتمالات بان قوات التحالف استخدمت قنابل خاصة لهذا الغرص، ومرة ثانية إن الخيانة لعبت دوراً في تخدير الرجل بالطعام أو بغيره. فضلاً عن أن المخيلة تذهب بعيدا وتبتدع لمكان "الجريمة" شواهدا ووقائع : نفق الخراف في محيط الحفرة، أو المقاومة الشرسة التي أبداها الرئيس البطل وجندل المئات من جنود الأعداء قبل أن يخدر، اخلتهم القوات المعتدية قبل تصوير المكان وتأليف المشهد غير الحقيقي.
أما الموقف الآخر الذي رافق إلقاء القبض على صدام حسين فهو الإدعاء بأن إظهاره على النحو الذي عُرض فيه على شاشات التلفزة إنما هو إحتقار للإنسان العراقي والعربي أرادته قوات التحالف بسابق أصرار وقصد. وهكذا إنشغل الإعلام العربي في مناقشة طريقة الإعتقال ووضع الكرامة والشرف العربي والقيم الرفيعة في حفرة الرئيس . وأدلى العديد من السياسيين بهذا الرأى، وكتب مثقفون مرموقون شعروا بالإهانة من "تحطيم الرمز" وعلى صفحات الجرائد.
حقيقة انها لصدمة عند الكثير من الناس وخاصة الطبقة السياسية وبعض النخب المثقفة وهي ترى في رجل يرمز الى القوة والى القيادة والى الرهبة، كما يرمز الى قدرة الفعل في التغييرات، والي شن الحروب. الى الإستعلاء وإحتقار الآخرين والى المعرفة الكلية التي لا يستطيع أحد أن يجادله فيها. بطلٌ كما في الأساطير قادر لا تحده في فعله أية معارضة، بل يسحقها ويغيبها تحت الأرض. إنها في الحقيقة صدمةٌ عميقة إذا ما عرفنا بأن هذه الصفات هي الصفات التي تكمن في العقل الباطن لأولئك الذين شعروا بالعار من صورة البطل مندحراً مسلماً نفسه، موضوع اليد عليه، لا في قصوره وأمام جيشه الجرار، وإنما في جحر وسخ.
أنكسار الصورة إذأً إهانة للفكرة و تحطيم للأمال الشخصية.
وفي هؤلاء السياسيين والمثقفين، وفي كثير من الناس العاديين، جزءٌ من البنية العقلية للدكتاتور وللطاغية. بنية الطغيان على العائلة والطغيان على الناس في السياسة، والطغيان على الأدب و الثقافة في حقل المعرفة . إذاً، في أنكسار الطاغية وفي أندحاره، إنكسارٌ في جزء من شخصية هؤلاء وبنيتهم العقلية. والواقع ان تلك البنية العقلية، دون إدراك من حاملها، بنية معقدة متناقصة. متوارثة ومتناسخة لا يجد الوعي فيه مكانا ليحل هذا التناقض. ويبدو ان المجتمعات العربية القبلية التي لم تتطور على نحو طبيعي، ولم تتغير فيها علاقات الإنتاج بشكل جذري بحيث تتغير معها منظومة القيم الفكرية والثقافية، تعاني من تداخل القيم والأفكار والعواطف. لم تحل القيم الجديدة محل القيم القديمة و لذلك نجد مرة أنفسنا في موقف معين ندافع عنه ومرة في ذات الموقف لننتقده وفق المنافع والأهواء الشخصية.
ويلاحظ المرء في حماسة الفضائيات العربية وهي تناقش موضوعة الإهانة للإنسان العربي، توغل نفسها في الإهانة وفق هذا المنطق في نشر صور صدام حسين لدى أسره و تكرار تلك الصور والتفنن في إخراجها وربطها بالأحداث بمناسبة أو من غير مناسبة. ويتشدق سياسيون ومثقفون عن العسف والإرهاب ويمجدون سقوط الدكتاتوريين ومحاكمتهم، بينما هم يتعاطفون مع الدكتاتور صدام حسين. إنهم ضد الرؤساء والملوك العرب ولكنهم يأسفون ويتألمون من إلقاء القبض على من كان في نادي الملوك والرؤساء. هذه التناقضات في الموقف يلزمها التفحص والتأمل والكشف من قبل الذين يكشفون تناقضهم.
ويفرح المرء، في الواقع، لدى إلقاء القبض على قاتل او لص او مجرم مختلس أورث الأذى والألم لبعض الناس، لكنه من الغريب أن لايفرح بإلقاء القبض على مجرم أباد مئات الآلآف وقاد الحروب وسرق البلاد بعد أن جعلها مزرعة له ولعائلته. أي تناقض هذا في هؤلاء الذين يثيرون الجدل حول فنية إلقاء القبض على مجرم عتيد، ثمّ يرفعون صوتهم عاليا بأنه عار وإهانة للإنسان العربي، وكأن الإنسان العربي معقود شرفه بالدكتاتور صدام حسين.
ويبدو أن قطاعات واسعة من المجتمعات العربية ترحّل أزمتها الى العراق الحالي وتجد فيه محنتها دون ان تعرف، أوتريد أن تعرف الحقائق . ولا شك أن المجتمعات في البلدان العربية تعاني معانات شديدة من جراء واقع مؤلم يضغط عليها وينفيها. واقع الفقر المدقع الذي يعاني منه الناس. البطالة والحرمان من الضمانات الإجتماعية والصحية. الأمية والتخلف وكافة الأمراض الإجتماعية التي تفتت النسيج الإجتماعي. فضلا عن التشكل السياسي الذي لا يتصدى لتلك المشكلات، بل يقف أمام التحولات المطلوبة في الإرتقاء بالمجتمعات الى حال أفضل. إن النخب السياسية التي تقود الأنظمة في هذه البلدان تواجه عجزها بإقصاء الناس وقمعهم. تواجههم بمزيد من القوانين التي تحول دون إعطاء المبادرة للناس. وكلما ازداد ت التناقضات بينها وبين الناس، تلجأ الى تصريف الأزمة بمزيد من القوانين والإجراءات القمعية، وبتعميم خطابات سياسية وايديولوجية تريد بها حرف الوعي عن الأزمة البنيوية الحقيقية. إن الخطاب القومي الذي يحيل الوضع المؤلم في البلدان العربية الى تجزأة البلاد العربية ويرى في الوحدة الخلاص، متهما الإستعمار والصهيونية في كل عزف على المشكلات، لايعدو أن يكون هروباً مقصوداً وتخلياً عن معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة. ونرى في ترحيل الأزمة هذه الى مناطق إنعدام الوزن، ليس فقط عند النخب السياسية الحاكمة، بل نراه أيضا عند النخب السياسية المعارضة التي تتهم هؤلاء بالعمالة للإمبريالية، وتشيّع للنضال القومي والإسلامي للإطاحة بهذه الأنظمة.
&
في الخطاب القومي
&
ويبدو أن الخطاب القومي الوحدوي الملون بأمجاد التاريخ والمعزز بعاطفة العصور الذهبية للحضارة العربية يمنح البديل العاطفي لأولئك المحبطين ليتساموا على الوضع المزري لهم ويأملوا بالعودة الحميدة الى الحضارة تلك. ولا يقتصر الأمر هنا في حلم العودة الى الحضارة، بل الدخول في نسيج معقد من الأفكار والعواطف، ومن ثم الى الأفعال التي تسيرهم. و من الواضح أن بؤرة تلك الأفكار هي الحقد والكراهية ضد كل من يقف دون تحقيق المجد العربي (بالتأكيد الإمبريالية الأمريكية والصهيونية وأذنابهما) وبالعكس التعاطف والتآزر مع من يناهضهما، مهما كانت المناهضة وبأي خطاب جاءت. ذلك لأن العقل لديهم عقل مبسط لا يقدر على مواجهة أزمته وحلها، لكنه مفتوح على الخطاب العاطفي الإتهامي . عقل لايرى إلا الأبيض والأسود، دون أن يرى التدرج اللوني بينهما. وبالتالي فإن هؤلاء يلتقون مع من يلتقي معهم. ولأنهم يبحثون مرهقين عن بطلهم القوي التاريخي يجدونه أحيانا في هذا البطل أو ذاك، في رئيس ما، أو في قائد سياسي. ويلعنون القدر عندما تحبط آمالهم، منتظرين بطلا آخر.
لقد برز أبطال عديدون في "أمتنا" العربية، بدءأ من عبد الناصر الى الأسد الى القذافي الى بن لادن وعرفات وغيرهم، ثم صدام حسين، ولكن الإجماع عليهم لم يكن أبدا إجماعا شاملا، ذلك لأن العواطف المتضاربة والعقل الذي لا يعي برنامجه لإنتشال الوضع العربي من محنته، ولإختلاف "الأيديولوجيات القومية" فيما بينها لم تقدر الجماهير العربية على الإجماع والسير خلف بطل واحد. والواقع أن كل بطل من هؤلاء الأبطال أورث الكثير من خيبات الأمل لدى مشايعيه. ماذا ترك لهم من أرث ومن إنجازات؟ مازات الحالة العربية في أسفل السلالم، ومع ذلك فأن عاقدي الآمال على الوحدة العربية وعلى النهضة الأسلامية هم بإنتظار المخلص صلاح الدين، حتى دون أن يعرفوا جرائم ووصولية صلاح الدين. أو لابأس من القمع والإبادة الجماعية عندما يتعلق الأمر بالوحدة وبتحرير الأوطان.
في هذا السياق وجدتْ قطاعات واسعة من العرب، وخاصة خارج العراق، ضالتها في صدام حسين كمخلص للأمة من محنتها. يوصل الأمة العربية الى الوحدة والى بر الآمان. أليس هو الرجل القوي والطاغية التي تطأطيء أمامه رؤوس الجنرالات؟. ألا يملك رابع جيش قوي في العالم، ونحن نمجد القوة. ألم يحارب ثماني سنوات الفرس المجوس. ألم يفتح الكويت، أولئك الأغنياء في وطن عربي جائع ومعدم. ألم يضم جزءأ من وطن ممزق ليشكل بؤرة الوحدة العربية مثلما عمل بسمارك. ألم يقف بوجه الأمريكيين الأعداء؟ حسناً، أمام هذه الإنجازات لابأس أن يُشِّرد الملايين ويُغيِّب تحت الأرض ملايين أخرى. أنه الرمز بالدرجة الأولى، ولايهم ما آلت اليه سياسته من دمار وأفناء للبشر، مثلما لايهم سقوط العراق ودماره وعودة مجتمعه عقوداً الى الوراء وقد عانىهذا المجتمع ويعاني طويلا من الجروح والدمامل بسبب سياسته الرعناء.
أي فكر ضيق لهؤلاء الموالين؟ أية عاطفة مجرمة لأولئك الذين لا يعبأون بالدراما البشرية في العراق، وبتأثير سياسته على المنطقة التي جلبت الويلات؟
يبدوأنه ليس من الغريب أن يتعاطف مثل هؤلاء مع الدكتاتور العراقي. وليس من الغريب أيضا أن ينظروا الى الوقائع نظرة تنفي موضوعيتها. وهم يستحضرون كل ما في المنطق الشكلي من تنصل عن الواقع لينزهوا الدكتاتور. نافين عنه جبنه بإستسلامه. يطلقون القيم الأخلاقية العربية من كرامة وعزة وشرف أهدرت جميعا بتصويره من قبل قوات التحالف حيما أظهرته على النحو الجبان والوسخ لدى إلقاء القبض عليه. ومن الغريب أن هذه القيم العربية، المهانة، قد عممت لديهم لتكون أهانة الدكتاتور هي إهانة لكل العرب والمسلمين، وكأن القيم العربية تتجسد في صدام حسين.
&
التماثل مع الطاغية
وقبل أن أعلق على طبيعة وجذور مخيلة أولئك الذين أصيبوا بصدمة وبخيبة امل من إستسلام صدام حسين، أو أولئك الذين أعتبروا عرضه وتصويره على هيئة ما ظهر فيه إهانة للإنسان العربي والعراقي، أود أن أشير الى خيبة املي الشخصية في الذين أستخدموا طاقاتهم الفكرية والعاطفية في التحليل والتفسير الذي ذهب بعيدا في الخيال. وأخص بالإشارة الى سياسيين ومثقفين "مرموقين" أدلوا بدلوهم في هذا المجال. كما أود التاكيد على المراءات التي إتسم بها معظم الذين استحضروا القيم والأخلاق العربية لإشعار الناس بالعار ويحرضونهم بالنخوة العربية .
إن الموقف المنطقي الحصيف من إلقاء القبض على صدام حسين، مهما رافق الموقف من تفاصيل، كان يببغي له أن يكون مفرحاً. ذلك أن دكتاتوراً دموياً حكم العراق 36 عاما، دمر فيها نسيج المجتمع العراقي وأعاق التقدم، فضلا عن جرائمه، قد رحل وانتهت حياته السياسية الى الأبد. ولا مجال هنا لإطلاق المخيلة وتبرير استسلامه، إلاّ إذا كان المرء يتعاطف مع الدكتاتور ويتوافق مع سياساته الإجرامية، أو إذا كنا في ذواتنا ما نزال أسرى الدكتاتورية، وينطوي هذا الأسر المعيب على علاقة مرضية تتمثل في أحايين كثيرة وتحظر دون وعي في عقل وفي عاطفة بعض الناس وبعض النخب السياسية والثقافية. وهذه العلاقة في الواقع معقدة وتتغذى من إرث إجتماعي ومن إملاءات ايديولوجية غفلة متناقضة أشد التناقض في ذات المرء المدركة الواعية.
أما من يعتبر صورة الدكتاتور، بما ظهر عليه، إهانة له وللعرب، فهومرض أخطر من التماثل غير الواعي مع الدكتاتورية، لأن المرء لا يشعر بالإهانة من صورة دكتاتور مهان إلاّ إذا تماثل وتطابق معه، واعتبره جزء منه و في صورته. وربما هو رياء كبير يفوح ممن يتحدث عن إهانة رئيس دكتاتور ويتخوف من الإهانة التي ستلحق بالرؤساء العرب، بينما يصرخ ليل نهار متهماً الرؤساء العرب بالدكتاتورية مؤكداً ضرورة النضال من أجل الإطاحة بهم. ويبدو أن هذه الإزدواجية مرض يسري بين الطغاة وجماهيره.
في تصّور الإهانة والإدعاء بها وتعميمها عند هؤلاء يكمن موقف أخلاقي أكثر منه موقف فكري. وهذا الموقف الأخلاقي موقف إنتقائي ظرفي، يناقض المرء نفسه فيه في ظرف آخر له مصلحة ما فيه. إنه موقف أخلاقي يتسم بالنفعية والمراءات، كما يتسم بالتناقض والتضارب. باختصار إنه موقف لا يتسم بالأخلاق بقدر ما يتذرع بالأخلاق وصولا الى تبرير ما وتحريض ما. وفي أحايين كثيرة هو موقف لإرضاء الذات التي لا تعرف هواها.
ولكن، يبدو أن المسألة في جوهرها لدى عموم هؤلاء، لا تتعدى إلاّ أن تكون انحيازاً. إن من يتعاطف ويحب ويثمن ويتطابق مع الدكتاتور صدام حسين ينحاز اليه، ويجد التبريرات ويخترع منطقاً مخالفاً للعقل وللواقع، من لا ينتقد أو لا يقاوم الدكتاتورية والدموية يجسد صورة الضحية بالضرورة في صدام، ويعمم ذلك كإهانة له وللعرب.
أما الحقيقة فينبغي أن تكون عقلية مستقاة من جانب من تراثنا على الأقل، ومن فحص واقعنا اليومي. لقد رحل طغاة كثيرون غير مأسوف عليهم، ولم يشكلوا لدى الشعوب التي تخلصت منهم أية إهانة، بل على العكس. وكذلك الأمر مع المجرمين واللصوص والملعونين في مجتمعاتنا، يريد الناس إبعاد شرورهم وجرائمهم عن الناس، ويفرحون لدى إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم.
&
&