نضال حمد
&
&
شبه مقدمة
قال أحدهم لي: "ستموت منتحراً بقلمك..زرعت في كل حارة "عدوا صديقا" ينتظر سقوطك منتحراً بحماقاتك... وعندها سنهيل التراب على مقالاتك ونترك جثتك للبعوض والدبابير"...قلت: طز..فلتذهبوا إلى الجحيم...
&في الماضي، أعني بالأمس، كنا نسمع الأغاني وكانت تملأ مساحة من الطرب نهيم فيها ونحلق مع ألحانها في فضاء القصيدة.. كنا نتعلم من كلماتها كلمات نسرقها في المناسبات، نزرعها في رسائل غرام نمررها على طالبات المدارس وننتظر عبورهن الطريق حالمين..ندندن بأغنية لعبد الحليم حافظ أو نرشق طريقهن بكلمات أمير الشعراء ممسوجة القوام بلحن لم يفقد وتره ووتيرته!!
&اليوم...نسمع ضجيج الأغاني وفتات الكلمات حتى أصبحنا نقارن فتيات المدارس وعابرات الطريق بأولئك اللواتي يشغلن الفضائيات بلباس نومهن الشفاف...فوجدتني في مرحلة "أخاصمك آه"...رغم أن واقعنا يفرض علينا مصالحات وتنازلات لا غني عنها قبل أن تقصفنا طائرات الأباتشي..وأنا بصراحة لست مستعداً للتضحية من أجل سواد عيون نانسي عجرم ووسامة وائل كفوري...سأصالح..أو هكذا على الأقل ينتظر مني بعض القراء كما أشار صاحبنا...
&المطربون لا يبحثون عن لحن ولا كلمة بل أصبحوا يبحثون عن مساحة في الفضائيات وصبايا جميلات على استعداد للتصالح والتنازل مع "الهوا الطاير" ليصل هذا المطرب أو تلك المطربة إلى قائمة الـ "توب تن"...
بالمقابل تُعِد إسرائيل بدورها قائمة الـ "توب تن" لأشهر المطلوبين.مطلوبين.ليس للعدالة بل للتصفية الجسدية...وبعض الأثرياء العرب أو الشخصيات الحكومية تمول بعض الفضائيات لصنع مشاهير ونجوم على حساب "الذوق العام" في قائمة التوب تن..بل وجديد بعض الأنظمة العربية هي قائمة طازجة لمؤسسات انسانية وخيرية (عليها العين) مطلوبة بحجة تمويل الإرهاب...طبعا الإرهاب حسب المفهوم الأمريكي له...
الإرهاب اصبح فضفاضاً مثل ذمة أصحاب بعض الصحف والأقلام المأجورة...وصارت قوائم الإرهاب والمطلوبين في مشارق الأرض ومغاربها تشمل مؤسسات إنسانية ودور أيتام وبعض المحسنين...والسلطة الفلسطينية أيضاً التي ولدت من رحم المعاناة أعدت قائمتها من المؤسسات التي ترعى المحتاجين الفلسطينيين والأيتام والمعاقين وأسر الشهداء...
أما نانسي عجرم التي نافست بأشرطتها وصورها وتصدر أخبارها صفحات الجرائد، أخبار نجوم الإرهاب العالميين مثل الرئيس العراقي المخلوع والمعتقل صدام حسين الذي كدنا ننسى ملامحه..فهي جامعة عربية قائمة بذاتها.. تخاصم هذا وتصالح ذاك..وتجوب الدول العربية بحرية لا يتمتع بها بعض الزعماء والقادة العرب مثل الرئيس الفلسطيني المحاصر في غرفة نومه ورغم هذا يقاوم الإرهاب من سريره...
&المطرب الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم لم يسلم سلاحه ملبيا نداء عبد الحليم حافظ في "خلي السلاح صاحي" فبقى مستيقظا وسلاحه...بل وعبر عن كرهه لإسرائيل وحبه لعمرو موسى وغنى للانتفاضة وأقلع عن التدخين في "حابطل السجاير"... ونقل لنا أغاني "مجعلكة" بعد أن اعتاد على مسك المايكروفون بدلاً من (المكوى) و(حلّة الملوخية)... وهذا كله رغم (هز الخصر) والإيقاع (البلدي) يدخل أيضا تحت قائمة الإرهاب والكباب...
باختصار، بعد أن أصبحت أدوارنا ثانوية في فيديو كليب بحجم الفجيعة اسمه "الحياة"...صرنا نبحث عن أدوار رئيسة في حياة أخرى في مكان نستطيع أن نستمع فيه إلى أغاني موزونة كلمة وإيقاعاً.. عن حياة جديدة لا نضطر فيها إلى متابعة الأخبار من قناة إلى أخرى بانتظار هزيمة جديدة...نشرة أخبار لا يحررها "عزرائيل" وفضائيات لا تربض على قلوبنا كالمصيبة وجيل لا يخرج من أرحام الأمهات متأمركا بحكم الجينات الموروثة..صرنا نبحث عن نشرة أخبار لا تحمل بين صفحاتها أكثر من 10 قتلى في اليوم..نشرة أخبار لا نتجرعها كالبصقة التي فرّت من فم مذيعها..صرنا نبحث عن أماكن نزورها غير مضطرين إلى نفي الإرهاب عنا كتهمة...إلى مطارات نعبرها دون أن نرتعش أمام موظف الجوازات...
ولكن هيهات.."المخرج عاوز كدة"..
قبل قليل..قبل دمعيتن في تمام الثانية عشر بكاءً... كنت أقلب بعض المحطات الفضائية وما أكثرها حتى استمعت إلى اغنية يؤديها طفل..ورأيت أن كلماتها أكثر تعبيرا من خطابات زعماء الأمة ومقالات كتابها فقد قال الطفل مخاطباً أباه فيما يبدو: (إنتَ حب أنا صح..تاتا فيها واوا يح..ماما بتقول بابا أوبح..)، ووجدتني لا شعوريا أردد مع الطفل أوبح...أوبح..أوبح.."قلتها ثلاثاً أي والله"..
وقبل نكبتين كنت قد أدمنت أغنية "آلو بابا فين" ورأيت فيها اسقاطاً سياسيا...أما "شعبولا" فهو مطرب المرحلة وأخذ على عاتقه مهمة شحن الجماهير والموبايل بعشرين فولت لا أكثر...وهذا ما نسميه حماسة الرقص أو الرقص الوحدوي في مجابهة الامبريالية...طبعا "شعبولا" لا يعرف الإمبريالية ولكنه يجيد طبخ الملوخية وقلي الطعمية وترقيص الأمة على مصائبها...وانتفاضة يا جدع!!
تفاهات..وكما قال شاعرنا الكبير مظفر النواب: "تفاهات وأتفهها ضمير تحته عجل..يفلسف ثم ينقض ثم لا عقم ولا حبل.."!!
في إطار البحث عن حياة جديدة في مكان آخر وجدت في اقتراب كوكب المريخ من الأرض قبل أشهر فرصة ذهبية للتعلق بأذيال هذا الكوكب الذي قيل لنا أنه سيقترب من الأرض في دورة لا تتكرر إلا كل 300 عام...أعددت العدة ودعوت آخرين للحاق بي إلى المريخ علنا نجد مكانا لا نضطر فيه إلى الوقوف على عتبات الحكام وأصحاب القرار نتسول الدمعة ونستجدي لقمة الخبز وكيس القمح...ورابطت مع المرابطين عند أعلى قمة لكنني لم أر ذيل الكوكب ولم أر الكوكب سوى نقطة مضيئة لم أفرقها عن بقية النجوم...ذابت النقطة المضيئة بين النقاط الأخرى المشعة في السماء..صفق الذي صفق واحتفل الذي احتفل ووجدتني أعود إلى منزلي أجرجر أذيال الخيبة وفي صدري ألف ثقب أوزون وأخذت أردد: أوبح...أوبح...أوبح...أح...
&في اليوم التالي..دعوت أعضاء المجموعة التي رافقتني من المتأمرخين "على وزن المتأمركين" إلى لقاء آخر بعد 300 عام لنلتحق بوطننا الأم...المريخ..ولكن حتى لو تحقق هذا الحلم...ترى هل نسلم من يوم نتهم فيه بالإرهاب الكوني...أخشى ما أخشاه أن يكون ضابط المخابرات ما غيره بانتظارنا على سطح كوكب المريخ يفتش حقائبنا ويصادر أحلامنا...
عليهم اللعنة!!

كاتب أردني مقيم في تكساس - رئيس المركز العربي الأمريكي للإعلام والصحافة في تكساس
[email protected]