زهير كاظم عبود
&
&
&
التباكي المفرط على الخوف من تقسيم وتجزئة العراق يأتي من الأخوة العرب أكثر من العراقيين، والتخوف المغلف بالشك والممتليء بالأتهامات يأتي من العرب دون أهل العراق فيما يخص مستقبل العراق.
التخوف يأتي من خارج العراق أكثر من تخوف العراقيين على مستقبل بلادهم وماسيصير اليه الحال بعد تحقيق الفيدرالية والمجتمع المدني.
الفيدرالية ستسبب تقسيم العراق، والفيدرالية ستكون سبباً مباشراً لتشتيت وحدة العراق وتخريب نسيجة الأجتماعي، والفيدرالية ستسبب كل هذه المشاكل في بلد صغير مثل العراق فلم لايقتنع الكرد بما هم عليه ويقتنعوا بما قسم لهم من وضع ضمن العراق الواحد الموحد الصغير ويصرفوا النظر عن المطالبة بحقوقهم؟
هذه الأسئلة يطرحها بعض الأخوة العرب أو الأجانب المهتمين في قضية العراق أكثر من أهتمامهم باللقاء الذي تم بين رئيس جهاز مخابرات الشقيقة مصر بزميله رئيس الموساد الأسرائيلي، بل وأكثر من أهتمامها بما يدور في مجمل المنطقة العربية حتى ماعادت فلسطين قضيتهم الأولى والمركزية أيضاً.
لم تأت هذه الدعوات عفوية ودون أساس، ولم تنطلق سهام التشكيك في مستقبل العراق حرصاً على وحدة العراق وشعبه العربي والكردي والأشوري والكلداني والتركماني، كانت مثل تلك الدعوات قائمة ولكنها كانت بصوت السلطات القمعية التي حكمت العراق، والتي سببت لنا كل هذا الدمار والقتل والموت والتاريخ المروع والمليء بالمشاكل التي اغرقت اهل العراق وأعاقت مستقبلهم وسممت حياتهم.
لم تكن تلك الدعوات الباطلة سوى كلمة الحق التي يراد بها الباطل، والتي أستعملتها السلطات العراقية البائدة كورقة تستعملها لحاجتها السياسية.
فمن أراد أن يتعرف على مشاكل العراق وخصوصيته عليه أن يتعرف على نضال شعب العراق، وعلى من يريد أن يتدخل ويدلو بدلوه في القضية عليه أن يتعرف على مجمل نضال الحركة الوطنية العراقية وعلى مطالبها التاريخية وشعاراتها المرحلية، التي ناضلت من اجل تحقيقها وقدمت الضحايا والشهداء؟
من يريد أن يتعرف على قضايانا الخاصة عليه أن يتعرف على الشعب الكردي في العراق وأن يبحث بوجدان وضمير حي عن مقابر الأكراد وضحايا الأنفال والأسلحة الكيمياوية وأطفال حلبجة وشهداء البيش مركة الذين طرزوا كل روابي وثرى كردستان من أجل تحقيق المطلب العراقي الثابت ( الفيدرالية لكرد العراق )؟
من يريد حقاً أن يتدخل في القضية العراقية عليه أن يتعرف على قضية القوميات ويقر معنا بحقوقها وأنها شعوب تختلف عن بعضها، ولايمكن أن نلغي هويتها أو تاريخها أو احلامها أو نضالها كرداً كانوا أم عرباً أو تركمانا أو كلدو آشوريين؟
من يريد أن يتعرف على مفاصل وجعنا وأحلامنا ومطالبنا، عليه أن يتعرف على مايريد العراقي لامايريد هو البعيد عن القضية، فقد قال شاعر مجهول يوما ما :
لاتشكو للناس جرحاً أنت صاحبه لايؤلم الجرح الا من به الألم
لن نشكو جرحنا العراقي النازف، ونحن بصدد وضع الحلول العراقية الناجعة، الحلول التي لاتنفع لغيرنا ولن يتفهمها غيرنا، نحن من نتعرف على مراهمها ودوائها، فقد خبر العراقي النضال منذ أن وجد الظلم في العراق، ولم تكن قضية الكرد سوى قضية العراق الأولى، ولم تكن الفيدرالية الحلم الذي يراود عيون الكرد في العراق، فقد كانت أملاً وحلماً للعراقيين، لكي يبقى العراق متوحداً ومتماسكاً وقوياً اكثر من قبل، ولكي يصير العراق فيدرالياً ونموذجاً لمن يتلمس فينا معالم الديمقراطية والتوحد والتعددية وترجمة حقوق الأنسان وبناء المجتمع المدني.
لم يخسر العرب ولاربح الكرد في العراق ولاخسر التركمان ولم يربح الكلدو آشوريين فالكل بعيد عن أوراق الربح والخسارة، الكل يساهم في رسم معالم الطريق العراقي الى المستقبل حين تتحقق سيادة العراق ويستعيد كرامته وهيبته في نظام يفصل بين السلطات ويعتمد التعددية والفيدرالية كنوع من انواع النظم الدستورية في الحكم بعيداً عن الشكوك والخوف من التقسيم والتجزئة، فنحن أحرص على وطننا، ونحن أقدر من غيرنا على فهم مايليق بنا ومايحل قضايانا ومشاكلنا.
وستحل الفيدرالية التي رعيناها بماء العيون وبمستقبل أولادنا وضحينا من أجلها، ستحل الفيدرالية لتزيد من تلاحم العرب والكرد والتركمان، للبدء بترجمة حياة عراقية تليق بالعراقي وتحترم كل حقوقه، وسيبقى العراق لاخوف على وحدته وعلى أجزاءه ومحافظاته وأنهاره وثرواته مادام العراقي يطمح الى أستعادة السيادة والعمل بأتجاه الانتخابات الحرة والمباشرة، وأنبثاق الحكومة الشرعية بعد أن يصار الى تشريع الدستور الدائم الذي ستقره الجماهير العراقية.
ومثلما ذهبت دعوات السلطات البائدة وأتهاماتها الباطلة في توصيف الحق بالأتفصال وتخوفها من أعطاء الحقوق للأكراد لئلا يتلمس غيرهم هذه الحقوق ويطالبوا بحقوقهم المشروعة، ومثلما ذهبت التخرصات البائسة التي كانت تطلقها أجهزة النظام المقبور ضد قضية الكرد، مثلها ستنتهي الدعوات التي يتناخى بها دعاة التعصب القومي ومن أعمياء البصر والبصيرة، وستصطدم رؤوسهم بعناد العراقيين على تحقيق ماضحوا من أجله وقدموا له العشرات والمئات من الشهداء حتى تكلل بالنصر على الطغيان والظلم.
ومثلما انتهت كل هذه النداءات التي تريد السوء بالعراق وتضمر له الشر وتتمنى له الأحتراب وأستمرار جريان نهر الدم العربي الكردي، وبقاء الحال العراقي سوقاً للسلاح والموت والمزايدات وخراجاً لمن هب ودب دون اهل العراق من العرب والكرد والتركمان والكلدو آشوريين.
وسيستمر التباكي على العراق بل ربما سترفع أعلام الحزن وبيارق العزاء حين يحقق العراقي حلمه في الفيدرالية، وسيتناخى المتباكون أن اعلنوها حرباً شعواء على أهل العراق، وحتى لاينتشر وباء الفيدرالية وفايروس الديمقراطية، وعليهم أن يعرفوا حقيقة من حقائق العراق السياسية تخص أكراد العراق، وهي أن من بين أكراد العراق مسلمين سنة وشيعة ومن بينهم مسيحيين ويهود وأيزيديين وكلهم اكراد عراقيين، وأن اكراد العراق نالوا استقلالهم عن السلطة الصدامية البائدة منذ العام 1991 ولغاية 2003، لم تكن دعواتهم ضمن فعل المعارضة العراقية وشعاراتهم المرحلية والستراتيجية في اسقاط النظام الدكتاتوري سوى وحدة العراق الديمقراطي الفيدرالي، ولم تجر دموع بعضهم على العراق في تلك المرحلة، فهل الدموع على العراق أم على سلطة العراق البائدة؟
ستحل الفيدرالية علينا ونطبقها كأروع مانكون فقد طبقتها قبلنا شعوب فقيرة كالهند ونجحت أروع نجاح في فعلها السياسي والدستوري، ستحل الديمقراطية والفيدرالية بدموع حزنهم ودموع فرحنا.
