سعد داود قرياقوس
&
&
&
أيام، وتحلُّ الذكرى الأولى لاستباحة بغداد على أيدي المغول الجدد، سارقي ثروات الشعوب والحالمين ببناء إمبراطوريَّات الرفاهية على أشلاء الفقراء والمستضعفين.
من المؤكَّد بأنَّ باعة الوطن سيحتفلون بهذا اليوم المشؤوم متبادلين نخب الخيانة على أنغام نشيد ليحفظ الله أمريكا. وسيخرج علينا وعَّاظ المحتلِّين وكتَّاب الاحتلال من أصحاب النظريَّات الإحتلاليَّة والتبريريَّة المدافعة عن الحرب الأكثر لاشرعيَّة، والأكثر قذارة بمغالطاتهم السطحيَّة المعهودة، مسطِّرين إنجازات سلطات الاحتلال ومؤسَّساته الذليلة المدهشة دون النظر إلى ما تعرَّض له وطن الحبِّ والشمس، ودون الالتفاف إلى معاناة المواطن العراقي المغيَّب.
سيكتبون لنا عن مفاهيم مفرغة من محتواها، ديمقراطيَّة في ظلِّ السجون الرهيبة والمداهمات اليوميَّة، عن حريَّة مصحوبة بإطلاق النار المتعمَّد على المتظاهرين المطالبين بلقمة العيش وفرصة العمل الكريمة. سيكتبون لنا عن مجلس حكم صوري معيَّن من حاكم أجنبي أعضاؤه معنيُّون بمصالح الكويت وإيران أكثر من اهتمامهم بمشاكل المواطن المهزوم وهمومه. سيكتبون لنا جملهم المركَّبة وكلماتهم الملصوقة قسرًا من مدنهم الأوربيَّة والأمريكيَّة عن عراق جديد وعن نظريَّات عمل، وعن المزايا الإيجابيَّة لمشاريع القبيلة المحافظة في واشنطن. سيقدمون لنا تبريراتٍ عن كلِّ تلك الفقاعات الفكريَّة دون أن تكون لهم الشجاعة للتوقُّف وتأمُّل الأبعاد الحقيقيَّة لمشروع احتلال العراق وتداعياته الكارثيَّة.
إنَّنا ندرك تمامًا صعوبة أن يراجع وعَّاظ المحتلِّين ذاكرتهم المثقلة بشعور الإثم والذنب. فمراجعة الذاكرة الملوَّثة أمر مرعب. وإنَّنا ندرك أيضًا استحالة عرضهم لمنجزات الاحتلال وثماره، لذا ارتأينا أن نذكِّرهم ببعض تلك "المنجزات" التي حقَّقتها إدارة بوش، وأنعمت بها على شعب العراق المحرَّر! إليهم نقول، قبل أن تحتفلوا باستباحة بغداد، توقَّفوا هنيهة أيُّها السادة، وراجعوا بصدق ما حدث خلال السنة الكئيبة الماضية.
تذكَّروا المتاحف التي نهبت اختزالاً لتاريخ العراق، ولمحو كلِّ ما هو مشرق في مسيرته الحضاريَّة، ومحو السجل الخالد للملك الكلداني نبوخذنصَّر، ولأتلاف وثائق ودلائل عراقيَّة الكويت.
&تذكَّروا المكتبات المحروقة ومرافق الدولة المنهوبة والمدمَّرة بشكل منظَّم ومنهجيٍّ منسجم مع خطَّة تغيير هويَّة العراق الوطنيَّة والقوميَّة.
تذكَّروا مذبحة أطفال الحلَّة ضحايا القنابل العنقوديَّة التحريريَّة، وأجسادهم البريئة الممزَّقة بتكنلوجيا المبشِّرين الديمقراطيَّين!
&تذكَّروا عشرات الآلاف من العراقيَِّين الأبرياء الذين سحقتهم دبَّابات الحريَّة وآليات "المدافعين" عن حقِّ شعوب العالم المقهورة.
&استرجعوا أيُّها السادة في ذاكرتكم صور الجثث المحروقة بنيران طائرات "الديمقراطيَّة والعدالة"، والمنخورة برصاص المُخلِّص المتحضِّر.
&حاولوا الإصغاء إلى بكاء العراقيَّات المغتصبات من جنود الاحتلال باسم العراق الديمقراطي الحرِّ الجديد.
&حاولوا أن تسترجعوا في ذاكرتكم المتعبة ملامح أوجه العراقيَّات اللواتي يشعرن بالعار والقرف من عبث أيدي جنود المحتلِّين القذرة في منحنيات أجسادهنِّ بحثا عن أسلحة الدمار الشامل.
&حاولوا أن تتذكَّروا وجوه الأطفال المرتجفة فزعًا من قيود المحتلِّين التي تكبل أياديهم الصغيرة البريئة. تذكَّروا معاناتهم ودموعهم وهم يشهدون إهانة جنود الاحتلال لآبائهم وأمَّهاتهم.
&تذكَّروا كيف تهان كرامة شيوخ العراق، وتسحق جزم المحتلين رؤوسهم يوميًّا.
تذكَّروا كيف أن شوارع كربلاء والنجف الأشرف المُهانة يوميًّا من أبناء الغانيات البولونيَّات. وكيف أنَّ مدن العراق قد تحوَّلت إلى مختبرات لتجربة الأسلحة المحرَّمة، ولتطبيقات جيوش المرتزقة والباحثين عن دولارات أمريكيَّة قذرة.
تذكَّروا المداهمات اليوميَّة والمدن المحاصرة على الطريقة الإسرائيليَّة.
تذكَّروا الدموع المحبوسة في مآقي رجال العراق يأسًا وحزنًا وخوفًا.
تذكَّروا الميلشيات المسلَّحة التي تبثُّ الرعب والدمار، وتنشر الممارسات الهمجيَّة وثقافة الحقد الطائفي تحت شعارات دينيَّة مضلِّلة.
&تذكَّروا فرق الموت المزوَّدة بكاتمات الصوت المنتشرة في كلِّ زاوية من زوايا الوطن المستباح بحثًا عن ضحايا جديدة.
تذكَّروا جيش العاطلين عن العمل البالغة نسبته ما يقارب ألـ 70% من حجم القوَّة العاملة.
&تذكَّروا واكتبوا عن الظواهر الجديدة التي سوَّقها الاحتلال من بيع المخدِّرات على أرصفة الشوارع، وبيوت الدعارة الجنسيَّة التي بلغ عددها عدد بيوت الدعارة السياسيَّة.
&تذكَّروا الرقم الرهيب للمعتقلين السياسيِّين في سجون روَّاد الحريَّة ودعاتها.
&تأمَّلوا جيِّدًا وضع الوطن المباع للشركات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة والكويتيَّة، المهدَّد بالانهيار والقسمة في أيَّة لحظة من أجل أن تتحقَّق مشاريع إقامة دولة كرديَّة على أرض العراق.
&تذكَّروا المساجد المُستباحة وكتب الله الممزَّقة.
تذكَّروا الأيتام والجياع والمشرَّدين والعلماء المعتقلين وأساتذة الجامعة التي اغتالتهم قوى الغدر والتخلُّف والظلام.
تذكَّروا المواطن العراقي الذي صار مشروعًا للاغتيال والخطف والاغتصاب والابتزاز.
تذكَّروا كلَّ هذه الإنجازات الرائعة لمشروع الاحتلال البشع أيُّها السادة قبل أن تكتبوا كلماتكم الغلفة بسمات الذل والتبعيَّة للإمبراطور العاري، وقبل أن تتحفونا بنظريَّاتكم التسويقيَّة. حاولوا أن تتذكَّروا كلَّ ذلك قبل الاحتفال بيوم استباحة بغداد، أو بالأحرى يوم سقوطكم الفكري.
